Follow @TU_Forum
 
 
النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1

    Thumbs up مفاهيم أساسية في البيئة


    الجغرافيا والبيئة




    مقدمة عامة

    تعاني البيئة بمختلف مكوناتها الطبيعية والبشرية، من مشكلات بيئية كثيرة ومتفاقمة يعج بها عالم اليوم، وجلها مشكلات تستدعي تفكيراً عميقاً، ودراسة متأنية تساعد في وضع الحلول المناسبة لها، وتخفيف أعبائها ونتائجها السلبية، عن كاهل البشرية المصدومة بها هنا أو هناك، ناهيك عن الخوف من أن تتجاوز التأثيرات البشرية الحالية قدرة النظام البيئي في المحافظة على توازنه واستقراره، وقدرة كوكب الأرض على البقاء بوصفه كوكباً حيّاً يعيش عليه الإنسان وغيره من الكائنات الحية.
    ولأن معظم هذه المشكلات البيئية ذات أبعاد جغرافية مكانية محددة، ولأنه منذ القدم كانت العلاقة بين الجغرافية والبيئة قوية ومتنامية، وعكست اهتمام الإنسان بالبيئة وعناصرها المختلفة، كما أنه في الفترة الأخيرة تعمقت الاتجاهات العلمية للجغرافيا كالاتجاه التطبيقي والاتجاه البيئي وغيره، وذلك كله يتم في إطار سعي الجغرافية للإسهام في تحديد المشكلات البيئية التي يعاني منها الإنسان والمجتمع، والقيام بدور مهم في حل هذه المشكلات.

    واستجابة لهذه الرؤى والحاجات فقد حاولت الكثير من أقسام الجغرافية في الجامعات العربية، ومنها أقسام الجغرافية في الجامعات السورية، اللحاق بركب أقسام الجغرافية في جامعات العالم المتطورة، وعمدت إلى وضع خطط تدريسية جديدة أدرج فيها الكثير من المقررات ذات الصفة البيئية، ومنها مقررات: جغرافية البيئة، التلوث البيئي، التخطيط البيئي، حماية البيئة وغير ذلك من المقررات، وذلك انطلاقاً من إيمان أعضاء الهيئة التعليمية في هذه الأقسام، وبدعمٍ من الجهات الرسمية المشرفة عليها بأن الجغرافية بوصفها علماً يمكنها ويجب أن يكون لها دور مهم في حل المشكلات البيئية والتعريف بأبعادها الجغرافية، وفي هذا الاتجاه كان تأليف هذا الكتاب لكي يسد فراغاً واضحاً في هذا المجال، وللتأكيد على الصلة القوية بين علمي الجغرافية والبيئة، وشرح الكثير من المفاهيم والمعطيات ذات الصبغة الجغرافية والبيئية المشتركة، وإظهار دور الجغرافية في حماية البيئة، وحماية الموارد الطبيعية، والاستغلال الرشيد والعقلاني لها، وبذلك فإن من أهداف هذا الكتاب:
    1 - تحديد مفهوم البيئة، والنظام البيئي، والتوازن البيئي.
    2 - معرفة العلاقة بين النظام البيئي والنظام الجغرافي، و بين الإنسان والبيئة وتوضيح هذه العلاقة.
    3 - توضيح عناصر النظام البيئي، وبيان مكونات النظم البيئية الطبيعية والبشرية.
    4 - دراسة أهم المشكلات البيئية وأكثرها شيوعاً، وخصوصاً تلوث الماء والهواء والتربة والتلوث الفيزيائي (البارامتري)، واستنزاف الموارد الطبيعية وعلاقة ذلك بالنمو السكاني وغير ذلك.
    5 - توضيح وبيان العواقب والآثار الناتجة عن المشكلات البيئية ومخاطرها.
    6- توضيح العلاقة بين علمي الجغرافية والبيئة، وإظهار دور الجغرافية وبعض العلوم الأخرى في حماية البيئة.
    7 - توضيح أهم الإجراءات التي يمكن القيام بها لتحقيق الأمن البيئي وحماية البيئة، وصيانة عناصرها المختلفة، بما يؤدي بالنتيجة إلى تعزيز الوعي البيئي وزيادة الاهتمام بالبيئة ومكوناتها.

    ويتضمن هذا الكتاب أحد عشر فصلاً متتالياً ومرتباً بشكل منسجم، بعيدا عن الاستطراد والحشو أو التعقيد غير الضروري.
    جاء الفصل الأول بعنوان البيئة وعلم البيئة، وفيه توضيح لمفاهيم البيئة، وعلم البيئة، والنظام البيئي وعناصره، والنظام الجغرافي والعلاقة بينهما. وفي الفصل الثاني تحدثنا عن الدورات الطبيعية (البيوجيوكيميائية)، كدورة ثاني أكسيد الكربون، والأكسجين، والنتروجين، والفوسفور, والكبريت والدورة المائية، ثم عن السلسلة الغذائية ومكوناتها. أما الفصل الثالث فكان بعنوان البيئة والإنسان، وتم فيه توضيح العلاقة بين الإنسان والبيئة والتأثير المتبادل بينهما، والعلاقة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية، وبين البيئة وصحة الإنسان، وتعريف البيئات الجغرافية البشرية والاجتماعية، بوصفها منظومات بيئية معينة، والتفاعل بين هذه المنظومات.
    وقد جاء الفصلان الرابع والخامس جديدين ومميزين، فدرس الفصل الرابع العلاقة بين الجغرافية والبيئة، انطلاقاً من تعريف علم الجغرافية وتطوره، ثم الحديث عن المدارس البيئية الجغرافية، وأسبقية علم الجغرافيا بالاهتمام بالبيئة وعناصرها، والعلاقة بين علمي الجغرافيا والبيئة، وأسباب تراجع الاهتمام بالجغرافية مقابل تزايد الاهتمام بعلم البيئة.
    بينما تصدى الفصل الخامس لتحليل دور الجغرافية في حماية البيئة ودراسته، مبتدئاً بتعريف الجغرافية البيئية والجيوإيكولوجيا، وتقديم بعض الآراء في مكانة الجغرافية، ودور الجغرافية في حماية البيئة بشكل عام، وفي حماية الموارد الطبيعية كالتربة، والغطاء النباتي، والهواء، والماء، والمناطق السياحية وغيرها، وفي السياق نفسه تمت الإشارة السريعة أحيانا إلى دور بعض العلوم ذات الصلة في حماية البيئة مثل العلوم الإنسانية، والدينية، والتاريخية، وغيرها.
    ومن الفصل السادس وحتى الأخير تم الاهتمام بعرض المشكلات التي تعاني منها البيئة وعناصرها المختلفة في الجو والبر والبحر، وكيف تنعكس هذه المشكلات سلباً على الإنسان والمجتمع البشري، مع السعي دائما للبحث عن الحلول، واقتراح أهم الإجراءات التي يمكن إتباعها لحماية البيئة وعناصرها، والتخفيف ما أمكن من التأثيرات السلبية الواقعة عليها.

    ففي الفصل السادس، تم التعريف بالغلاف الجغرافي والمجال الجغرافي وعلاقته بالأغلفة الجغرافية الأخرى، والتعريف بالغلاف الحيوي (البيوسفير)، ونشأته وتطوره، والكوارث التي تعرض لها وأسبابها المحتملة، والإشارة إلى أفكار مهمةٍ تحدث عنها بعض العلماء، تتعلق بأهمية الانتقال من الغلاف أو الوسط الحيوي إلى ما يسمى بالوسط العقلي أو غلاف التفكير، باعتباره شكلاً من أشكال حماية الغلاف الحيوي، مع خاتمة عن تأثيرات الإنسان في الغلاف الحيوي في سوريا والوطن العربي.
    وفي الفصل السابع، جرى الحديث عن الغلاف الصخري والتربة والتعريف بهما، وبيان مكانة التربة وأهميتها في الأغلفة الجغرافية، باعتبارها أحد الموارد الطبيعية الهامة، وإظهار أهم المشكلات التي تعاني منها، وأسباب هذه المشكلات ومصادرها مع التركيز على مشكلة التصحر، والإجراءات التي يمكن إتباعها في سبيل حماية التربة والمحافظة عليها، ودور الجغرافية في ذلك.
    وخصص الفصل الثامن، للحديث عن الغلاف الجوي (الاتموسفير)، تعريفه وأهميته، وتركيبه الغازي، وبنيته العمودية، وأهم مصادر تلوثه الطبيعية والبشرية (المصطنعة)، والآثار الناجمة عن هذا التلوث، وأهم الظاهرات الجوية ذات الصلة بتلوث الغلاف الجوي، ومنها غاز الأوزون، وعامل البيت الزجاجي، والضبخان، والأمطار الحمضية، وأخيرا أهم الإجراءات التي يمكن القيام بها لحماية الغلاف الجوي، ودور الجغرافية وبعض التجارب الجغرافية العالمية في هذا المجال.
    وعالج الفصل التاسع موضوع الغلاف المائي (الهيدروسفير)، ليشمل معلومات مهمة عن مصادر المياه وتوزعها في الغلاف المائي، وأهمية المياه باعتبارها أحد أهم الموارد الطبيعية التي خلقها الله وجعل منها كل شيء حي، ثم بعض خصائص المياه، ومصادر تلوث المياه، وعواقب ومخاطر هذا التلوث، لينتهي الفصل بذكر بعض الأمثلة عن مشكلة المياه في الوطن العربي، وإجراءات حماية المياه، ودور الجغرافيا في ذلك.
    في الفصل العاشر تم الحديث عما يسمى بالتلوث الفيزيائي (البارامتري)، بأشكاله المختلفة، الضوضائي والإشعاعي والكهرومغناطيسي والضوئي والحراري، وكذلك الداخلي، وبيان مصادر كل نوع من أنواع هذا التلوث، والمخاطر الناتجة عنه، وسبل مكافحته، وحماية البيئة والإنسان منه.
    وفي الفصل الحادي عشر والأخير جرى الحديث بشكل موجز عن الأمن البيئي العربي، والمخاطر التي تهدده في البر والبحر والجو، وتهدد الإنسان في صحته وحياته ومستقبله، وتم اقتراح مبادئ أولية لوضع برنامج محدد للأمن البيئي العربي.
    وفي جميع موضوعات الكتاب تم الاستعانة بالأشكال والمخططات والجداول المناسبة، وذيل الكتاب بقائمة مهمة للمصطلحات العلمية المستخدمة في الكتاب، وكذلك قائمة بالمراجع والمصادر العربية والأجنبية، و فهرس الجداول والأشكال، وفهرس الموضوعات.
    وأخيرا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب مفيد للطلاب وللمختصين والمهتمين بالبيئة والجغرافيا، وكذلك العاملين في الهيئات والمؤسسات المهتمة بحماية البيئة والمحافظة عليها، ونأمل أن يشكل لبنة متواضعة في هذا المجال، وبالتأكيد فيه بعض النواقص والهنات العائدة لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، ونأمل تداركها وتصويبها في المستقبل بإذنه تعالى.

    أ. د. محمد محمود سليمان
    جمادي الآخرة 1428 هـ تموز (يوليو) 2007م







    الفصل الأول
    أسس ومفاهيم بيئية

    - تعريف البيئة
    - تعريف علم البيئة
    - تطور علم البيئة
    - النظام البيئي
    - عناصر النظام البيئي
    - الأرض والمناخ والمياه والنظام البيئي
    - توازن النظام البيئي واختلاله
    - تعريف النظام الجغرافي
    - العلاقة بين النظام الجغرافي والنظام البيئي





    1–1- تعريف البيئة (Environment):
    البيئة هي وسط أو مجال أو حيز، يشمل مساحة معينة، قد تكون صغيرة أو كبيرة، بكل ما تحويه هذه المساحة من عناصر حية وعناصر جامدة موجودة في هذا الوسط تؤثر فيه وتتأثر به، وتتفاعل معه، وفي نفس الوقت ترتبط فيما بينها بعلاقات متبادلة، وجميع هذه العلاقات والتأثيرات المتبادلة تتم في نظام معين، وفي إطار عملية تبادل المادة والطاقة في النظام البيئي.
    وقد عرف مؤتمر استكهولم عام 1972م، البيئة بأنها كل ما يحيط بالإنسان، وهذا يعني أن البيئة تضم البيئة الطبيعية وتشمل كل ما يحيط بالإنسان من ظاهرات خارجة عن إرادته وليس له دخل فيها، وتضم أيضا البيئة البشرية، وقد عرفها البعض بأنها: الإطار الذي يعيش فيه الإنسان، ويحصل منه على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوى، ويمارس فيه علاقاته مع أقرانه من بني البشر( ).
    أي أن البيئة تشمل الطبيعة التي تحيط بالإنسان، وتشمل الإنسان وتأثيراته المختلفة السلبية والإيجابية التي يحدثها في البيئة، وهي تختلف باختلاف دور الإنسان، وباختلاف البيئة التي ينتمي إليها ويعيش فيها.
    والبيئة هي العائلة ودفؤها، وهي البيت يحوي ويحمي الحياة على طبيعتها وعفويتها، وهي المدرسة وتفاعلاتها وتأثيراتها، وهي المجتمع وتداخلاته وتعقيداته، هي الحياة المنسجمة المتجاوبة مع قوانين الطبيعة، البيئة هي نحن، أنت وأنا، هي وهو، وكل ما يحيط بنا والتفاعل المستمر بيننا وبين مكونات هذا المحيط( ).
    إن البيئة بصفة عامة تشمل الأحوال الفيزيائية والكيميائية والإحيائية للإقليم الذي يعيش فيه الكائن الحي، وتعد الكرة الأرضية كلها بمثابة البيئة لبني البشر ولكافة الكائنات الحية، وتتكون من الهواء والمياه والتربة( ).
    إن البيئة المكونة من العناصر السابقة في تفاعل دائم، وفي توازن يؤمن حماية الحياة والمحافظة عليها.
    أما البيئة الجغرافية أو الوسط الجغرافي فهي الظروف الطبيعية التي تشكل شرطا ضروريا لحياة الإنسان ولوجود المجتمع البشري وتطوره، علما أن تأثير الطبيعة على الإنتاج الاجتماعي يتغير إلى حد كبير تبعا لمستوى تطور المجتمع وتغير أسلوب الإنتاج، ولا يمكن للبيئة الجغرافية أن تحدد تطور المجتمع، رغم أنها قد تساهم في تسريع هذا التطور أو عرقلته( ).
    والبيئة في اللغة العربية مشتقة من الفعل باء - بوأ، ويقال تبوأ المكان أي نزل فيه وأقام به (المعجم الوسيط) وقال تعالى مخاطباً قوم ثمود:
    ]وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ[ (الأعراف 74).
    ويقول تعالى: )وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[. (الحشر 9)، أي الأنصار الذين سكنوا المدينة واستقروا فيها وثبتت قلوبهم على الإيمان.
    والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة منها:
    (وبوأنا لإبراهيم مكان البيت)، وفي آية أخرى (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوأ لقومكما بمصر بيوتا) وغير ذلك من الآيات.
    وفي الحديث النبوي الشريف، من استطاع منكم الباءة فليتزوج. أي من استطاع تأمين مسكن فليتزوج، وجميع هذه المفاهيم تدل على أن البيئة تعني المكان وجميع العناصر الموجودة فيه، سواءً أكان مكاناً كبيراً أم صغيراً، في الماء أم اليابسة، في الريف أم المدينة أم غير ذلك.

    1-2- تعريف علم البيئة (Ecology):
    يسمى هذا العلم أحيانا بعلم التبيؤ أو الإيقولوجيا، وهي اتجاه علمي يضم ميادين عدة، ويدرس قوانين العلاقة بين العضويات (النباتات والحيوانات والإنسان) بعضها ببعض، وبينها وبين البيئة( ). إن كلمة إيكولوجيا تعني علم البيت أو المسكن الذي يسكنه الإنسان، وهو مفهوم يدل على العلم الذي يهتم بدراسة العلاقات القائمة بين مكونات البيئة من كائنات حية مختلفة - بما في ذلك الحيوان والنبات والإنسان - وبين مكونات البيئة غير الحية من تربة وماء وغازات جوية وأشعة كونية وغيرها، ومعرفة ودراسة القوانين والمبادئ المتحكمة في هذه العلاقات وتوازنها وتفاعلها وغير ذلك. إن علم البيئة علم حديث النشأة، تلك النشأة التي أطلقها مؤلف مصطلح الإيكولوجيا، (Ecology) العالم البيولوجي الألماني المعروف ارنست هيجل (Ernest Haekgl) 1834 - 1919 م، وقد استخدم هيجل مصطلح Okologie لأول مرة عام 1866 م، في كتابه تاريخ الخلق (The History Greation) ونشره عام 1876 م، وأصل الكلمة مشتق من كلمتين يونانيتين هما كلمتي Oikos تعني مسكن، مأوى، و Logos تعني علم، مبحث، نظرية الخ...
    وقد وضع هيجل هذا المصطلح بدافع من تأثره المباشر بنظرية النشوء والتطور التي وضعها تشارلز داروين، وبكتابه أصل الأنواع (The Origin Of Species)، الذي ألفه عام 1859م، ويمكن اعتبار هذا الكتاب الأساس العلمي الأول عن الإيكولوجيا.
    ومن وجهة نظر هيجل فإن استخدام مصطلح الإيكولوجيا والتوجه إلى دراسته كان يعني بالنسبة إليه تأسيس بيولوجيا جديدة أو اتجاهاً جديداً في علم البيولوجيا. وتعريف الإيكولوجيا الذي وضعه هيجل هو: علم يدرس العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية وبينها وبين المكان الذي توجد فيه، إنه فيزيولوجيا العلاقات المتبادلة بين عناصر الوسط الطبيعي، سواء أكانت علاقات الصداقة والانسجام أم علاقات التعارض والاختلاف وربما العداء بين هذه أو تلك من مفردات البيئة بشكل مباشر أو غير مباشر.
    ومع تطور علم البيئة وزيادة الاهتمام به ظهرت مصطلحات ومفاهيم جديدة في هذا المجال مثل علم البيئة الذاتية، وعلم البيئة الاجتماعية، وعلم البيئة الجغرافية، والكونية والكيميائية والرياضية وغيرها. وتم تعريف علم البيئة بأنه العلم الذي يبحث ويدرس قوانين وسنن الأعمال والنشاطات التي تقوم بها الكائنات الحية أثناء حياتها في الوسط الطبيعي الموجودة فيه، والتغيرات التي يحدثها الإنسان في هذا الوسط. وتم أحيانا تصنيف الإيكولوجيا إلى إيكولوجيا الإنسان، وإيكولوجيا الحيوان، وإيكولوجيا النبات، وإيكولوجيا الكائنات الدقيقة وغير ذلك( ).
    1-3- تطور علم البيئة:
    إن علم البيئة باعتباره علماً مستقلاً هو علم حديث الظهور بالرغم من أسسه القديمة، إذ إن دراسة البيئة والاهتمام بها مسألة ليست حديثة العهد، فقد حظيت البيئة وعناصرها المتنوعة باهتمام كبير من قبل الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء لدى اليونان والرومان والعرب والروس والفرس والصينيين والهنود وغيرهم. ويمكن القول: إن العلاقة بين الإنسان والبيئة وأثر البيئة على التجمعات البشرية شغلت أذهان الجغرافيين على مر الزمن حيث تغيرت النظرة البحتة لهذه العلاقة على مدى القرون الثلاثة الأخيرة لتستقر في النهاية على مضمون التفاعل العضوي الإيكولوجي بين العنصرين( ).
    وكان لتأخر ظهور هذا العلم بوصفه علماً محدداً أسباب عديدة، ويوصف بأنه علم معقد، ويعد طريقة تفكير مجملة لمشاكل فيها عدد من المعطيات والمجاهيل غير قابل للقياس، ودراسته ليست تابعة لاختصاص محدد( ).
    وإذا كان علم البيئة قد بقي محصورا ضمن إطار عدد محدود من العلماء والمثقفين، وبخاصة في الأوساط الأكاديمية لمدة قرن من الزمان، وبعد ذلك أخذ بالانتشار والتوسع وزادت معرفة الإنسان بالمشكلات البيئية، سواء ما يتعلق منها بتلوث الهواء أو الماء أو التربة، والتلوث البارامتري (الفيزيائي)، والتلوث بالنفايات الصلبة والقمامة، والانفجار السكاني، والقضاء على الغطاء النباتي والحيواني، وغير ذلك من المشكلات البيئية والعواقب الناجمة عنها. وجميع هذه التأثيرات تؤدي إلى تدهور البيئة وتغيير معالمها الطبيعية وتخريب اللاندشافت (شكل سطح الأرض)، مما يجعل الغلاف الحيوي لكوكب الأرض الذي يشكل أفضل مكان لحياة الإنسان وتطوره في خطر، ويهدد مقومات توازنه والإخلال بهذا التوازن.
    انطلاقا من هذا الواقع ومن هذه الأهمية فقد أخذ علم البيئة يحظى باهتمام كبير ومتنام في السنوات الأخيرة، وقد مر علم البيئة منذ نشوئه حتى الآن بعدة مراحل أساسية أهمها:
    1 - المرحلة الأولى:
    وهي مرحلة علم البيئة الذاتية أو الفردية (Autoecology):
    وقد امتدت هذه المرحلة قرابة قرن من الزمن أي من ستينيات القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين، وفي هذه المرحلة تركز اهتمام علم البيئة بدراسة علاقة نوع ما من الكائنات الحية بالعوامل الحية وغير الحية الأخرى، ودراسة انتشار مختلف الكائنات الحية وتوزعها وتعدادها، ودراسة العوامل والعناصر غير الحية الموجودة في البيئة المحيطة، وتأثير هذه العوامل في الكائنات الحية. واهتم هذا العلم بدراسة نوع واحد من الكائنات الحية في مجموعة مترابطة من الأنواع في بيئة محددة، بالاعتماد على التجربة والدراسة المخبرية والميدانية للحصول على المعلومات المطلوبة. وفي هذه المرحلة تم اكتشاف العديد من القوانين الأساسية في علم البيئة كقانون ليبج (Law Liebig) الذي وضعه العالم الألماني ليبج(§).
    وقانون ليبج هو أحد المبادئ التي تحدد دور العوامل البيئية في انتشار، وتكاثر الكائنات الحية وتطورها، وبحسب قانون ليبج فإن العوامل البيئية تتحكم في أنماط توزيع الحيوان وغيره من الكائنات الحية، وتختلف قدرة كل نوع من هذه الأنواع على تحمل الظروف البيئية، وهذا الأمر وضحه أيضاَ قانون المناعة والقدرة على التكيف (Tolerance) الذي وضعه العالم ميدافار عام 1953م. وتعد هذه المرحلة هي مرحلة التمهيد والمطالبة والاهتمام بالتغيير.
    2– المرحلة الثانية:
    تسمى مرحلة علم البيئة الاجتماعية (Synecology):
    تمتد هذه المرحلة قرابة عقدين من الزمن 1960 – 1980، واهتم العلم في هذه المرحلة بالاتجاه الاجتماعي لدراسة البيئة بسبب تزايد الإحساس بخطورة تلوث البيئة في مختلف المجالات، واتسعت دائرة الاهتمام بالبيئة من قبل الكثير من المختصين في مختلف الفروع العلمية، وهذا العلم تناول في هذه المرحلة أيضاَ دراسة تفاعلات الجماعات أو الأنواع المتباينة التي تتعايش مع بعضها البعض في مجال بيئي قد يكون محدوداً جداً يسمى Biom وقد يكون أكثر اتساعاَ مثل البيئة الصحراوية، أو الغابات المطيرة، أو البحيرات كبيرة المساحة وما إلى ذلك( ).
    وقد ركز علم البيئة في هذه المرحلة على دراسة العلاقة المتبادلة بين الجماعات والكائنات الحية وتحليلها، وتوزعها وانتشارها في المدى الإيكولوجي الحيوي، وشهدت هذه المرحلة حركة احتجاج شعبية غاضبة ضد تلوث البيئة والمخاطر التي تتعرض لها خاصةً في الستينيات بعد نشر الكاتبة الأمريكية راشيل كارسون كتابها الربيع الصامت، الذي يحذر من مخاطر التلوث البيئي.
    3– المرحلة الثالثة:
    شملت هذه المرحلة العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وشهدت هذه المرحلة المزيد من الاهتمام بالبيئة، والمزيد من سن القوانين والتشريعات البيئية الوطنية والإقليمية والعالمية، وإعادة التقييم لمجمل النشاطات البيئية، والآثار الناتجة عنها، وتميزت هذه المرحلة بمحاولة علم البيئة بناء صورة متكاملة وواضحة عن المشكلات التي تعاني منها البيئة، وهي مشكلات متنوعة تتعلق بالتلوث البيئي، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتأمين المواد الغذائية ومعالجة العجز المائي والتصحر والفقر وتدهور الأراضي والغابات الخ ….، وقد أدت الثورة التقنية العلمية المعاصرة إلى ضرورة الانتقال من الاعتماد على علم البيولوجيا واستخدام القوانين البيولوجية من أجل حل المشكلات البيئية إلى علم البيئة المعاصر متعدد الأغراض والاتجاهات والاهتمامات الذي يعتمد على مجموعة كبيرة من العلوم ذات الصلة، وهذا ما يعكسه ظهور مفاهيم وفروع جديدة في علم البيئة مثل الإيكولوجيا: (الكونية، الهندسية، الزراعية، الثقافية، الاجتماعية، وإيكولوجيا الإنسان، والإنسان والمحيط الحيوي (MAB)، ومفهوم الجيوبيئيGeo environment، والجيوإيكولوجي Geoecology، وغير ذلك من المفاهيم.
    4– المرحلة الرابعة:
    وهي المرحلة الحالية التي يمكن تسميتها بالمرحلة العالمية التي تتميز بثورة المعلومات والاتصالات، أو عصر الوسائط المعلوماتية، الإنفوميديا Infomedia Age، حيث الاستخدام الكبير لأنظمة المعلومات الجغرافية (GIS)، ونظم المعلومات الجغرافية طريقة في البحث المكاني تعتمد على تقانات الحاسب الآلي وبرمجيات خاصة لتأمين السرعة والدقة في جمع المعلومات المكانية ومعالجتها ونمذجتها وتحليلها، وإخراجها بالشكل المناسب بغية استخدامها في حل المسائل المكانية أو خدمة غرض محدد، وتستطيع أنظمة المعلومات الجغرافية أن تربط المعطيات المختلفة المتعلقة بالمكان كأن تربط بين الإحصاءات السكانية في مدينة ما مع معدل أسعار السكن، وعدد المؤسسات الإنتاجية، ونسبة انتشار البطالة، ومستوى الدخول، ومعدل الإصابة بالأمراض وغيرها من المتغيرات التي تتبادل التأثير( ).
    أضف إلى ذلك معطيات الاستشعار عن بعد وبنوك المعلومات البيئية وغيرها مما يمكن أن يقدم معلومات مناخية أو جيوبيئية أو غيرها، وكل هذا كان له انعكاسا كبيرا على علم البيئة، فمثلا يؤدي التقدم في مجال استخدام الحاسوب والأتمتة في الإدارات والمؤسسات المختلفة إلى الإسهام في حل المشكلات البيئية مثل أزمة المواصلات أو الازدحام في مراكز المدن وفي الدوائر والمؤسسات لأغراض وأهداف مختلفة. كما تزايدت الاستخدامات السلمية للأقمار الصناعية في الرصد والاتصال والبث حيث يدور حاليا حول الكرة الأرضية أكثر من 2500 قمراً صنعياً مختلفة الوزن والارتفاع والأهداف، ومن هذه الأهداف تأمين الاتصالات اللاسلكية والتلفزيونية والهاتفية الحديثة وتنبؤات الطقس، واستشعار سطح الأرض وباطنها، وتساعد تكنولوجيا الاستشعار عن بعد في حماية البيئة وكشف التلوث والتملح وتحسين الزراعة، وحماية التربة، وإعادة التشجير، ورصد الموارد الطبيعية، ومكافحة التصحر وغير ذلك.
    وكذلك استخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)(§).
    هذا النظام الذي يفيد في استقبال المعلومات ونقلها من الأقمار الصنعية إلى الجهاز، وتفيد في مسائل الملاحة، ومعرفة الارتفاع، والعمق، ودرجات الحرارة، والمسافات وغيرها، و يفيد في دراسة الحركات الحديثة، وتشوهات القشرة الأرضية، كل هذه التقنيات جعلت العالم قرية كونية واحدة يمكن التعرف على مواردها المختلفة، ومراقبة التغيرات التي تتعرض لها البيئة وتسجيلها سواء الناتجة عن العوامل الطبيعية أو البشرية، وتساعد أيضا في التنبؤ بالتغيرات المحتملة الناتجة عن المشكلات البيئية مثل: التلوث، والجفاف، والتصحر، والفيضانات، وغيرها، وبالتالي دراسة هذه التغيرات وتأثيراتها على المدى القريب أو البعيد( ).
    وعرفت هذه المرحلة المزيد من النضج وتنامي الحركة البيئية وظهور المزيد من الجمعيات والأحزاب البيئية في مختلف مناطق العالم، وركزت أهدافها على حماية البيئة ووقف تلوثها وتخريبها واستنزاف مواردها.
    1-4- النظام البيئي (Ecosystem):
    يتألف مصطلح النظام البيئي Ecosystem من كلمتين يونانيتين هما Oikos بمعنى بيت أو مسكن أو وسط، و System بمعنى نظام أو اتحاد أو جملة، وهذا يبين أن المصطلح يعني نظام بيئة البيت أو المكان وهو جذر وأصل هذا المصطلح، والنظام البيئي هو وحدة تنظيمية تحوي عناصر حية وأخرى غير حية، أي أنه يشمل جماعات وعناصر بيئية مختلفة يحدث فيما بينها تفاعل ديناميكي خاصة من خلال تبادل المادة والطاقة بين هذه العناصر، وللنظام البيئي الكثير من التعريفات أطلقها الكثيرون من العلماء والمفكرين والمنظمات المهتمة بالبيئة وعلومها، ورغم تعدد هذه التعريفات فقد ركزت على وحدة الجزء الحي والجزء الجامد من الطبيعة، وتفاعلهما مع بعضهما البعض وما ينجم عن ذلك من تدفق الطاقة وتبادل المواد ضمن هذا المجال. ويرى بعض الباحثين أن علم البيئة هو علم دراسة النظام البيئي، لأن دراسة أية ظاهرة بيئية مرتبط بمدى علاقتها بالنظام البيئي بالنتيجة.
    أول من استخدم مصطلح Ecosystem هو العالم تنسلي عام 1935م، الذي يرى أن النظام البيئي هو أي وحدة، مهما اختلف حجمها واختلفت حدودها وتضم جميع مكونات البيوسينوز(*). الذي هو جزء رئيسي من مكونات البيو جيوسينوز.
    1-4-1- عناصر النظام البيئي:
    إن عناصر النظام البيئي هي تلك العناصر الحية وغير الحية، ويعد الإنسان أهم هذه العناصر ومن خلالها يؤمن مختلف حاجاته ويمارس نشاطاته، وعناصر النظام البيئي تنقسم إلى مجموعتين تتميزان بالتوازن والتأثير المتبادلين، وأي تأثير في أحدها ينتقل بشكل أو بآخر إلى العناصر الأخرى. ويرى هيسن (Husson)، أن النظام البيئي يقسم إلى قسمين الأول هو البيوسينوز (Biocenos)، ويمثل مجموع الكائنات الحية من نباتية وحيوانية وبكتيرية وفطرية، والثاني هو الايكوتوب (Ecotope) والذي يمثل عناصر المناخ والتربة( ).
    ويتميز النظام البيئي بتنوع الجزء الحي فيه الذي يضم ملايين الأنواع من الكائنات الحية، الكثير منها غير معروف وغير مدروس أو مصنف حتى الآن.
    كما أن فهم النظام البيئي بشكل جيد يتم من خلال معرفة شاملة متكاملة للنظام الكوني الذي تترابط فيه الكائنات الحية بما فيها الإنسان بغيرها من العناصر البيئية غير الحية وفق قوانين طبيعية حيوية، يختلف فيها سلوك العناصر وخصائصها عندما تكون منفردة عن سلوكها وميزاتها عندما تكون مجتمعة، فالهيدروجين عندما يتحد مع الأكسجين يكونان الماء الذي يختلف عن كليهما عندما يكونان منفصلين.
    وهكذا يصبح علم البيئة هو علم دراسة النظام البيئي الذي يتكون من عدد من المدغمات أو العناصر وهي( ):
    1 - العناصر الطبيعية الجامدة، الفيزيائية والكيميائية، Abiocenose.
    2 - العناصر النباتية، Phytocenose.
    3 - العناصر الحيوانية، Zoocenose.
    4 - العناصر البكتيرية، Bacteriocenose.
    5 - العناصر الفطرية والمكروبية، Myeocenose.
    6 - العناصر البشرية، Homesenose.
    ويمكن القول: إن العناصر غير الحية في النظام البيئي A biotic Components تشكل مع العناصر الحية Biotic Components نظاما بيئيا متحركا، متوازنا ومستقرا في الظروف العادية الطبيعية، ويمكن تصنيف عناصر النظام البيئي في المجموعات التالية:
    أولا - مجموعة الكائنات الحية (Biotic Components أو Organisms Biotic) وتشمل:
    1 - الكائنات الحية المنتجة (Producers):
    وهي كائنات حية ذاتية التغذية، وتشمل النباتات الخضراء التي تكون غذائها من خلال عملية التركيب الضوئي، حيث تقوم النباتات من خلال هذه العملية بتحويل الطاقة الشمسية المستمدة أثناء النهار إلى طاقة كيميائية تقوم بتخليق المواد الكربوهيدراتية مثلH2O و CO2، وفي الليل يتم تخليق مواد عضوية أخرى.
    وكيمياء التركيب الضوئي معقدة جداً ولكن الناتج النهائي بسيط، تتحد مادتان غير عضويتان، هما ثاني أكسيد الكربون من الجو، والماء من الأرض لصنع مركبات عضوية مشحونة بالطاقة تبني الأنسجة النباتية وتغذي نمو النبات، وتنقل طاقة النبات إلى الكائن الحي الذي يأكله( ).

    وهكذا فإن النباتات الخضراء هي صلة الوصل بين الكائنات الحية وبين العناصر غير الحية في النظام البيئي لأنها الكائنات الحية الوحيدة القادرة على تخليق المواد العضوية من مواد غير عضوية، إن النباتات الخضراء أو محركات الكون (كما يسميها جان دوست). تقوم أثناء عملية التمثيل الضوئي وبفضل الطاقة الشمسية بعملية إنتاج ضخمة توفر من خلالها الغذاء لها ولغيرها من الكائنات الحية.
    2 - الكائنات الحية المستهلكة (Consumers):
    وهي كائنات حية لا تستطيع تكوين غذائها بنفسها، وهي تحصل على غذائها من كائنات حية أخرى، والكائنات المستهلكة منها نباتية تتغذى بالنباتات، ومنها لاحمة تتغذى باللحوم، ومنها مشتركة تتغذى على النباتات واللحوم معاً، وتضم هذه المجموعة الكثير من الكائنات الحية بما في ذلك الإنسان، وهذه الكائنات الحية قد تكون مستهلكة أولية مثل البلانكتون الحيواني واليرقات أو مستهلكة ثانوية مثل الأسماك، أو مستهلكة ثالثية (من الدرجة الثالثة) مثل الطيور الجارحة.
    3 - الكائنات الحية المحللة (Decomposers):
    هذه الكائنات الحية تشمل الفطريات والبكتريا التي تعتمد في غذائها على تحليل بقايا الكائنات النباتية والحيوانية وتفكيكها وتحويلها إلى كائنات بسيطة، والكائنات الحية المحللة قد تكون هوائية أو لا هوائية أو كلاهما معا، وهذه الكائنات على درجة كبيرة من الأهمية، فمن دونها سوف تتراكم بقايا الكائنات الحية وسوف تختفي العناصر الغذائية اللازمة لنمو النباتات كالآزوت والفوسفات وغيره، وبالتالي سوف تتعرض السلاسل الغذائية كلها إلى التشوش والخلل.
    ثانيا - مجموعة العناصر الجامدة ( Abiotic Components):
    وهذه العناصر تشمل الجزء غير الحي في النظام البيئي وتمتاز بخلوها من مظاهر الحياة، ومن أهم هذه العناصر:
    1 - عناصر المناخ، كالحرارة والرطوبة والرياح والضوء وغيرها.
    2 - عناصر المياه وخصائصها الكيماوية والفيزيائية والحيوية.
    3 - العناصر الفيزيائية كالجاذبية والإشعاع.
    4 - العناصر الغذائية( ).
    5 - عناصر التربة والجيولوجيا.
    6 - شكل سطح الأرض أو العامل الطبوغرافي.
    والشكل (3) يوضح عناصر النظام البيئي
    1-4-2- الأرض باعتبارها نظاماً بيئياً:
    تمثل الكرة الأرضية نظاماً بيئياً متكاملاً، يهيئ للإنسان ولغيره من الكائنات الحية مهما كانت بسيطة مقومات الحياة وعوامل البقاء، وهذا مؤكد في قوله تعالى: )وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُل شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ[ (الحجر 19-20). وهنا فإن القرآن الكريم يستخدم مفهوم الأرض مرادفاً للبيئة الطبيعية العالمية وللدلالة عليها( ).
    وحتى الآن رغم جهود الإنسان الكبيرة في هذا المجال لم يكتشف ويتأكد وجود أي شكل من أشكال الحياة في أي كوكب أو مكان آخر غير كوكب الأرض، فالأرض رغم أنها لا تشكل سوى ذرة صغيرة في هذا الكون، فإنها هي النظام البيئي الوحيد الذي يشكل مأوى للكائنات الحية، وهي البيئة المناسبة لحياة الإنسان، يؤكد ذلك قوله تعالى: )وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلأَكْمَامِ*[ (الرحمن 10 - 11).
    وموقع الأرض وعناصرها هيأت وتهيئ الظروف المناسبة للحياة بكل أشكالها، هذه الحياة التي توجد وتتركز في الجزء الحي من الكرة الأرضية، أي في الغلاف الحيوي (البيوسفير) وخارج هذا الغلاف وخاصة فوق طبقة الأوزون يقل أو ينعدم وجود غاز الأكسجين وينخفض الضغط الجوي، مما يعيق استمرار الحياة، وكذلك الأمر في أعماق الأرض حيث الظروف تعيق وجود الحياة، باختصار فإنه ومع كل التقدم العلمي الذي بلغه الإنسان، فإن الغلاف الحيوي لكوكب الأرض هو البيئة الوحيدة التي توفر الظروف المناسبة لحياة مختلف الكائنات الحية بما فيها الإنسان. والشمس هي مصدر كل أشكال الحياة، حيث تمد الأرض بالحرارة والطاقة التي تدفع قدماً العديد من العمليات العضوية والكيميائية مما يجعل الحياة ممكنة.
    1-4-3- تأثير المناخ في النظام البيئي:
    تعد العوامل المناخية من أكثر العوامل الفيزيائية غير الحية تأثيراً في النظام البيئي من خلال تأثيرها في انتشار الكائنات الحية النباتية والحيوانية وتوزعها، بل وتؤثر في تشكيل سطح الأرض، وفي طبيعة الغطاء النباتي والحيواني، و في توزع السكان وأنشطتهم المختلفة. ومن العناصر المناخية المؤثرة في ذلك، درجة الحرارة والأمطار والرطوبة النسبية، والرياح، فدرجة الحرارة تختلف من مكان إلى آخر على سطح الأرض وذلك بحسب الموقع الجغرافي والفلكي لهذا المكان، وبحسب ما يتلقاه من أشعة الشمس، وعادة فإن كمية الأشعة الشمسية الواصلة إلى سطح الأرض تتناقص كما هو معروف بالاتجاه من خط الاستواء باتجاه القطبين شمالا وجنوباً (النطاقية المناخية)(§)، وكذلك تختلف باختلاف توزع التضاريس الذي يتماشى مع خطوط الطول (اللانطاقية المناخية)(§)( ).
    كما أن أشعة الشمس واختلاف درجات الحرارة، يؤثر في تغير درجة حرارة المحيطات العالمية، وفي حركة الرياح، وفي قيم الضغط الجوي، وتنعكس بشكل أو بآخر على ظروف الطقس والمناخ، وهذه العوامل جميعها تؤثر في توزع النباتات والحيوانات على سطح الكرة الأرضية، وتؤثر في عمليات التركيب الضوئي وفي درجة النتح والتبخر وغير ذلك.
    ومن المعروف أن لكل نوع من النباتات درجة حرارة دنيا يبدأ عندها النبات بالنمو، وتسمى صفر النمو، ودرجة حرارة قصوى تجاوزها يؤدي إلى توقف النمو وربما الموت، والعناصر المناخية لا تؤثر فقط في النبات والحيوان، وإنما في الإنسان أيضاً.
    1-4-4- تأثير المياه في النظام البيئي:
    إن عنصر المياه يتأثر بعناصر النظام البيئي الأخرى خاصة بالمناخ وعناصره المختلفة، حيث إن درجة الحرارة تؤثر في الهطول وفي الرطوبة النسبية، ومن المعروف أنه من دون الهطول والرطوبة النسبية، فإنه لا يمكن لأشكال الحياة المختلفة أن تنشأ وتتطور، وكمية المياه تحدد إلى حد كبير نوع النباتات التي تنتشر أو تسود، فبعض الأشجار والنباتات تنمو في المناطق المغمورة بالمياه أو في المستنقعات، وبعض النباتات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه وبعضها الآخر لكميات أقل وهكذا، وبعض النباتات تتكيف مع ظروف توفر الرطوبة والمياه بينما بعضها الآخر لا تستطيع التكيف وتموت، وبعضها تستطيع التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض قيم الرطوبة بشكل كبير كما هو الحال في بعض النباتات الصحراوية.
    وبالطبع فإن انتشار الحيوانات والطيور وتوزعها تتأثر أيضاَ بالعوامل والظروف الجوية ولو أنها تمتلك قدرات أكبر على التكيف أو الاختباء نهاراَ أو ليلاَ، صيفاَ أو شتاءَ هرباَ من القر والحر، كما أنها تمتلك قدرات أكبر في الانتقال والهجرة من مكان إلى آخر بشكل دائم أو موسمي، ورغم كل ذلك فإنه يجب التأكيد أن هذا الانتشار أو التكيف يبقى ضمن حدود جغرافية بيئية لا يمكن تجاوزها.
    1-4-5- تأثير شكل سطح الأرض في النظام البيئي:
    توجد علاقة قوية بين شكل سطح الأرض من جبال وهضاب وسهول ووديان، وبين عناصر النظام البيئي من نبات وحيوان وإنسان، كما أن فهم الوضع الجيولوجي والعمليات الجيولوجية كحركة القارات وغيرها يساعد في فهم توزع الكائنات الحية على سطح الكرة الأرضية، وأسباب هذا التوزيع، وكذلك في فهم الكثير من الظواهر البيئية. فالظروف الجيولوجية تؤثر في تنوع النبات والحيوان، وتؤثر في طبيعة التربة لأن التربة تتكون أصلاَ من الصخر الأم الذي يحدد التركيب العضوي للتربة، وهكذا فإن نوع الصخر يحدد نوع التربة، ونوع التربة يحدد نوع الغطاء النباتي، والخصائص الفيزيائية والكيميائية للتربة تؤثر في نمو النباتات وانتشارها، حيث إن غنى التربة أو فقرها بعنصر أو معدن معين يؤثر في مدى انتشار النباتات المحبة لهذا المعدن والعكس صحيح.
    ويؤثر شكل سطح الأرض في التوزيع الجغرافي للسكان وفي كثافتهم، وفي طريقة استغلالهم لهذه الأشكال التضاريسية في العمران والزراعة والمواصلات والتعدين والسياحة وغير ذلك، وكل هذه الأمور السابق ذكرها تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في النظام البيئي وفي استقراره وتوازنه.
    1-4-6- توازن النظام البيئي:
    احتاج التوازن البيئي إلى ملايين السنين حتى بلغ هذا التوازن ما هو عليه الآن، والإحاطة الجيدة بهذا التوازن وديناميكية تحقيقه ومسيرته هي مفتاح مهم جداً لمعرفة أسرار البيئة ومعرفة عناصرها، وأهمية هذه العناصر، ودور كل منها في النظام البيئي، لأن جميع هذه العناصر ترتبط بعضها ببعض، ويوجد فيما بينها علاقات تأثير وتأثر متبادلة، وأي تغير في أحد هذه العناصر قد يؤدي إلى تغير في العناصر الأخرى، لأن عناصر النظام البيئي تشبه عناصر الجسد الواحد الذي إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
    ولكن هذا الأمر لا يتم بهذه البساطة، لأن العناصر البيئية تحاول دائماً تعويض النقص وإصلاح الضرر الذي يتعرض له عنصر ما وإعادة التوازن البيئي إلى ما كان عليه، والبيئة في حالة تغير ديناميكي قد يكون تغيراً بسيطاً وتعود إلى حالتها الطبيعية خلال فترة قصيرة من الزمن، وقد يكون تغيراً عميقاً وجذرياً بحيث يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن لكي تعود البيئة إلى وضعها السابق، وذلك بحسب شدة التأثير وقد يكون تأثيراً غير عكوس، ولا رجعة فيه.
    وما يتميز به النظام البيئي، أي نظام بيئي، هو وجود شبكة من العلاقات بين مكونات هذا النظام، أي بين الكائنات الحية، والعناصر غير الحية، وتتجلى بنوعين من العلاقات: علاقة النوع الواحد (الفرد) مع عنصر أو أكثر من عناصر البيئة المحيطة به، وثبات أعداد هذا النوع ضمن المجموعة، وعلاقة المجموعة (أكثر من نوع Communities)، مع غيرها من المجموعات والعناصر البيئية المحيطة بها، وقدرتها على التكيف والاستقرار ضمن نظام بيئي مستقر ومتوازن، ومحافظ على حالته الأصلية، أو قادر على إعادة التوازن والاستقرار ضمن مدة زمنية محددة، لأن أي تغيير في جزء أو أكثر من أجزاء النظام البيئي، قد يؤثر في الأجزاء الأخرى، وإذا كان سلبياً سيؤدي بالنتيجة إلى اختلال التوازن والاستقرار البيئي في هذا النظام.
    ومن المعروف أنه كلما كان النظام البيئي أكثر تعقيداً وغنىً، كان أكثر توازناً واستقراراً، وأكثر قدرة على التكيف مع التغيرات التي يتعرض لها. والعكس صحيح أي أنه كلما كان النظام البيئي بسيطاً وهشاً وفقيرا بالتنوع الحيوي، كما هو الحال في المناطق الجافة وشبه الجافة، كان أكثر عرضة للخلل والتدهور، وأقل استقرارا وتوازنا، وغير قادر على التجدد وإعادة التوازن في فترة زمنية محدودة، وقد تطول هذه الفترة جدا، وقد لا يستطيع العودة إلى التوازن مطلقاً، وهذا بالطبع يرتبط بعوامل كثيرة ومؤثرات مختلفة طبيعية وبشرية وحيوية تشكل في مجملها عوامل الإخلال بالتوازن البيئي.
    ويعد الإنسان من أهم العوامل المؤثرة في التوازن البيئي، وكان هذا التأثير بطيئاً ولكنه اشتد وتزايد مع الزمن، وقد بدأ هذا التأثير مع اكتشاف النار - أهم حدث في التاريخ - وكان ضعيفاً عندما كانت موارد البيئة وخيراتها تزيد عن حاجة السكان تلك الأيام، ولكن زيادة عدد السكان، وزيادة معارف الإنسان، وقدراته العلمية، والتقنية، وتعلمه الزراعة، وتأهيل الحيوان، ثم انتقاله إلى عصر الثورة الصناعية واستخدام الوقود الاحفوري من فحم وغاز وبترول، وصولاً إلى استخدامه الطاقة النووية، وارتياد الفضاء، وتغيير الكثير من مكونات البيئة والتدخل فيها. كل هذا شكل خطرا متزايداً على البيئة والتوازن البيئي، وأصبح الإنسان يعيش أزمة بيئية حقيقية عامة وشاملة في جميع أوجه نشاطه وحياته، وهذه الأزمة تتخطى الجانب الطبيعي إلى الجانب الاجتماعي والثقافي، ولهذا فإن حماية البيئة تتعدى حماية الجانب الطبيعي والحيوي فيها إلى حماية الجانب الثقافي والحضاري.
    1-4-7- عوامل الإخلال بالتوازن البيئي:


  2. #2
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1
    كما نوهنا سابقا فإنه يوجد مجموعة من العوامل التي قد تسبب الإخلال بالتوازن البيئي، ويمكن إجمال هذه العوامل فيما يلي:
    1 - العوامل البشرية:
    وهي تلك العوامل الناجمة عن نشاطات الإنسان المختلفة: الزراعية، والصناعية، والتجارية، وغيرها، في إطار سعي الإنسان لتأمين حاجاته من هذه الفروع الإنتاجية، ولكن الإنسان في كثير من الأحيان يبالغ في استنزاف الموارد الطبيعية بقصد أو بدون قصد، وهذه التأثيرات بشكل عام أدت إلى الإخلال بالتوازن البيئي، وتحتاج إلى إعادة النظر فيها وحماية البيئة منها، وترشيد استخدام الموارد البيئية.
    2 - العوامل الطبيعية:
    وهي تلك التأثيرات والعوامل التي لا دخل للإنسان فيها، وتنجم عن تغير الظروف الطبيعية، ومنها التغيرات المناخية، أو الكوارث الطبيعية كالزلازل، والبراكين، والعواصف، والأعاصير، والفيضانات، وما ينتج عنها من إخلال في التوازن البيئي، والتأثيرات البشرية قد تساعد في زيادة حدة هذه العوامل وخطرها أو التعجيل في حدوثها الخ..
    3 - العوامل الحيوية:
    وهذه العوامل تحدث بشكل خاص بسبب تغير العلاقات بين الكائنات الحية وزيادة أحدها على حساب الآخر، وهذا الأمر يمكن أن يحدث لأسباب طبيعية، أو لأسباب بشرية مصطنعة ناتجة عن تدخل الإنسان، ومهما يكن السبب فإن القضاء على الكثير من الكائنات الحية أو على نوع محدد منها قد يؤدي إلى الإخلال في التوازن البيئي كله، إن الصيد الجائر أو التدخل غير المدروس وغير الصحيح في حياة الأنواع الحية مثل إدخال كائن حي ما، نبات أو حيوان غريب، أو القضاء على نوع معين منها، أو تدمير موطنه، أو حدوث التلوث البيئي، خاصة جراء استخدام المبيدات والمواد الكيميائية، كل هذا من العوامل التي تسبب الخلل في التوازن البيئي.
    1-4-8- سريان وتبادل الطاقة في النظام البيئي:
    إن المصدر الأساسي للطاقة المتوافرة في النظام البيئي هو الشمس، التي ترسل أشعة كهرومغناطيسية على شكل أمواج مختلفة منها:
    1 - الأشعة الشمسية فوق البنفسجيةUltraviolet Light، وتكون قصيرة الموجة، وموجاتها تقل عن 390 ميلي ميكرون، وزيادة هذه الأشعة يؤثر سلباً في الغلاف الحيوي (البيوسفير)، وبسبب امتصاص غاز الأوزون لها فإن ما يصل منها إلى سطح الأرض لا يشكل إلا جزءاً بسيطا منها.
    2 - الأشعة الشمسية المرئية Visible Light، وهي ذات موجات متوسطة الطول وتتراوح بين 390 - 760 ميلي ميكرون، وهي ضرورية للقيام بعملية التركيب الضوئي، وتشمل الأشعة الزرقاء والحمراء والصفراء والخضراء.
    3 - الأشعة الشمسية تحت الحمراء Infrared Light، وهي ذات موجات طويلة أكبر من 760 ميلي ميكرون، وهذه الأشعة تشكل نحو 51% من إجمالي الطاقة الشمسية، وتؤدي إلى رفع درجة حرارة الأرض والغلاف المحيط بها.
    أصبح من المعروف أن الشمس هي المصدر الرئيسي للطاقة والحرارة في النظام البيئي، وهي طاقة منتظمة وتتحرك بدقة من خلال المراتب أو السلاسل الغذائية، خاصة عبر عملية التركيب الضوئي. وعملية التركيب الضوئي تعني قيام كائنات حية بتحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كيميائية، ومادة اليخضور في النباتات هي التي تمتص الطاقة الضوئية، وتحدث عملية التركيب الضوئي حتى عمق حوالي 200 متر تحت سطح الماء حيث توجد نباتات أو طحالب تستطيع امتصاص الضوء.
    حيث تدخل الطاقة الشمسية إلى الأوراق الخضراء في النباتات، وبوجود الكلوروفيل في هذه الأوراق فإنه يستفاد من هذه الطاقة في عملية التركيب الضوئي ويتحول قسم من الطاقة إلى مواد غذائية يستفيد منها النبات في نموه.
    وهذه الطاقة تنتقل عبر السلسلة الغذائية، من النباتات التي تشكل الحلقة الأولى في هذه السلسلة إلى بقية الكائنات الحية، ثم إلى المتعضيات أو الرميات التي تختزن بعضاً من هذه الطاقة بحيث يتم إطلاقها من جديد في الأنظمة البيئية الغذائية. وكمية الطاقة المحجوزة في أي مرتبة غذائية ضمن نظام بيئي ما تشكل دلالة على مدى أو كمية النشاط في ذلك الجزء من النظام، وحتى الآن فإن قياس مقدار تدفق أو فقدان الطاقة في كل حلقة غذائية ليست عملية سهلة، وغالبا يتم هذا القياس بشكل نسبي وغير مباشر، وتقدر بما يسمى بالسعر كالوري (الحرة) / سم2 في وحدة الزمن.
    ومن المعروف أن الطاقة الشمسية طاقة نظيفة أو من أنظف مصادر الطاقة، ويمكن تصنيف النظم البيئية من حيث مصادر الطاقة في ثلاثة أصناف هي:
    أ - أنظمة بيئية طبيعية، وهي التي تتعرض إلى طاقة شمسية طبيعية، ولا تتأثر بنشاطات الإنسان وتأثيراته المختلفة.
    ب - أنظمة بيئية غير طبيعية، وهي التي تتغذى بالطاقة الشمسية ولكنها تتأثر ببعض نشاطات الإنسان الذي يقوم باستبدال أنواع من النباتات بأنواع أخرى، أو إضافة عناصر جديدة إلى البيئة كالأسمدة والمبيدات وغيرها، مما يؤثر في مصادر الطاقة فيها.
    ج - أنظمة بيئية مصطنعة، وهي التي لا تتغذى أو تدار بالطاقة الشمسية بشكل مباشر، وإنما يديرها الإنسان بأنواع أخرى من الطاقة كطاقة الوقود الاحفوري أو النووي.
    1-5- النظام الجغرافي ( Geosystem):
    النظام الجغرافي (Geosystem) هو نظام طبيعي يتطور ذاتياً ويتميز بالتوازن المتحرك، ويشمل العناصر غير الحية والعناصر الحية في مكان جغرافي محدد، ويخضع كل عنصر من هذه العناصر إلى تأثيرات متبادلة مع العناصر الأخرى، ويتميز كل نظام جغرافي بخصائص وظيفية تبرهن على قدرة هذا النظام على الثبات والصمود وإعادة التوازن أمام عمليات التلوث والتخريب من خلال التقلبات، أو الدورات اليومية والفصلية والسنوية، ومن خلال العلاقة بين عناصر النظام الجغرافي، وطبيعة التأثير الذي تتعرض له هذه العناصر يتم تحديد الحدود الدنيا والقصوى لثبات هذا النظام الجغرافي، وخارج هذه الحدود يبدأ الانتقال التدريجي نحو تخرب النظام الوظيفي القائم وتشوشه( ).
    لقد رأى الجغرافي الفرنسي جورج برتاند G. Bertand في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين أن المنظومة الجغرافية Geosystem تتألف من العلاقات المتبادلة بين الأنشطة البشرية (اقتصاد، سكان)، وبين العناصر الطبيعية (تضاريس، مناخ، نبات)، وهو في ذلك حاول الجمع بين ما هو طبيعي وما هو إنساني في إطار بنية جغرافية متكاملة.
    وعلى هذا النحو صاغ ب - هاجت P. Haggett نظريته بالجمع بين العناصر الطبيعية والبشرية. ومن المآخذ على أفكار برتاند وهاجت، أن المنظومة الجغرافية التي روجا لها ليست سوى المنظومة الإيكولوجية Ecosysteme البشرية، أي أن البعد الإحيائي فيها يغلب على البعد البشري، والمنظومة التي يتحدثان عنها هي من اهتمامات العلوم الطبيعية والإحيائية بالدرجة الأولى( ). وبحسب رأينا فإن هذا يؤكد وجود تشابه بين النظام البيئي والنظام الجغرافي.
    1-6- النظام الجغرافي والنظام البيئي:
    إذا دققنا النظر بمكونات النظام البيئي والنظام الجغرافي الحية والجامدة فإننا نلاحظ وجود تشابه كبير بين كل من النظام البيئي (الإيكوسيستم) والنظام الجغرافي (الجيوسيستم)، ولكنه تشابه لا يخلو من وجود بعض الفروقات، وبعض أوجه الاختلاف بينهما، ومنها:
    1 - في النظام البيئي، يتم الاهتمام بالمميزات الحيوية الرئيسة التي تبين تأثير مختلف العوامل في العناصر الحية بشكل عام، وعلى كل عنصر من العناصر المختلفة بشكل خاص، حيث يتم الاهتمام بالعلاقات الغذائية بين الكائنات الحية.
    2 - في النظام الجغرافي الطبيعي، تكون الدراسة شمولية ولا يتم مثل هذا التدقيق، وتجري دراسة العناصر والعلاقات بينها بشكل وحيد الجانب سواء أكانت علاقات مباشرة أم غير مباشرة.
    3 - النظام البيئي غير محدد المساحة، وقد يشمل نقطة ماء فقط، أو يشمل العالم ككل.
    4 - النظام الجغرافي يكون عادة محدد بحدود معينة.
    5 - في النظام البيئي يتم النظر إلى العلاقة بين الكائن الحي والعناصر المتفاعلة معه بوصفها وحدة منتظمة ومتكاملة.
    6 - في النظام الجغرافي يتم النظر إلى العلاقة بين الإنسان والبيئة باعتبارها علاقة مواجهة مختلفة التأثير والتأثر.
    وكما هو الحال بالنسبة للتشابه بين مفهومي النظام البيئي والنظام الجغرافي، فإن بعض الباحثين يرى أنه يوجد تطابق بين مفهوم النظام البيئي ومفهوم البيوجيوسينوز بينما يرى آخرون أنه يوجد تشابه ولكنه لا يصل إلى حد التطابق، لأن العوامل المترابطة في مفهوم بيوجيوسينوز هي شكل سطح الأرض والترب والماء والهواء والكائنات الحية، أي أن هذا المفهوم له ميزات طبيعية جغرافية بينما مفهوم النظام البيئي ليس له ميزات مساحية جغرافية وإنما له ميزات حيوية وغذائية.
    إن النظام البيئي غير محدد المساحة ولكل مساحة أو نموذج من سطح الكرة الأرضية نظام بيئي محدد زراعي، أو صناعي، أو مستنقعي، أو مناطق ساحلية، أو شاطئيه، أو أنهار، أو بحيرات أو بحار، أو محيطات الخ.. ويختلف النظام البيئي في كل منها وفي بعض أجزائها ولكل منها خصوصية وميزات محددة، ففي أعماق المحيطات أو البحار يختلف عنه في الطبقات السطحية أو الضحلة القليلة المياه.




    الفصل الثاني
    الدورات الطبيعية (البيوجيوكيميائية)

    - ديناميكية حدوث الدورات الطبيعية
    - دورة الكربون
    - دورة الأكسجين
    - دورة النتروجين
    - دورة الكبريت
    - دورة الفوسفور
    - الدورة المائية
    - السلسلة الغذائية

    2–2– الدورات الطبيعية (البيوجيوكيميائية):
    2-2-1- آلية حدوث الدورات الطبيعية وديناميكيتها بشكل عام:
    تعد عملية تبادل المادة والطاقة السبب الرئيس في حدوث العلاقات المتبادلة بين عناصر الغلاف الجغرافي، مما يؤدي إلى حدوث حركة مستمرة لهذه العناصر نتيجة تأثير مجموعة من العمليات الحيوية وغير الحيوية خاصة عملية التركيب الضوئي، هذه العملية المستمرة في الماضي والحاضر والمستقبل بإذن الله سبحانه وتعالى، والشكل (6) يبين آلية حدوث الدورات الطبيعية في البيئة.
    وبفضل التوازن الدقيق لدورة العناصر والمكونات الطبيعية فإن جميع العناصر الموجودة في الطبيعة توجد في إطار دورة بيوجيوكيميائية Biogechemical cycle، بما في ذلك العناصر والغازات الموجودة في الهواء، والماء، والتربة، وكذلك النفايات المختلفة، وحتى الصخور لها دورة تسمى دورة الصخر، وتحدث بسبب التغيرات التي تتعرض لها الصخور من حرارة وضغط وانصهار، وغير ذلك فتتحول من حالة إلى حالة أخرى( ).
    وتعرف دورة الصخر بدورة التحول الصخري ****morphism، فبوساطة العمليات المختلفة المؤثرة في القشرة الأرضية تتفتت الصخور النارية إلى مواد تنتقل وتتحول إلى صخور رسوبية، وهذه بدورها تتغير بتغير درجات الحرارة، أو عمليات تكثيف الغازات أو غير ذلك، وتتحول إلى صخور متحولة، ثم تتعرض لعمليات بنائية، وتتكرر هذه الدورة إلى ما لا نهاية، والشكل (7) يبين عمليات التحول الصخري( ).
    إن الدورات البيوجيوكيميائية توضح حركة العناصر الغذائية في الأنظمة البيئية، والفرق بين حركة الطاقة وحركة العناصر الغذائية أن العناصر تتحرك في شكل دورات من مستوى غذائي إلى المستوى الغذائي الذي يليه، وتعرف هذه بالدورات البيوجيوكيميائية Biogeochemical Cycle، أما الطاقة فلا تأخذ شكل دورات لأن هناك مصدراً يمد الكرة الأرضية بالطاقة منذ بداية تكوينها وهو الشمس، ولكن لا توجد مصادر تمد الكرة الأرضية بالعناصر أو المواد الغذائية( ). يمكن التمييز بين دورتين أساسيتين للعناصر الطبيعية هما: الدورة الكبرى، والدورة الصغرى.
    الدورة الكبرى: تسمى بالدورة الجيولوجية وهي دورة طويلة الأمد وتتم ببطء شديد وتستمر مئات الآلاف أو الملايين من السنين، ويتم خلالها هجرة بعض المركبات وتراكمها في صخور القشرة الأرضية على شكل فحم، ونفط، وأحجار كلسية، وغيرها.
    الدورة الصغرى: تسمى بالدورة البيوكيميائية أو البيولوجية، وتعد جزءاً من الدورة الكبرى، وتتلخص بأن المواد العضوية الموجودة في الماء والتربة تتجمع في النباتات، وتستهلك في بناء الجسم الحي، وبعد موته تقوم الكائنات الدقيقة من البكتريا والفطريات والأحياء البسيطة وغيرها بتحليل هذه الأجساد الميتة وتفكيكها وتحويلها إلى مواد عضوية تدخل من جديد في الدورات الطبيعية، ومن أهم هذه الدورات ما يلي:
    2-2-2- دورة الكربون Carbon Cycle:
    إن دورة الكربون الصغرى (البيوحيوية) تشكل جزءاً من الدورة الجيولوجية الكبرى، وترتبط بالنشاط الحيوي للكائنات الحية، حيث إن معظم الكربون يوجد في طبقة التربوسفير، وهو عنصر مهم جدا لحدوث عملية التركيب الضوئي التي تعد بدورها الأساس في دورة الكربون، ومن خلالها يحافظ على توازنه في الجو، ويتم تثبيته في أجسام الكائنات الحية التي تحوله إلى مركبات عضوية تستخدمها كائنات أخرى، وخلال عملية التنفس النباتي والحيواني يتم إطلاق قسم من غاز الكربون إلى الغلاف الجوي، وقسم أخر يتجمع في الكائنات والبقايا الميتة بعد تفسخها. ففي بداية عملية التركيب الضوئي تستعمل النباتات الماء وثاني أكسيد الكربون، وتحول الكربون إلى أنواع بسيطة من السكر والكربوهيدرات مثل النشاء والسيلولوز بعد ذلك تستعمل النباتات الطاقة الموجودة في الكربوهيدرات لأكسدة أول أكسيد الكربون وتحويله إلى ثاني أكسيد الكربون، على شكل دورة مستمرة.
    إن التأثير البشري في عملية التركيب الضوئي من خلال القضاء على الغابات بالحرق والقطع، وتلوث مياه البحار والمحيطات خاصة بالنفط، يؤدي إلى عجز الغابات والمحيطات عن استيعاب المزيد من غاز CO مما يؤدي إلى زيادة محتوى الغلاف الجوي من هذا الغاز، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن احتراق الوقود وغيره من المواد يؤدي إلى انطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون، وحدوث ما يسمى بدورة الكربون البيوتكنولوجية، ومن المعروف أن عمليات الاحتراق في المصانع وغيرها من الآلات والأماكن المختلفة، وتخريب صخور الفحم الحجري، تؤدي إلى انطلاق كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة تركيزه في الجو مما يسبب تلوث الغلاف الجوي والتأثير السلبي على التوازن البيئي، ويؤدي بالتالي إلى حدوث ما يعرف بعامل البيت الزجاجي.

    2-2-3- دورة الأكسجين Oxygen Cycle:
    إن كمية الأكسجين (O2) تبلغ نحو 21 % من حجم الهواء الجوي، والأكسجين غاز ضروري للإنسان والنبات والحيوان، ولمعظم أشكال الحياة في الغلاف الحيوي، ودورة الأكسجين هي دورة مكملة لدورة ثاني أكسيد الكربون ومتداخلة ومترابطة معها، وهما تزودان جميع الحيوانات والنباتات بالطاقة التي تحتاج إليها من أجل استمرار حياتها، وتقوم النباتات أثناء النهار بامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأكسجين إلى الغلاف الجوي عبر عملية التمثيل الضوئي، ويحدث العكس أثناء الليل.
    والأكسجين يستنشقه الإنسان والحيوان عبر عملية التنفس الهوائي، إلى جانب ذلك يحدث تبادل مستمر للأكسجين بين الغلاف المائي والغلاف الجوي. وكمية الأكسجين في الغلاف الجوي ثابتة نسبيا، ولكنها يمكن أن تتعرض إلى خلل أو نقص بسبب زيادة استهلاك الأكسجين وزيادة حرق الوقود، فمثلا كل سيارة تعمل بمحرك بنزين عندما تقطع مسافة 15 ألف كم تستهلك 4350 كيلو غرام (كغم) من الأكسجين، وتلقي في الهواء 3250 كغم من غاز ثاني أكسيد الكربون و530 كغم من غاز أول أكسيد الكربون و93 كغم من الهيدروكربونات و27 كغم من أكاسيد الآزوت( ).
    إن أهم مصادر استهلاك الأكسجين هي حرق الوقود في وسائل النقل وفي المصانع و تأكسد المعادن حيث يستهلك سنويا في هذه العمليات نحو (15×10 ) طن سنويا من الأكسجين وهذه الكمية تشكل نحو 10 % من إجمالي كمية الأكسجين المتشكل بيولوجيا والمقدر وسطيا بنحو (150×10 ) طن / سنة، وهذا يعني احتمال حدوث ما يسمى بالعجز أو النقص بالأكسجين نتيجة انخفاض كمية الأكسجين الحر في الجو إلى الحدود الحرجة بالنسبة لحاجة الإنسان، وأهم الإجراءات التي يمكن اتباعها لمنع حدوث مثل هذا العجز هي التقليل إلى أقصى حد ممكن من حرق الوقود ومن قطع الغابات وتلوث مياه البحار والمحيطات.
    2-2-4- دورة النتروجين Nitrogen Cycle:
    يعد الآزوت أو النتروجين عنصر ضروري للحياة وهو يشكل 78 % من حجم الهواء الجوي، وبعض مكوناته توجد في التربة وفي الماء، ومع ذلك فإن النباتات والحيوانات لا يمكنها الإفادة منه وهو على شكل غاز ( N) وإنما على شكل نترات (- NO).
    وتتلخص دورة النتروجين بأن بعض أنواع البكتيريا والطحالب الموجودة في التربة تثبت النتروجين في التربة وتحوله إلى أمونيوم، وتسمى هذه العملية تثبيت النتروجين أو النترجة، ثم تحول البكتريا الأمونيوم إلى نتريت (- NO) ثم إلى نيترات(- NO)، وتستعملها النباتات للمركبات الضرورية كالبروتينات والجينات أو المورثات DNA و RNA. وينتقل النتروجين من النباتات إلى الحيوانات عن طريق السلاسل الغذائية، كما أنه يمكن تثبيت النتروجين في الغلاف الجوي أثناء حدوث البرق، حيث يحدث تفاعل بين الأكسجين والنتروجين، ويؤدي إلى تكون ثاني أكسيد النتروجين، الذي يذوب بدوره ويسقط مع مياه الأمطار. وعندما تموت هذه الكائنات الحية النباتية والحيوانية فإن بعض أنواع البكتيريا في التربة تقوم بتفكيكها وتحويل مكوناتها من نتروجين إلى غاز حر ينطلق إلى الجو، وتسمى هذه العملية إزالة النترجة، أو يتحول إلى أمونيوم وتبدأ دورة النتروجين من جديد.
    إن دورة النتروجين (الآزوت) كغيرها من الدورات الطبيعية هي دورة متوازنة، ولكن تدخل الإنسان فيها، وزيادة استخدام الأسمدة الآزوتية في الزراعة، وزيادة إطلاق الآزوت عن طريق حرق الوقود، كل هذا يؤدي إلى زيادة تراكم الآزوت في البيئة، وحدوث تلوث بالآزوت في الماء والنبات والتربة مما يؤدي إلى خلل معين في دورة الآزوت، وحدوث بعض العواقب الإيكولوجية غير المرغوب فيها، والشكل (9) يوضح دورة النتروجين في الطبيعة.

    2-2-5- دورة الكبريت Sulphur Cycle:
    إن الكبريت من العناصر الضرورية الذي تحتاجه الكائنات الحية، وله دورة طبيعية تشبه في آليتها الدورات الطبيعية الأخرى، حيث يستخدم الكبريت من قبل النباتات في بناء خلاياها البروتينية، ثم ينتقل منها أو عن طريقها إلى الكائنات الحية الأخرى عبر السلسلة الغذائية، وبعد موت هذه الكائنات يتحلل الكبريت، ويعود من جديد إلى دورة الكبريت، ويوجد الكبريت في الطبيعة بأشكال مختلفة، ومصادره متنوعة منها البراكين حيث يشكل الكبريت نحو 5 % من إجمالي الغازات التي تنطلق أثناء ثوران البراكين، كما أن الكبريت ينتج من تحلل المواد العضوية في التربة، ويوجد الكبريت في بعض صخور القشرة الأرضية، كما أن احتراق الوقود في الصناعة أو التدفئة، أو في وسائل النقل يعد أحد مصادر الكبريت، وللكبريت المحترق رائحة كريهة تشبه رائحة البيض الفاسد، وللكبريت بشكل عام تأثير سام في الكائنات الحية، كما أنه يتسبب في أكسدة المعادن.
    2-2-6- دورة الفوسفور Phosphor Cycle :
    وهي دورة مهمة بسبب أهمية الفوسفور في تركيب المادة الحية البروتوبلازما، وكذلك في تركيب ال DNA، وفي نمو العظام وغير ذلك. وتتم دورة الفوسفور بامتصاصه أو استهلاكه من قبل الكائنات الحية، وينتقل عبر السلاسل الغذائية، وعند موت هذه الكائنات الحية تقوم البكتريا، والكائنات المفككة بتحليل الفوسفور وإعادته إلى الطبيعة. وتشكل صخور الفوسفات المصدر الرئيسي لدورة الفسفور، وهذه الدورة ترتبط بنشاط الكائنات الحية وتأثيرها بما في ذلك التأثير البشري المصطنع، كما ترتبط ببعض العوامل البيئية الأخرى، ويقوم الإنسان حاليا بتصنيع الأسمدة الفوسفاتية لاستخدامها في الزراعة، وتستخدم الفوسفات في صناعات كثيرة منها، صناعة الأسمدة وبعض المواد الصيدلانية والدوائية، والمبيدات الحشرية، والخميرة والمنظفات وغيرها، مما يؤدي إلى زيادة محتوى الفوسفور في مختلف العناصر المشكلة للوسط الطبيعي، وهذا قد يؤدي إلى التأثير السلبي في هذه الدورة وفي توازنها والشكل (10) يوضح مخطط دورة الفوسفور.
    2-2-7- الدورة المائية Hydrological Cycle:
    تبدأ الدورة المائية عندما يتبخر الماء بتأثير الأشعة الشمسية من المسطحات المائية بشكل رئيسي، ومن عمليات النتح في النباتات، ويتكاثف في الجو، ويشكل الغيوم، ثم يعود ليسقط فوق المحيطات واليابسة على شكل أمطار وثلوج، ويشكل الجريان المائي السطحي والباطني. وعندما يهطل المطر والثلج فإن معظمه يهطل فوق المحيطات (نحو 90 %) وقسم يهطل فوق اليابسة (نحو 10 %) ويجري معظمه إلى الأنهار والبحيرات، ويصل إلى البحار والمحيطات، وقسم منه ينفذ إلى باطن الأرض، ويشكل المياه الجوفية على أعماق مختلفة. وتعود المياه إلى التبخر والتكاثف والتهطال من جديد في دورة دائمة. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: )وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ* وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ*[ (الطارق 10 - 11). قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه {وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ} تمطر ثم تمطر، وعنه: { وَٱلأّرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ }، هو انصداعها عن النبات. لذلك تعد المياه من الخامات المتجددة والدائمة، وهي ذات قدر ثابت فليست كالغابات، أو النفط أو غيره بحيث يمكن زيادتها أو إنقاصها بشكل عام.
    ولكن هنا لا بد من ذكر الملاحظة التالية، وهي أن ثبات كمية المياه في الدورة المائية وفي الغلاف المائي، يؤخذ على المستوى الكوني، ولفترات زمنية طويلة، وفي بعض الأماكن ولأسباب كثيرة قد يحدث خلل في التوازن المائي، فالزراعة مثلاً تستهلك كمية كبيرة من المياه العذبة، التي لا تعود إلى الدورة المائية، وتقدر بنحو 100 مليون متر مكعب سنوياً، وهي كمية تزداد سنوياً بمقدار 4 - 5 %، وعليه فإن البشرية أمام مشكلة نفاد أو نقص الثروة المائية التي تنقص في أماكن، وتزداد في أخرى.
    علما أن كمية المياه المالحة والموجودة في البحار والمحيطات تبلغ نحو 97.2 % من إجمالي مياه الهيدروسفير والباقي أي 2.8 % هي مياه عذبة ولكن معظمها (حوالي 77 %) موجود في الكتل الجليدية، وهي بعيدة المنال، بينما النسبة القليلة جدا من المياه العذبة متوافرة للبشر والنباتات والحيوانات، وللأسف فإن هذه النسبة القليلة جدا لا يتم الاستفادة منها بشكل عقلاني، وتتعرض للاستنزاف والتلوث، مما يؤدي إلى حدوث مشكلات صحية وبيئية كثيرة مرتبطة بذلك.
    والتلوث الذي تتعرض له الدورة المائية يعد جزءاً من التلوث الذي تتعرض له البيئة والنظام البيئي عموماُ، بسبب الترابط والتفاعل بين مختلف عناصر البيئة حيث إن القضاء على الغابات والأشجار والحياة النباتية مثلاً يؤدي إلى انجراف التربة مع مياه الأمطار وقد يؤدي ذلك إلى حدوث الفيضانات، وإلى انتقال الرسوبيات والطمي إلى البحيرات الطبيعية أو الاصطناعية وإلى حدوث تفاعلات وتأثيرات بيئية مختلفة، والشكل (11) يوضح دورة المياه في الطبيعة.
    2– 3– السلسلة الغذائية Food Chain:
    تشكل السلاسل الغذائية العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية، ومن خلال هذه السلاسل يتم انتقال المادة والطاقة في البيئة، وتعد الشمس مصدر الحرارة، ومصدر جميع أشكال الحياة، وهي المحرك الفعلي لها. وتتم السلاسل الغذائية عن طريق تحويل الطاقة المستمدة من الشمس، وانتقالها من حلقة إلى حلقة أخرى في الكائنات الحية المختلفة، وكل نوع من هذه الكائنات يحصل على غذائه من النوع الذي يسبقه في السلسلة، ويشكل بدوره غذاء للنوع الذي يليه، فكل حيوان هو قناص وفريسة على التناوب، فهو يكون قناصاً، ويشترك في وليمة قبل أن يغدو فريسة ووليمة لكائنات أخرى عندما يحين أجله.
    فالنباتات الخضراء تشكل غذاء للحيوانات العاشبة، والحيوانات العاشبة تشكل بدورها غذاء للحيوانات المفترسة واللاحمة، وتوجد كائنات حية مشتركة الغذاء أي لاحمة وعاشبة في آن معا كالإنسان والثعلب (يمكن العودة إلى فقرة الكائنات الحية في النظام البيئي).
    وجميع المواد الموجودة في البيئة تخضع لسلسلة غذائية وحتى الجثث المتعفنة ذات الرائحة الكريهة تخضع لسلسلة غذائية، فقد تكون طعاما للضباع، أو الطيور الجارحة، التي تدعى بكناسة الطبيعة، وقد تحللها البكتريا وتحولها إلى مواد تدخل في السلسلة الغذائية من جديد.
    وفي السلسلة الغذائية يتمم كل كائن حي دورة الطاقة الشمسية، وتبدأ السلسلة الغذائية في النباتات التي تحول الطاقة الشمسية إلى مادة حية من خلال عملية التركيب الضوئي، حيث تحصل النباتات الخضراء والطحالب على حاجتها من الغذاء، وتحوله إلى مادة عضوية حية، وتشكل هذه المادة قاعدة السلسلة الغذائية المكونة من النباتات التي تشكل غذاء للحيوانات العاشبة، ثم تصبح بدورها غذاء لحيوانات أخرى وعندما تموت هذه وتلك من الكائنات الحية فإن البكتيريا والكائنات الحية المجهرية تحولها إلى مواد مغذية في التربة تستخدمها النباتات من جديد وتستمر السلسلة الغذائية.
    هذا وتعد السلاسل الغذائية سواء البرية (التي تتم في اليابسة)، أو المائية (التي تتم في المياه) بأنها أسلوب للتعبير عن العلاقات الغذائية المتداخلة بين الأحياء، ومن خلال هذه العلاقات يتم حفظ التوازن في السلاسل الغذائية وفي البيئة أيضا، بمعنى أن حجم أي عائلة أو مجموعة من الكائنات الحية يسهم في تحديد حجم المجموعات الأخرى التي توجد معها في نفس البيئة، وتشترك معها بعلاقات متشابكة تشكل نمطا أو نظاما بيئيا يتميز بخصائص معينة.
    ولكن في حال تعرّض العلاقات بين الكائنات الحية المنتجة والكائنات الحية المستهلكة للخلل لأي سبب كان فإن السلسلة الغذائية تتعرض بدورها للخلل، ويمكن أن تتعرض في حدود معينة إلى الانهيار الكامل، ويحدث ذلك بشكل خاص بسبب التدخل البشري السلبي في هذه السلاسل وتعرضها للتلوث بالمواد المختلفة التي تنتقل من حلقة غذائية إلى أخرى، وعندما يزيد تركيز الملوثات في أي سلسلة غذائية عن الحد المسموح به، فإنه يضر بالكائنات الحية المختلفة بما في ذلك الإنسان، ويؤدي إلى الإساءة إلى صحته وحياته، وفي الوقت نفسه فإن الأعداد المتزايدة من البشر تسهم بشكل كبير في إفساد السلسلة الغذائية من خلال قطع الغابات واستنزاف الموارد الطبيعية، واحتكار السلسلة الغذائية من قبل البشر، وعدم ترك ما يكفي من الغذاء للفصائل والأنواع الأخرى من الكائنات الحية، وهذا الأمر يشكل خطرا على السلاسل الغذائية والبيئة والمجتمع البشري الآن وفي المستقبل.

    الفصل الثالث
    الإنسان والبيئة

    - العلاقة بين الإنسان والبيئة
    - تأثير البيئة في الإنسان
    - تأثير الإنسان في البيئة
    - النمو السكاني
    - العلاقة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية
    - العلاقة بين المشكلات البيئية وصحة الإنسان
    - البيئات الجغرافية البشرية والاجتماعية
    - التفاعل بين المنظومات البيئية






    3-1- العلاقة بين الإنسان والبيئة:
    تبين تعريفات البيئة التي ذكرناها سابقاً وجود علاقة قوية بين الإنسان والبيئة، فالبيئة هي كل ما يحيط بالإنسان، وهي الوسط الذي يؤثر فيه الإنسان ويتأثر به، فالإنسان لا يمكنه العيش خارج الوسط البيئي، والوسط البيئي يمكنه البقاء والاستمرار بدون الإنسان، ولكن نشاطات الإنسان وأفعاله الإيجابية تكون مفيدة للوسط البيئي.
    أصبح من الواضح لدى الكثيرين أن فهم الإنسان بشكل جيد يتحقق من خلال فهم علاقته بالبيئة، ومعرفة ديناميكية التأثير المتبادل بينهما، هذه المعرفة التي يفترض بها أن تؤدي إلى جعل الطبيعة أكثر قرباً للإنسان، وتجعله أكثر تفهماً لها، وأنه جزء ومكون مهم من مكوناتها، وليس سيدها، أو أن سيادته فيها نسبية تتجلى بالمقارنة بينه بوصفه كائناً حياٍ عاقلاً وهبه الله إمكانية معرفة قوانين الطبيعة، وفهمها وحسن التعامل معها، وبين الكائنات الحية الأخرى التي لا تملك مثل هذه الإمكانات.
    إن الطبيعة هي مجموعة أو جملة من العمليات (الكونية، الجيولوجية، المناخية، الكيميائية، الفيزيائية، البيولوجية وغيرها)، وهذه العمليات تجري بشكل طبيعي من دون تدخل الإنسان، وهي كانت موجودة قبل ظهور الإنسان بزمن طويل، وهي أزلية أبدية لا متناهية في الزمان والمكان، أما الإنسان فهو مخلوق حديث نسبياً، ولكن تأثيره في الطبيعة وعناصرها متنام ومتغير في المكان والزمان. وعلى ما يظهر فقد كانت علاقة أسلافنا القدماء بالبيئة أكثر انسجاماً وترابطاً مما هي عليه الآن لأسباب مختلفة، حتى إن بعض الشعوب القديمة كانت تقدس بعض الظواهر الطبيعية كالأنهار والبحار والغابات والجبال لدرجة العبادة. فقد كان الغاليون وهم من شعوب روما القديمة يقدمون العبادة للجبال، والحجارة العجائبية، والينابيع المقدسة، والأشجار المباركة، والحيوانات المقدسة( ).
    ومثل هذه العبادات كانت تمارس أيضاً من قبل شعوب اليونان القديمة والبلدان المجاورة لها، ففي مصر القديمة كانت تتم عبادة الحيوانات والنباتات كالبطم والنخيل، وفي بلاد ما بين النهرين كان يوجد إله الزرع، وإله الزوبعة والعاصفة( ).
    وكانت زهرة اللوتس تعد زهرة مقدسة لدى الفراعنة، وكان عند اليونان القدماء ما يعرف بالغابات المقدسة، وهي رمز القوة النباتية، وقد أقيمت فيها المعابد، وكان الدخول إليها محظوراً إلا للكهنة والقليل من أتباعهم، وتمنع حراثتها أو قطعها، ويعد ذلك تدنيساً يستحق العقوبة. أما في الدين الإسلامي الحنيف، فإن الأرض - وهي الوسط البيئي الصالح للحياة - تشكل نظاماً بيئياً متكاملاً، يهيئ للإنسان، وهو أهم عنصر في هذا النظام، ولغيره من العناصر الحية في هذا النظام، يهيئ لهم مقومات الحياة وعوامل البقاء.
    وقد أكدت الأديان والشرائع السماوية على أهمية حماية البيئة والمحافظة عليها وعلى مواردها، من الاستنزاف والإسراف والتبذير، وأكد على ذلك الكثير من التشريعات والقواعد والأحكام المنطلقة من القرآن الكريم، ومن الأحاديث النبوية الشريفة وهي كثيرة، عن النظافة والزراعة وإحياء الأرض الموات، والجهود التي بذلها الخلفاء والعلماء ورجال الدين في هذا المجال، وقد جاء في قوله تعالى: )وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ[ (الأنعام 141). وهذه الآية الكريمة تبين بوضوح الكثير من المنهي عنه والمسموح به وما يترتب عليه.(§)
    3-2-1- تأثير البيئة في الإنسان:
    إن تأثير البيئة في الإنسان قد يكون تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، وبدرجات وأشكال مختلفة باختلاف العناصر البيئية، ومنها العناصر المناخية، والموقع، وشكل التضاريس والمياه والنبات والتربة وغير ذلك:
    1- العناصر المناخية:
    إن المناخ بعناصره المختلفة من حرارة وأمطار ورطوبة جوية ورياح وضغط جوي الخ.. تؤثر في الإنسان بشكل أو بآخر، ويكون هذا التأثير إيجابياً مناسباً مساعداً على العمل والتطور وزيادة انتشار السكان والتكفل بإعالة المزيد منهم، أو سلبياً لا يساعد على ذلك.
    والمناخ يؤثر تأثيراً كبيراً في توزيع السكان، فضلاً عن تأثيره المباشر في الغطاء النباتي وتوزيع الحيوانات، وهناك من الباحثين من رأى أن المناخ هو الذي صاغ حضارات الشعوب وقاد الهجرات البشرية، وحدد ملامح طاقات الشعوب وشخصيتها( ).
    2 - الموقع الفلكي والجغرافي:
    إن الموقع الفلكي (الموقع من خطوط الطول ودوائر العرض) يحدد زاوية سقوط الأشعة الشمسية الواصلة إلى سطح الأرض وكميتها، وبالتالي يحدد الكثير من خصائص المناخ المؤثرة في الإنسان وظروف حياته. كما أن الموقع الجغرافي يؤثر في الإنسان بشكل مختلف سلباً أو إيجاباً، وذلك بحسب خصائص هذا الموقع، استراتيجي أو منعزل أو غير ذلك، فتوجد مواقع جغرافية تساعد الإنسان على التطور والتواصل مع الشعوب والحضارات العالمية الأخرى، وتوجد مواقع داخلية منعزلة تعيق مثل هذا التطور والتواصل، وتؤثر سلباً في الإنسان وحياته.
    كما أن الوسط الجغرافي شرط ضروري لتطور أي شعب من الشعوب، وهو الميدان الذي تجري فيه عمليات التطور هذه، ويوجد الكثير من الدلائل على تأثير الوسط الجغرافي في حياة الشعوب، هذه الدلائل التي يمكن أن تظهر في مختلف ميادين الثقافة السلالية لهذه الشعوب ابتداءً من أدوات العمل وانتهاءً بمسميات الشعوب نفسها، كما أن مواقع الحدود الطبيعية لأي شعب من الشعوب كالأنهار أو البحار أو الجبال، تلعب دوراً كبيراً في حياة الشعوب وتطورها.
    3 - شكل التضاريس:
    في البداية لا بد من التنويه أن شكل سطح الأرض وما يوجد عليها من تضاريس مختلفة، هي من النعم التي وهبها الخالق سبحانه وتعالى لخلقه، لأن هذه التضاريس تساعد في حدوث الكثير من الظاهرات الطبيعية الهامة، كحركة الرياح والتيارات المائية، وحركة الجو العامة، والدورات الطبيعية وغير ذلك، ولولا وجود هذه التضاريس لتحول سطح الأرض إلى مساحات مستوية تذروها الرمال، أو تغطيها المياه.
    وشكل التضاريس يحدد مقوماتها وميزاتها، وعوامل جذبها أو طردها، ويؤثر سلباً أو إيجاباً في حياة الإنسان، فالمناطق الجبلية الوعرة تختلف عن مناطق السهول المنبسطة، وضفاف الأنهار وسواحل البحار تختلف عن المواقع الداخلية أو الصحراوية أو غيرها. إن شكل التضاريس قد يكون مناسباً وملائماً لقيام الزراعة أو الصناعة أو العمران أو غيرها وتطورها، ويسهم في تطور الإنسان وتوطيد علاقته بالبيئة واستقرار هذه العلاقة، أو العكس، فقد يكون تأثير الموقع سلبياً، ويدفع بالناس إلى الرضوخ والاستكانة، أو الهجرة الخ....
    ومن الأمثلة على تأثير الأوضاع البيئية أو الخصائص الجيومورفولوجية في حياة السكان، ما يورده الكثير من الاختصاصيين من أن أسباب فتوحات العرب الشهيرة، وهجراتهم المتتابعة من شبه الجزيرة العربية إلى مناطق شاسعة من العالم، لم تكن مرتبطة بالتطور الاجتماعي والثقافي للقبائل العربية فحسب، بل ارتبطت أيضاً بخصائص وطنهم الجغرافية، وبالتغيرات المناخية والبيئية التي تعرضت لها أراضي شبه الجزيرة العربية، وعلى نفس النحو فيما يخص قارة أوروبا، وتأثير أشكال التضاريس فيها في حياة وتطور شعوبها، حيث كتب المؤرخ الروسي كلوتشيفسكي يقول: ثمة خاصيتان جغرافيتان تميزان قارة أوروبا عن قارات العالم الأخرى، وعن قارة آسيا بشكل خاص وهما، تنوع أشكال تضاريس الأرض، والخطوط المتعرجة بشكل خارق للشواطئ البحرية( ).
    ومن المعروف التأثير القوي والمتنوع الذي تمارسه هاتان الخاصيتان في حياة البلاد وشعوبها، ويعود إلى أوروبة الأولوية في شدة تأثير هاتين الخاصيتين، ولا يوجد أي مكان تتعاقب فيه الشواطئ المتعرجة والخلجان العميقة والرؤوس البحرية البارزة، يليها السهول والهضاب والجبال كما تتعاقب في أوروبا.
    وفي أوروبا يقابل كل ميل واحد من شاطئ البحر 30 ميلاً مربعاً من المجال القاري (اليابسة)، بينما يقابله 100 ميل مربع في قارة آسيا. وهذه الظروف والخصائص التضاريسية أكثر ما تنطبق على اليونان، ولذلك كثيراً ما يتم طرح السؤال التالي، ما دور الظروف الطبيعية في نشوء الحضارة اليونانية القديمة وتطورها؟.
    3-2-2- تأثير الإنسان في البيئة:
    كما ذكرنا سابقاً فإن البيئة بعناصرها المختلفة تؤثر في الإنسان، ولكن الإنسان بدوره يؤثر في البيئة، وبشكل مختلف من بيئة لأخرى باختلاف المستوى الحضاري والعلمي والتقني والاقتصادي والاجتماعي بما في ذلك العادات والتقاليد وغير ذلك، وتأثير الإنسان في البيئة المحيطة به لم يتوقف منذ خلق الله الإنسان وحتى أيامنا هذه، وخلال هذه الفترة التي استمرت من 1.5 - 2.5 مليون سنة، وهذا ما يعبر عنه بمفهوم (الانتروبوكنك)(§).
    ولم يكن تأثير الإنسان في البيئة واحداً أو متشابهاً بدرجة كبيرة في كل زمان ومكان، بل كان أحياناً محدوداً، والمشكلات الإيكولوجية (البيئية) الناجمة عنه محدودة أيضاً، ومع الزمن تزايدت حدة هذا التأثير وحدة المشكلات الناجمة عنه، وشكّل اكتشاف النار ثورة حقيقية في هذا المجال، ويعدها البعض أهم من الثورة الصناعية وأكثر تأثيراً، لأنه باكتشاف النار انتقل الإنسان شيئاً فشيئاً من عهد الطفولة البشري والمجتمع البدائي، إلى عهد آخر مختلف تغيرت معه أساليب حياة الإنسان، حيث استخدم النار (الطاقة) لأغراض متنوعة، في إنتاج الغذاء وطهي الطعام، وفي الزراعة وحرق الغابات، وتأهيل الحيوان، وجميع هذه التطورات أدت إلى زيادة تأثير الإنسان في البيئة.
    ويمكن التمييز بين عدة أشكال لتأثير الإنسان في البيئة ومن هذه الأشكال:
    1- تغيير بنية سطح الأرض وشكله.
    2- التأثير في الدورات البيوجيوكيميائية في الغلاف الحيوي (البيوسفير)، وتغيير بعض مكوناته.
    3- تغيير الاحتياطي الإشعاعي (الطاقة والحرارة) لكل أو لبعض مناطق الكرة الأرضية.
    4- التأثير في حياة الكائنات الحية، النباتية والحيوانية والدقيقة، (إبادة - تهديد بالانقراض - نقل - تكييف - تهجين الخ...)
    وبالطبع ليست جميع تأثيرات الإنسان في البيئة، تأثيرات سلبية، وإنما الكثير منها إيجابية وضرورية مثل العمران، وبناء الجسور والسدود، وشق الطرق والأنفاق والقنوات، واستصلاح الأراضي، واستغلال الموارد والثروات المعدنية والباطنية، وهذه التأثيرات البشرية المصطنعة التي تتعرض لها البيئة ومكوناتها، إما أن تكون تأثيرات مقصودة وعن عمد، وتأتي في إطار إعمار الكون، وتحسين مستوى حياة الإنسان، أو تكون غير مقصودة، وهي غالباً نتيجة للتأثيرات الأولى المقصودة، وهذه الأخيرة تعد تأثيرات حتمية إلى حدٍ كبير، ولكن من المهم جداً العمل والسعي بكل السبل للتخفيف من نتائجها السلبية، وتأثيراتها غير المقصودة، وربما غير المتوقعة، وغير المعروفة.
    3-3- النمو السكاني:
    إن عدد سكان العالم قد تزايد بشكل متواصل منذ وجود الإنسان على سطح الأرض وحتى الآن، ولكن ديناميكية التزايد التي حدثت في القرنين الأخيرين تعد مثيرة للانتباه، وهذا التزايد يعود بشكل رئيس إلى:
    - تراجع آثار المجاعات والأوبئة التي عانت منها البشرية طويلا.
    - انخفاض الوفيات بشكل عام، ووفيات الأطفال بشكل خاص.
    - تحسن مستوى المعيشة.
    - ارتفاع متوسط العمر المتوقع للإنسان عند الوفاة.
    كل هذه العوامل أدت إلى زيادة عدد السكان بشكل كبير عبر الزمن، فإذا كان عدد سكان العالم قد بلغ نحو عام 8000 ق. م خمسة ملايين نسمة فقط، فقد بلغ عام 1650 م نحو نصف مليار، وبلغ عام 1830 نحو مليار، وعام 1930 نحو 2 مليار، وعام 1970 نحو 4 مليار، وعام 2000 نحو 6 مليار نسمة، والجدول (1) يوضح ذلك.
    والمشكلة الخطيرة الناتجة عن زيادة عدد السكان تتجلى بشكل رئيس في زيادة عدد سكان المدن، والمدن الكبرى بشكل خاص، فعلى مستوى العالم بلغت نسبة سكان المدن إلى مجموع السكان 20% فقط عام 1920م وأصبحت نحو 30% عام 1950 ونحو 47% عام 2000م.
    زمن تضاعف عدد السكان بالسنوات الزيادة بالمليون الفترة الزمنية، قبل وبعد الميلاد
    2500 10 - 20 7000 - 4500 ق.م
    2000 20 - 40 4500 - 2500 ق.م
    1500 40 - 80 2500 - 1000
    1000 80 - 160 1000 - 0 ق.م
    900 160 - 320 0 - 900 م
    800 320 - 600 900 - 1700 م
    150 600 - 1200 1700 - 1850 م
    100 1200 - 2500 1850 - 1950 م
    40 2500 - 5000 1950 - 1990 م
    ؟ 5000 - 6000 1990 - 2000 م
    الجدول (1) يوضح تزايد عدد سكان العالم عبر الزمن( ).
    3-3-1- العلاقة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية والبيئة:
    إن العلاقة بين النمو السكاني وزيادة الطلب على الموارد الطبيعية، وبين البيئة، علاقة معقدة ومتشابكة جدا، وهذه العناصر (السكان والأنشطة البشرية والبيئة) تتفاعل معبعضها بطرائق وأشكال مختلفة في الزمان والمكان، فزيادة عدد السكان تؤثر في التنمية، ودرجة التنمية تؤثر في البيئة، ومستوى التنمية، ونوعية البيئة تؤثران في السكان.
    وإذا كان تزايد عدد السكان لا يعني بالضرورة خفض مستوى المعيشة، أو التأثير السلبي في نوعية الحياة، أو إحداث تدهور وإخلال في البيئة فإن المشكلة الرئيسة لا تتمثل في تزايد أعداد السكان فقط، ولكنها تتمثل في اتساع الهوة في نمط الحياة بين الأغنياء والفقراء في العالم، فالغنى الفاحش والفقر المدقع كلاهما مسؤول عن تلوث البيئة وتدهورها، وإذا كان بالإمكان وقف الفقراء عند الحدود وتقييد حركتهم، فإن الفقر ينتقل على شكل مخدرات وأمراض وإرهاب.
    وهذه الأيام وفي الكثير من بلدان العالم يوجد الملايين من البشر الذين يعانون من الجوع والفقر، وملايين آخرين يعيشون على حافة الفقر، وبلدانهم ليست في وضع يسمح لها بتأمين المتطلبات والحاجات الأولية لهم، مثل العمل والسكن، والاحتياجات الصحية والدوائية، وتمديدات المياه النظيفة، وشبكات الصرف الصحي، وخدمات الكهرباء والنقل والتعليم والبنية التحتية الأخرى.
    كثيرا ما يرتبط تدهور البيئة بالزيادة الكبيرة في أعداد السكان، فالسكان عادة يتجمعون حيث تكون موارد الرزق ميسرة، والعكس صحيح، مما يؤدي إلى حدوث ضغط بيئي كبير، وخاصة عندما ترتبط الزيادة السكانية بالفقر في المناطق الريفية بشكل خاص، وتتمثل جذور هذه المشكلة في الازدحام الذي يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض المعدية وغير المعدية، وفي عدم تمكن الفقراء من الحصول على موارد إنتاجية كافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، لذلك يعمدون إلى تقطيع أشجار الغابات لاستخدامها وقودا، ويجتثون الأعشاب، وينهكون التربة الزراعية( ).
    لقد كانت البيئة منذ القدم وحتى عهد قريب تلبي مطالب الإنسان وتشبع الكثير من حاجاته ورغباته، ولكن الوضع لم يبق كذلك، فقد أدى تزايد السكان بشكل متسارع إلى زيادة الطلب على موارد البيئة وزيادة الضغط عليها بما يتجاوز طاقتها وقدرتها على التجدد، وتقديم الموارد المطلوبة منها.
    إن العلاقة بين الزيادة الكبيرة في عدد السكان وبين نضوب الموارد الطبيعية وتدهورها علاقة متشابكة ومتعددة الجوانب، والحقيقة المهمة في هذا الصدد أن بني البشر يستخدمون من المصادر المتاحة، ويطرحون من النفايات بمعدلات لا يمكن لهذا الكوكب أن يتحملها، والشكل (14) يوضح العلاقة المتبادلة بين السكان والموارد الطبيعية والبيئة.
    وإذا ما استمر تصاعد عدد البشر والاستهلاك فإن هناك فرصة قوية في ألا يتوافر أمل للمخلوقات الأخرى التي نتشارك معها الأرض، إضافة إلى الاحتمال الكبير في أن يتعرض بنو البشر أنفسهم إلى كارثة( ).
    أصبح من المعروف أن تزايد عدد السكان بشكل كبير يشكل ضغطاً كبيراً على النظام البيئي، ويؤدي إلى زيادة استنزاف الموارد الطبيعية المتاحة، وتهديد التوازن البيئي بالخلل والتدهور، ولذلك فقد أولى الكثير من العلماء والساسة والمربين والتنظيمات الرسمية والشعبية وقطاعات اجتماعية عريضة اهتماماً كبيراً بالمسألة السكانية، لأن زيادة عدد سكان العالم بهذا الشكل لا يمكن أن يتم من دون أن يترتب عليها تغيرات بيئية معينة، وتأثيرات سلبية على صحة الإنسان.
    ومن الجدير بالملاحظة أن الحواجز بيننا، وبين الأوبئة ليست قوية جداً، كما هو الاعتقاد السائد، ولم يعد التحكم بنواقل المرض أكثر صعوبة فحسب، ولكن من المحتمل أن سكان المدن أصبحوا أقل مقاومة للأوبئة، بسبب معدلات التلوث المرتفعة( ).
    ليس هذا فحسب بل إن البشرية تشهد أنواعاً جديدة من الأمراض والأوبئة المختلفة الأسباب والمصادر، مثل جنون البقر، وإنفلونزا الطيور، وفيروس الكبد الوبائي وغيره.
    والسؤال المطروح في هذا المجال هو هل توجد إمكانية لتلبية حاجات ومتطلبات الأعداد المتزايدة من السكان وتأمينها؟ وإلى متى؟ وبشكل لا يؤثر في البيئة أو في قدرة الأجيال المقبلة في تأمين هذه الحاجات والمتطلبات؟
    إن الإجابة عن هذا السؤال على درجة كبيرة من الأهمية، لأنه من جهة يهتم بالإنسان الذي يعد أهم عنصر في البيئة، ومن جهة أخرى يهتم بالبيئة، باعتبارها الموئل والمكان الذي يعيش فيه الإنسان ويستمد منه مقومات وجوده وسبل استمرار حياته.
    وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإنسان ليس رقماً فحسب ولكنه ثروة أيضاً، وذلك عندما يتم إعداده وتنشئته بشكل صحيح وكل مولود جديد ليس فمّا إضافيّا فقط، ولكنه أيضا يدُ جديدة وعقل جديد، ويمكن الاستفادة منه في دعم عملية التطور والتنمية. والنمو السكاني بحد ذاته قد لا يشكل مشكلة، ولكن المشكلة تتضح في إطار الحركة الاقتصادية للمجتمع والظروف المحيطة به، والمسألة المهمة هي كيف يتم تحقيق التوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي من دون تدمير البيئة.
    3-4- العلاقة بين المشكلات البيئية وصحة الإنسان:
    مقدمة:
    إن المشكلات البيئية المتشعبة والمتنوعة، في أسبابها ومصادرها ونتائجها، وخاصةً تلك المشكلات المتعلقة بتلوث البيئة، التي تنعكس على مختلف عناصر البيئة ومكوناتها، وعلى الإنسان الذي هو أحد أهم هذه المكونات، في حياته وصحته وعمله وتطوره.
    إذا كانت البيئة في أحد تعريفاتها تعني الإنسان وكل ما يحيط به من عناصر حية، وعناصر غير حية (جامدة)، وفي سلامة الإنسان وسلامة صحته سلامة للبيئة وصحتها بكل معنى الكلمة، لأنه من المفترض أننا أصبحنا ندرك تلك العلاقة القوية، والتأثير المتبادل بين الإنسان وعناصر البيئة المحيطة به، وقد اهتمت الدراسات الجغرافية البيئية، والطبية بهذه الأمور، ركزت في هذا الجانب على المنهج البيئي، ودراسة العوامل الإيكولوجية (البيئية) من جهة، وعلى دراسة الأمراض المعدية والعوامل الوبائية من جهة أخرى. ونحن نعرف أيضاً أن أحد أهم تعريفات الجغرافيا الطبية، أنها دراسة العلاقة بين البيئة الجغرافية، وصحة الإنسان.
    ومن المعروف أيضا وكما يرى الكثيرون، أن ميدان الجغرافية الطبية هو الدراسات الإيكولوجية للأمراض، وأن الدراسات الإيكولوجية تمثل الجانب الأصلي للجغرافيا الطبية.
    من الواضح أن الحديث عن موضوع العلاقة بين بعض الفروع الجغرافية ذات الصلة مثل الجغرافية البيئية (الجيوإيكولوجيا)، والجغرافيا الطبية، والجغرافيا التطبيقية وغيرها، حديث متشعب، تتداخل فيه العديد من المفاهيم والمصطلحات، وهي ذات علاقة واضحة بدراسة صحة البيئة وتأثيرها في الإنسان.
    3-4-1- العوامل الجغرافية والبيئية (الإيكولوجية)، المؤثرة في صحة الإنسان:
    إذا كان الهدف الرئيس لكل الدراسات البيئية وعلم البيئة، وغيره من العلوم هو ضمان معرفة البيئة، ومعرفة مكوناتها، وحماية هذه المكونات بالشكل الصحيح والسليم، بما في ذلك الإنسان، وهذا لا يتم بدون معرفة العلاقة بين صحة الإنسان وصحة البيئة، وإذا كان من المعروف أهمية هذه العلاقة منذ القدم، فإنها الآن أصبحت أكثر إلحاحاً، وأكثر أهميةً، بسبب تفاقم المشكلات الصحية وتزايد الأمراض، وليس تناقصها كما يظن البعض، أو على الأقل بسبب ظهور أمراضٍ جديدةٍ مقابل اختفاء أمراض أخرى، أضف إلى ذلك تزايد أعداد سكان العالم بشكل كبير، وزيادة المشكلات البيئية وتفاقمها إلى حدٍ غير مسبوق، ولأسباب كثيرة. ويمكن تصنيف العوامل البيئية المؤثرة في صحة الإنسان في نوعين من العوامل هما العوامل الطبيعية، والعوامل البشرية.
    أولاً - العوامل البيئية الطبيعية:
    إن العوامل البيئية والجغرافية الطبيعية المؤثرة في صحة الإنسان كثيرة ومتنوعة ومنها:
    1 - المناخ وعناصره المختلفة§)
    يعد المناخ بعناصره المختلفة من أكثر العوامل المؤثرة على صحة الإنسان، سواء بشكل مباشرٍ وما ينجم عنه من أمراض مباشرة في فصول السنة المختلفة، ومنها ما يسمى بأمراض الصيف، وأمراض الشتاء، أو بشكل غير مباشر، حيث تشكل عوامل مساعدة لتكاثر البكتريا والجراثيم والطفيليات المسببة للمرض. وأصبح من المعروف أن الكثير من الأمراض، مثل أمراض الروماتيزم، والأمراض القلبية، وأمراض الربو والجهاز التنفسي، وأمراض العيون، والسرطانات، وحتى بعض الأمراض العصبية والنفسية، جميعها لها علاقة بالمناخ والظروف المناخية، وأهم العوامل المناخية المؤثرة في صحة الإنسان هي:
    أ - الإشعاع الشمسي:
    يؤثر الإشعاع الشمسي في صحة الإنسان سلباً وإيجاباً، وبشكل مختلف، باختلاف شدته، وتركيبه، فالأشعة الشمسية الشديدة المباشرة قد تسبب الإصابة بضربة الشمس، والأشعة فوق البنفسجية تسبب التهابات، وأمراضاً سرطانية، وتصيب العيون بالأمراض وربما العمى.
    ب - درجة الحرارة:
    إن درجة الحرارة المناسبة لجسم الإنسان السليم هي 37مْ، ومن المعروف أن الجسم في الأحوال العادية يتكيف ويعمل للمحافظة على درجة الحرارة هذه، ولكن تأثير درجة الحرارة في صحة الإنسان يرتبط غالباً بتأثير العناصر المناخية الأخرى، كالرطوبة الجوية، والرياح، والإشعاع الشمسي، ويتم التمييز بين نوعين من الأمراض ذات الصلة بدرجات الحرارة وهما، أمراض الحرارة المتطرفة، وأمراض البرودة المتطرفة( ).
    - أمراض الحرارة المتطرفة ومنها:
    - الضربة الحرارية، وتحدث بسبب اختلال التوازن الحراري للجسم، الناجم عن الرطوبة الزائدة المرافقة لارتفاع درجات الحرارة، أو بسبب خلل في عمل الغدد العرقية.
    - التقلصات الحرارية، وتحدث في عضلات البطن والأفخاذ والأرجل بسبب فقدان الجسم لكميات كبيرة من الأملاح نتيجة التعرق الكبير جراء التعرض للحرارة المرتفعة.
    - الأويديما، وهي تورم الأقدام والأرجل وأحياناً الأيدي والأصابع، بسبب الوقوف أو الجلوس لفترات طويلة في الجو الحار.
    - الإغماء، يحدث نتيجة تمدد الأوعية الدموية، مما يؤدي إلى نقص العائد من الدم إلى القلب، وتجمعه بشكل خاص في الأوعية الدموية للأرجل، بسبب الوقوف لفترة طويلة في الجو الحار أيضاً.
    - الطفح الحراري، وهو ظهور حبوب صغيرة حمراء على جلد الجذع وربما على جلد الأطراف، بسبب انسداد الغدد العرقية.
    - أمراض البرودة المتطرفة:
    - عضة الصقيع، وتصيب الأطراف المكشوفة التي تتعرض للتجمد، ويصاحب ذلك تقلص الأوعية الدموية وتجلط الدم، مما يؤدي إلى الوفاة، أو بتر الأطراف المتجمدة من الجسم.
    - تشقق جلد الأطراف المكشوفة، بسبب شدة البرودة التي تضعف أنسجة الجسم وتتلفها، وتوقف الدورة الدموية فيها، مما يؤدي إلى تشققها خاصة الأيدي والأقدام.
    - مرض النقص الحراري الحاد، الذي يصاب به كبار السن خاصة.
    ج - الرطوبة الجوية:
    للرطوبة الجوية تأثير مباشر على جسم الإنسان الذي يحتاج إلى معدل مناسب منها، ونقص أو زيادة رطوبة الجو عن الحد المعقول يؤثر في صحة الإنسان بشكل أو بآخر، فنقص الرطوبة مثلا يؤدي إلى حدوث تشققات في الغشاء

  3. #3
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1
    المخاطي للأنف، بينما زيادة الرطوبة في الجو الحار تسبب الإجهاد والتعب، والإحساس بالضيق والإرهاق الحراري وصعوبة التنفس.
    د - الضغط الجوي:
    يؤثر الضغط الجوي في صحة الإنسان، وخاصة على عمل القلب والرئتين، فمثلاً انخفاض الضغط الجوي مع الارتفاع (في الجبال أو في الطائرات أو غيرها) يؤدي إلى تخلخل الهواء وتناقص محتواه من الأكسجين، وهذا ينعكس على الجهاز التنفسي وبالتالي على الدورة الدموية وعمل القلب، وقد يؤدي إلى آلام في البطن، وتورم الأقدام وغير ذلك.
    2 - الموقع الجغرافي:
    إن كلاً من الموقع الفلكي والموقع الجغرافي يؤثر في صحة الإنسان سلباً أو إيجاباً، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالموقع الفلكي يؤثر في الصحة بحسب علاقته بعناصر المناخ والأمراض المرتبطة به التي ذكرنا بعضها آنفاً، والموقع الجغرافي يؤثر في صحة الإنسان بحسب قربه أو بعده عن مناطق توطن الأمراض، الوبائية منها بشكل خاص، وظروف انتقال هذه الأمراض من موقع إلى آخر.
    3 - نوعية الصخور والتربة:
    توجد علاقة قوية بين انتشار بعض الأمراض، وبين نوعية الصخور والتربة، وتركيبهما المعدني والكيميائي، والتي تؤثر بدورها في خصائص الماء والغذاء، حيث يعتقد أن سرطان المعدة مثلاً يكثر في مناطق الصخور النارية المكونة من السيانيت والإندسيت، والترب الفقيرة باليود تسبب مرض تضخم الغدة الدرقية، كما أن نوعية الصخور والمعادن الموجودة فيها تحدد خصائص المياه، وهذه بدورها لها علاقة بانتشار بعض الأمراض، بينما يوجد في التربة الكثير من الكائنات الحية الدقيقة والبكتريا والطفيليات، وقد تسبب أمراضاً مختلفة بشكل مباشر لمن يتعرض لها، مثل مرض القرحة السيبيرية، ومرض الانسمام الوشيقي (Botulisme)، والغنغرينا الغازية التي تؤدي إلى النخر العضلي، أو إنتان الدم، أو تأثيرات عصبية مختلفة، أو بشكل غير مباشر عن طريق تلوث الماء والغذاء.
    4 - التضاريس:
    تؤثر التضاريس على صحة الإنسان بشكل مباشر أو غير مباشر، فعندما تكون مرتفعة تسبب تناقص قيم الضغط الجوي وما ينتج عنه، أو تعيق تكاثر طفيليات الكوليرا والملاريا والبلهارسيا (ثبت أن هذه الطفيليات لا تتكاثر في المناطق المرتفعة)، وكذلك فإن المناطق المرتفعة تساعد في الشفاء من بعض الأمراض الجلدية، وتخفض من معدل السكر في الدم لدى مرضى السكري( ).
    5 - نوعية المياه:
    إن خصائص مياه الشرب ونوعيتها تؤثر بشكل كبير في صحة الإنسان، وأعتقد أنه في كثير من الأحيان يجب البحث عن دور المياه وعلاقتها بالأمراض والصحة، حتى إن البعض يربط بين نوعية المياه، ونوعية الصوت، والحيوية والنشاط والنمو وغير ذلك، ويقدر أن المياه اليسرة الخالية من عنصري الكالسيوم والمنغنيز قد تزيد من الإصابة بأمراض سرطان المعدة، وأمراض القلب والأوعية الدموية والنوبات القلبية، وللمياه علاقة بأمراض لين العظام وتخلخلها، وتلف الأسنان وتسوسها وتبقعها، وهذا يرتبط بمعدل الفلور في الماء، ونقص اليود في المياه كما هو الحال في التربة، يزيد من احتمال الإصابة بتضخم الغدة الدرقية، كما أن استعمال المياه الملوثة أو غير الصالحة لأغراض لها علاقة بصحة الإنسان مثل غسيل الخضار والفاكهة واللحوم وتنظيفها، أو سقاية الحيوانات، أو تصنيع الأغذية أو غيرها، كل ذلك يضاعف من التأثير السلبي للمياه على صحة الإنسان.
    6 - الكائنات الحية المتمثلة بالنباتات والحيوانات والحشرات والطفيليات:
    هذه الكائنات تسمى المسببات الحيوية للأمراض، وتوجد علاقات معقدة ومتشابكة بين كل من المجموعة النباتية (الفلورا)، والمجموعة الحيوانية (الفاونا)، والكائنات الدقيقة والطفيليات، وبين صحة الإنسان، فبعض النباتات سامة وضارة، وبعضها نافعة ومفيدة، والكثير من الحيوانات البرية أو الأهلية، وكذلك الطيور والحشرات تشكل مصدراً لعدوى الإنسان وإصابته بالكثير من الأمراض، أما الكائنات الدقيقة والطفيليات التي تتطفل على الإنسان وتصيبه بالمرض، فحدث ولا حرج ومنها، ديدان البلهارسيا والانكلوستوما والإسكارس وغيرها.
    ثانياً - العوامل البيئية البشرية:
    1 - العوامل الاقتصادية:
    إن المستوى الاقتصادي لأي إنسان أو أي شعب من الشعوب، يؤثر في الأحوال الصحية لهم، وفي مدى تطوير الخدمات الصحية والعلاجية ومكافحة الأمراض، ومكافحة الفقر والجهل والأمية، لأن ذلك ينعكس بالنتيجة إيجاباً على الحالة الصحية، ومن المعروف أن المستوى الاقتصادي في الكثير من بلدان العالم التي توصف بالنامية والمتخلفة سيء بدرجة لا تسمح بتحسين المستوى الصحي والمعيشي والغذائي لشعوبها التي تعاني من التلوث البيئي وتفشي الأمراض والأوبئة المتعلقة بذلك.
    2 - العوامل الحضرية والعمرانية:
    من المعروف أن التوسع والنمو الحضري والعمراني الذي تشهده مناطق كثيرة في العالم، الذي يتم بشكل كبير ومتسارع، ينجم عنه مشكلات بيئية مختلفة، خاصة إذا لم يكن هذا النمو مخططاً بشكل صحيح، ولكل مدينة خصائصها الصحية والمناخية والبيئية التي تميزها من غيرها، ولكل منها مشكلاتها خاصة تلك المدن الضخمة المزدحمة بالسكان والمواصلات، وبالأخص تلك المدن التي تعاني من التوسع العمراني العشوائي (المخالفات العشوائية)، وهذه المدن تعاني من الضغط الكبير على البنية التحتية من خدمات تعليمية وصحية وشبكات الكهرباء والماء والخدمات المختلفة، وما ينجم عنه من تلوث الماء والهواء والتربة، والتلوث بالقمامة، والنفايات الصلبة، والضوضاء، والتلوث الاجتماعي الناجم عن الازدحام، والتدخين، والإدمان والعادات السيئة وغير ذلك.
    3 - العوامل الثقافية والحضارية:
    وهذه العوامل لها علاقة بالحياة اليومية للأفراد والمجتمع، تشمل الكثير من الأمور التي تنعكس سلباً على صحة الأفراد، وصحة المجتمع ومن هذه العوامل نذكر:
    - العادات ومنها عادات الزواج المبكر، وزواج الأقارب، والتدخين، وتناول المشروبات الضارة، والعادات الغذائية السيئة.
    - السلوك بأشكاله المختلفة، المتعلق مثلاً بطرائق التخلص من القمامة، واحترام حرية الآخرين، والمحافظة على الملكية العامة للمجتمع.
    - العلاقات الاجتماعية، ومدى عدالتها وانسجامها وتكافلها، وتحصينها وحمايتها لحقوق الطفل والمرأة والرجل والأسرة، بما يكفل الحماية من المخدرات والإدمان وغيره.
    - العقائد الدينية، ودورها في التمسك بالقيم والمبادئ السليمة، وفي الحماية من الانحلال والفساد الخلقي والأمور غير الشرعية، وما ينجم عنه من أمراض عضوية واجتماعية مختلفة.
    4 - العوامل الوراثية والشخصية:
    إن الكثير من العوامل الوراثية لها دور كبير في الإصابة بعدد من الأمراض والتشوهات الخلقية، التي تحدث عادة بسبب خلل في الجينات الوراثية (الكروموزومات)، التي تضمها نويات جسم الإنسان، والمرتبطة بالصفات أوالجينات الوراثية لكل من الأم والأب، ومن المعروف أن بعض هذه الصفات متنحية، وبعضها الآخر منتقلة، وهذه الأخيرة هي ما يطلق عليها صفة الأمراض الوراثية، كما أن بعض الأمراض يوجد استعداد وراثي لانتقالها أو الإصابة بها.
    أما العوامل الشخصية أو الذاتية، فلها علاقة بالمناعة الشخصية، والصحة العامة للشخص وقدرته على مقاومة مرض معين أو أكثر من مرض.
    5 - العوامل المهنية:
    إن الكثير من الحرف أو المهن التي يمارسها السكان تسبب إصابتهم بأمراض معينة، تسمى بالأمراض المهنية، وقد أحصي أكثر من 500 مهنة في العالم، تسبب مثل هذه الأمراض، سواء تلك المهن المتعلقة بالأعمال الزراعية وتربية الحيوانات والرعي والصيد، أو بالأعمال الصناعية المختلفة.
    6 - التلوث البيئي من المصادر البشرية:
    أصبح التلوث البيئي الذي يسببه الإنسان، أحد أهم العوامل المسببة للأمراض واعتلال الصحة، وهذا التلوث له أشكال مختلفة، ويشمل عناصر بيئيةٍ متنوعةٍ وواسعة الانتشار، كتلوث الماء، والمياه الملوثة يمكن أن تكون مسؤولة عن أمراضٍٍ كثيرة مثل الكوليرا والتهاب الكبد، وعن وفيات الأطفال، وكذلك تلوث الهواء والتربة والغذاء، وبالطبع فإن تلوث الماء والهواء والتربة ينعكس سلبا ًعلى عناصر البيئة الأخرى، ويساعد إلى جانب عوامل أخرى في حدوث نقص الغذاء وتلوثه، ومن مصادر تلوث الغذاء المبيدات والأسمدة الكيميائية، والمخلفات الصناعية، وعوادم السيارات، وعمليات تصنيع المواد الغذائية وتعليبها وحفظها ونقلها، والتلوث بالكائنات الدقيقة، وغيرها الكثير مما يسبب حدوث الأوبئة والكوارث البيئية والصحية.
    وهنا نرى أنه من المهم التأكيد على أهمية العلاقة بين صحة الإنسان، وصحة البيئة، والتأكيد على الوعي الصحي والتربية الصحية، إلى جانب الوعي البيئي والتربية البيئية، هذا الوعي وهذه التربية بشقيها، تعني إلمام المواطن بالمشكلات والمعلومات الصحية والبيئية من جهة، والإحساس بالمسؤولية تجاه هذه المشكلات من جهة ثانية، وهذا بالضرورة يجب أن يقود إلى العناية بغذاء ونظافة وصحة الإنسان، والعناية بنظافة البيئة، أي نظافة الماء والهواء والقرية والحي والمدينة وجميع عناصر البيئة.
    أخيراً يمكن القول: إن توعية الإنسان بمخاطر تلوث البيئية والغذاء، والعمل على حماية صحته ووقايته من الأمراض قبل حدوثها، أهم بكثير وأفضل بكثير، من المعالجة والبحث عن الحلول الممكنة بعد حدوث المرض والإصابة به، وهذا يعد إلى حدٍ ما جزءاً من الطب البديل أو التكميلي والوقائي، الذي يهدف إلى تطبيق مقولة درهم وقاية خير من قنطار علاج.
    3-5- البيئات الجغرافية البشرية والاجتماعية:
    3-5-1- تعريف البيئة البشرية (Human Ecology):
    تشكل البيئة البشرية سبل السلوك البشري في سياقها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وهذه البيئة تشمل الوسط الجغرافي، وهو كل مكان وصل إليه تأثير الإنسان، ويكون هذا التأثير مختلف الشدة والأسباب والنتائج، وتختلف تأثيرات الإنسان في البيئة تبعاً لعدة عوامل منها مدى التقدم التقني والتطور الحضاري، وعدد السكان في وحدة المساحة، فبعض البيئات تعرضت لتأثيرات بشرية قوية سلبية أو إيجابية، من خلال استصلاح الأراضي، وتغيير شكل سطح الأرض (اللاندشافت)، بينما بعضها الآخر لم تتعرض إلى مثل هذه التأثيرات، وبقي التأثير البشري فيها محدوداً وفي نطاقات ضيقة.
    وقد تطور نشاط الإنسان ومر بعدة مراحل عبر الزمن، وتطورت النشاطات والحرف التي كان يمارسها كالجمع والالتقاط، ثم الصيد والرعي، ثم الزراعة وتأهيل الحيوان، وصولاً إلى الحرف الصناعية المتطورة.
    إن البيئة بشكل عام هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويحصل منه على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء، وإن محتويات أو مضامين هذا الإطار تتفاعل مع بعضها، تؤثر وتتأثر بعضها ببعض، والإنسان أحد أهم مكونات البيئة، وليس له بديل عنها، وعليه شاء أم أبى أن يحافظ عليها ويجعل منها مكاناً يستطيع العيش فيه هو والأجيال القادمة.
    3-5-2- تعريف البيئة الاجتماعية:
    أصبحنا ندرك وجود ما يسمى بالبيئة الطبيعية التي تشمل العناصر غير الحية، والكائنات الحية بما في ذلك الإنسان، وهي بذلك تشمل فيما تشمل البيئة الاجتماعية، والبيئة الاجتماعية هي البيئة التي تتحدد فيها الصفات الوراثية للفرد، وتتحدد فيها شخصيته ومسلكه واتجاهاته، والقيم التي يؤمن بها، والبيئة الاجتماعية تتكون من البنية الأساسية المادية التي شيدها الإنسان (البيئة المشيدة)، ومن النظم الاجتماعية والمؤسسات التي أقامها. ويمكن النظر إليها باعتبارها الطريقة التي نظمت بها المجتمعات البشرية حياتها، التي غيرت البيئة الطبيعية لخدمة الحاجات البشرية( ). وبقدر ما يكون هذا التغيير إيجابياً وسليماً، وبقدر ما يكون الاستغلال البشري للبيئة الطبيعية عقلانياً ورشيداً بقدر ما يساعد على نجاح الإنسان، وتأمين التوازن بين شقّيْ البيئة الطبيعية والاجتماعية.
    ويمكن التمييز بين عدد من البيئات البشرية التي مارس الإنسان فيها نشاطات مختلفة، ومنها:
    أ - بيئة المدينة:
    المدينة من وجهة النظر الجغرافية، تعني مساحة من الأرض، تتميز بخصائص جيومورفولوجية، وهيدرولوجية، ومناخية، وبشرية، وحيوية، كما تضم منشآت ومرافق صنعية مختلفة، كالأبنية والشوارع وتمديدات الماء والكهرباء والاتصالات وغيرها من عناصر البنية التحتية الموجودة في المدينة، التي قام الإنسان ببنائها أو صنعها أو إيجادها على هذا النحو أو ذاك.
    والمدينة هي مهد الحضارة المدنية (Civilisation)، ومهد الإبداع الفكري والتقني، وللمدن كما للبشر مصائرها وأقدارها وتاريخها، فهي تبلغ في زمن أوج ازدهارها، وفي آخر منتهى تخلفها وتراجع تطورها، وربما تختفي من الوجود.
    وتؤدي التغيرات الإيكولوجية دوراً مهماً في ذلك، ومن هذا المنطلق من المفيد جداً مشاركة علماء البيئة غيرهم من علماء الاختصاصات الأخرى في دراسة تاريخ المدن والتعرف على مصائرها عبر الزمن، والتوقع عما يمكن أن تتعرض له في المستقبل، والسبل الكفيلة بتلافي التغيرات السلبية وحماية المدينة منها( ).
    ومن وجهة النظر البيئية فإن المدينة يمكن اعتبارها نظاماً بيئياً مصطنعاً، وربما يكون غير طبيعي أو معارضاً للطبيعة بشكل عام. إن الوسط البيئي للمدينة عبارة عن نظام معقد، متحرك للعمليات البشرية والتأثيرات المفتعلة، التي يتعرض لها الوسط الطبيعي في مساحة محددة تتعرض لتأثيرات دائمة تؤدي إلى تغير شكل الأرض، وتغير الوضع الهيدرولوجي، والمناخي، والنباتي، والحيواني، ويبلغ التلوث فيه أعلى معدلاته.
    إن بيئة المدينة هي جزء من الأنظمة البيئية البشرية، وفي بيئة المدينة يكون التدخل البشري كثيفاً ومركزاً، ويؤثر في عمليات سريان الطاقة، ودورة المواد، وعدم التوازن بين المدخلات والمخرجات في عناصر بيئة المدينة التي يؤثر فيها الإنسان، من خلال استهلاك الطاقة، أو إلقاء النفايات الصلبة والسائلة، أو تحويل الأراضي الزراعية أو الغابات إلى مبان إسمنتية وشوارع إسفلتية وغير ذلك. وهذا يرتبط بسلوك الإنسان داخل المدينة، وقد يؤدي إلى خلل في التوازن البيئي، وانتشار الكثير من الأمراض المعدية والعضوية والنفسية وغيرها.
    وللمدينة تعريفات ووظائف متنوعة، وتختلف من مدينة لأخرى، ومنها الوظائف الإدارية، والسياسية، والدينية، والعسكرية، والصناعية، والتجارية، وهذه الوظائف تحدد إلى درجة كبيرة النظام، أو الأنظمة البيئية في المدينة، وعلاقاتها البيئية مع الجوار القريب أو البعيد، والتأثيرات المتبادلة السلبية والإيجابية.
    - مدينة دمشق باعتبارها نموذجاً لبيئة المدينة:
    يمكن ذكر بعض المعلومات عن مدينة دمشق، بوصفها نموذجاً لبيئة المدينة، فمدينة دمشق، مدينة عتيقة عريقة في التاريخ، ويقدر أن تاريخ الإنسان في مدينة دمشق وضواحيها يعود إلى نحو مليون سنة خلت، وقد استمر وجود الإنسان في هذه المدينة وفي الأراضي الخصبة المحيطة بها (الغوطة) على مر الزمن منذ عصور ما قبل التاريخ، خاصة منذ العصر الحجري الحديث في الألف التاسع قبل الميلاد، مروراً بالعصور التاريخية المتتابعة حيث عرف الإنسان حرف الجمع، والصيد، والزراعة، وتربية الحيوان، والاستقرار، وقد كانت دمشق حاضرة من حواضر العالم القديم، وعلى اتصال وتأثير متبادل مع الحضارات التي عرفها العالم، فقد كانت دمشق عبر الزمن مدينة جميلة، ذات خيرات وفيرة، وموارد متنوعة، وظروف بشرية وطبيعية ساعدت على إيجاد علاقة وطيدة بين الإنسان وبيئته، وأسهمت في تحقيق التوازن البيئي واستمراره خلال مدّة طويلة من الزمن.
    ولكن دمشق المعاصرة، كغيرها من المدن الكبرى في العالم والعالم النامي بشكل خاص، أصبحت تعاني من مشكلات بيئية غير عادية، وهذه المشكلات البيئية تعود لأسباب طبيعية لا دخل للإنسان بها، وأخرى بشرية مصطنعة من قبل الإنسان، وهذه الأخيرة تعود لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، ومن الأسباب الموضوعية كون المدينة عتيقة، وأنها عانت من مختلف أنواع الهجرة إليها، وهذه الأسباب يمكن تفهمها وربما تبريرها. أما الأسباب الذاتية فأهمها قصور نظر المخططين، والمشتغلين بتطور وتطوير هذه المدينة عبر مدة ليست قصيرة، وهذه الأسباب تستدعي التوقف عندها، والعمل على تلافيها، وأخذ العبرة منها عند تخطيط الأحياء أو المدن الجديدة، على مستوى الوطن بشكل عام.
    ومن أهم المشكلات البيئية التي تعاني منها مدينة دمشق:
    1 - النمو السكاني المتسارع: ففي مدينة دمشق وضواحيها يعيش حالياً نحو 4 مليون نسمة، أي 20-25% من سكان سورية، وقد عرفت دمشق تزايداً سكانياً كبيراً، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، وأسباب هذه الزيادة متعددة منها الزيادة الطبيعية، بسبب تحسن الظروف الصحية، وتحسن المستوى المعيشي، وانخفاض عدد الوفيات خاصة وفيات الأطفال، وزيادة متوسط العمر، أضف إلى ذلك عامل الهجرة (القسرية) من لواء الاسكندرونة وفلسطين والجولان، وكذلك الهجرة من المدن والأرياف السورية الأخرى كون دمشق هي العاصمة، وتشكل منطقة جذب سكاني، مما يؤدي بالنتيجة إلى زيادة الضغط على البنية التحتية في المدينة، والتأثير السلبي على البيئة.
    2 - تلوث الماء: تعاني المصادر المائية، السطحية والجوفية من العجز والاستنزاف، ومن التلوث، بسبب زيادة عدد السكان، وزيادة الحاجة للمياه في الزراعة والصناعة وغيرها، حيث تستخدم المياه في هذه الفروع، وتستهلك دون رجعة، ومن جراء إلقاء مخلفات الصرف الصحي المنزلي، والصناعي، والتجاري وغيره، إلى هذه المصادر دون معالجة تذكر، لاسيما تلوث نهر بردى وفروعه الجارية في مدينة دمشق وأحيائها، ومع الإشارة إلى أن تشغيل محطة معالجة الصرف الصحي، في عدرا بالقرب من مدينة دمشق، يبشر بحل كبير ومهم لهذه المشكلة.
    3 - تلوث الهواء: من مصادر متنوعة، ومن أهم مصادر تلوث الهواء في دمشق، وسائل النقل، ويقدر أن ما نسبته 70 % من تلوث الهواء في دمشق تعود إلى منظومة المرور، ويقدر أن دمشق بحاجة إلى حركة نقل لنحو مليوني راكب يومياً، وهذا يحتاج إلى وسائط نقل جماعية كبيرة، ونظيفة بيئياً، والقيام بإجراءات سريعة وفعالة لحل هذه المسألة.
    إضافة إلى التلوث من المنشآت الصناعية، ومنها المعامل والمنشآت الصناعية المنتشرة في بعض أحياء ومحيط المدينة، وكذلك بسبب حرق الوقود في المنازل والمنشآت المشابهة، وعادة يكون الاحتراق في هذه المصادر غير كامل، ويؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من أول وثاني أكسيد الكربون، وأكاسيد الكبريت والآزوت، والهيدروكربونات والدخان وهباب الفحم وغيره.
    4 - التلوث بالقمامة والنفايات الصلبة: التي تشكل مشكلة تتزايد حدتها يوماً بعد يوم، وهي ذات أثار سلبية مختلفة، وتحتاج إلى حل مناسب لها، وتشكل النفايات الطبية خطراً كبيراً على الصحة لأنه لا يتم فرزها أو صرفها بشكل مستقل، وهذا يسبب مشكلات خطيرة سواءً في معالجة القمامة والنفايات الصلبة، أو في معالجة مخلفات الصرف الصحي، حيث تختلط النفايات المنزلية بالصناعية بالطبية وغيرها، مما يؤدي إلى عرقلة عمل منظومة المعالجة، والتأثير على طاقتها بشكل عام.
    5 - التلوث بالضجيج: ومصادره متعددة ومتزايدة، ويعد شكلاً من أشكال التلوث البيئي، وأحد الأوبئة المعاصرة. تعاني مدينة دمشق وسكانها من مشكلة الضجيج الذي يفوق في كثير من الأحيان الحدود المسموح بها، حيث تعد دمشق مسرحاً للضوضاء المقلقة التي لا تنقطع طول اليوم، ومن أهم مصادرها، وسائل النقل المختلفة (السيارات، الطائرات، القطارات، الدراجات النارية)، مطار دمشق الدولي، محطة القطارات في منطقة القدم، ضوضاء المنشآت الصناعية، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة بما في ذلك المنشآت الحرفية والمهنية، أعمال البناء والصيانة والحفريات المختلفة لأهداف متنوعة، مثل خدمات الكهرباء والهاتف والمياه والصرف الصحي، والشكوى الدائمة من ضعف التنسيق بين الجهات والمؤسسات المسؤولة عن هذه الأعمال، إضافة إلى ضوضاء المنازل والجوار، الناتجة عن الأجهزة الكهربائية، والباعة المتجولين وصراخ الأطفال وحفلات الأفراح والموالد وغيرها التي قد تكون في المكان غير المناسب، وفي الوقت غير المناسب، وكذلك الضوضاء الخلفية مجهولة المصدر، كضوضاء الارتجاج والاهتزاز، والضوضاء تحت و فوق الصوتية (سوف نتحدث عنها في فصل التلوث الضوضائي).
    6 - كما أن المدينة تعاني من مشكلات بيئية أخرى: كالتوسع العمراني العشوائي وغير ذلك من المشكلات التي تحدث زيادة الضغط على البيئة والنظام البيئي، وتحتاج إلى حلول سريعة وناجحة تلافياً لمخاطرها، وحماية للإنسان والبيئة من هذه المخاطر.
    إن مسألة التوسع العمراني بوصفها عملية موضوعية تملك خصائص إيجابية، غير أنه في حالة التوسع العمراني العشوائي توجد الكثير من المشكلات البيئية على وجه الخصوص، تتعلق بالضغط على البنية التحتية، وتلوث المياه والهواء، والتلوث بالضجيج، والقضاء على المساحات الخضراء، ومعظم المنازل في مناطق السكن العشوائي تفتقر إلى تحقيق الشروط الفنية والصحية والبيئية، مما ينعكس سلباً على البيئة وعناصرها المختلفة.
    وبسبب ضيق المدينة القديمة وعجزها عن استيعاب هذه الأعداد المتزايدة، وبسبب بطء وتأخر الأنظمة المتعلقة بتنفيذ المخطط التنظيمي للمدينة، وقصور هذا المخطط، لكل ذلك نشأت أحياء سكنية، تحيط بمدينة دمشق من معظم الجهات، وهي في معظمها عشوائية، ضعيفة التنظيم والتنسيق. وهذه الأحياء تضم معظم سكان دمشق، وهذا يعني أن الضغط على البنية التحتية ومكوناتها، وعلى البيئة وعناصرها، وعلى عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية كبير جداً، وينجم عن ذلك مشكلات كثيرة، يتوجب على الدولة وأجهزتها المختصة التصدي لها بفعالية مستمرة يومية، وعلى مدار الساعة، من أجل تلافي ما أمكن من العواقب المترتبة على هذا العبء البيئي الكبير.
    والشكل (15) صورة فضائية لمدينة دمشق، تبين شدة الكثافة العمرانية، وضيق الشوارع، وقلّة المساحات الخضراء وانعدامها أحياناً، مما له تأثيرات سلبية متنوعة على الإنسان، وعلى التوازن البيئي بشكل عام.
    ب - البيئة الريفية:
    البيئة الريفية، ويقصد بها القرية، وهي تجمع سكاني، في مكان جغرافي معين يتميز ببعض الخصائص التي تميزه من غيره من التجمعات السكانية الريفية، وكذلك الحضرية، وتوجد عدة عوامل أثرت في الماضي وتؤثر في الحاضر، ولو بشكل نسبي ومختلف، في أشكال العمران الريفي وتوزعه، منها العوامل الطبيعية (الجيولوجية والجيومورفولوجية، وخصوبة التربة، وتوفر المياه، وتوفر مواد البناء الخ...)، والعوامل البشرية (الاجتماعية، الدينية، العرقية، الخدمات، خاصة توفر الطرق الخ..)، والقرية من الأشكال العمرانية الأولى لتجمع عدد من البشر في مكان ما.
    والبيئة الريفية غالباً هي بيئة زراعية، تأثرت بالزراعة وتربية الحيوان منذ القدم، خاصة فيما يتعلق بنمط استخدام الأراضي وملكيتها والتعايش والتكيف معها، وهذه البيئة قد تعاني من مشكلات بيئية متنوعة، فقد لا تتوافر فيها المياه النظيفة الصالحة للشرب، ولا المساكن الصحية، وتنتشر الحشرات والحيوانات الناقلة للمرض، والكثير من سكان الريف يتناولون الخضار والفواكه والحليب من دون تنظيف أو تعقيم كافٍ، مما يعرض سكانها لانتشار بعض الأمراض الطفيلية.
    3-6- التفاعل بين المنظومات البيئية:
    يمكن التمييز بين عدد من المنظومات البيئية التي يعيش فيها الإنسان في إطار تفاعل وتأثير متبادل وقوي بين هذه المنظومات، وهي منظومة الوسط الحيوي، ومنظومة المحيط التكنولوجي(التقني)، ومنظومة المحيط الاجتماعي.
    1 - منظومة الوسط الحيوي (Biosphere):
    وهو كل مكان يوجد به أي شكل من أشكال الحياة بصورة طبيعية، ويضم الطبقات السفلى من الغلاف الجوي (التربوسفير وجزء من الستراتوسفير) حتى طبقة الأوزون، وكامل الغلاف المائي، وجزء من الغلاف الصخري حتى 2 - 3 كلم تحت سطح الأرض، وهذه المنظومة توفر للإنسان حاجاته المادية من غذاء وكساء ومأوى وغير ذلك.
    2 - منظومة المحيط التقني (Technosphere):
    وتشمل جميع الأشياء أو العناصر التي شيدها الإنسان أو صنعها داخل الوسط الحيوي، من مساكن ومزارع ومصانع ومناجم وطرق وسدود وغيرها، وفي هذه المنظومة توفر الوسائل التقنية المستخدمة إمكانية قيام أو تشييد هذه العناصر والاستفادة منها، والتكنولوجيا هي نتاج اجتماعي معين يحدد أنواعها، واستخداماتها للوفاء بالمتطلبات والحاجات الاجتماعية المتغيرة.
    3 - منظومة المحيط الاجتماعي (Sociosphere):
    وهي منظومة تضم الحاجات والتطلعات المعنوية وغير المادية للإنسان، مثل القيم، والعقائد، والتشريعات، والمؤسسات، والمنظمات الاجتماعية التي شكلها الإنسان لتنظيم العلاقات داخل المجتمع وبينه وبين المجتمعات البشرية، وتنظيم العلاقات والتفاعل مع المنظومات البيئية الأخرى، منظومة الوسط الحيوي، والوسط التقني.
    إن التفاعل بين هذه المنظومات يشكل البيئة التي يعيش فيها الإنسان، وهذا التفاعل يجب أخذه بالحسبان عند تخطيط أي شكل من أشكال الاستثمار في البيئة، أو عند العمل لتحقيق التنمية بمختلف جوانبها، فمثلاً زيادة عدد السكان في المنظومة الاجتماعية، يؤدي إلى زيادة استنزاف الموارد الموجودة في المنظومة الحيوية، وهذا يتطلب توفير أسس ووسائل تقنية معينة لتأمين حاجات الأعداد المتزايدة من السكان، وهذه مسألة مرتبطة بالمنظومة التقنية.
    إن الإبداع التكنولوجي للإنسان نشاط لا ينتهي، إلا أن حجمه وتوجهاته يتأثران بما يجري في المحيط الاجتماعي، الذي يحدد ما يتوافر لهذا النشاط من موارد. ويجب التأكيد هنا أن التكنولوجيا في حد ذاتها محايدة ولا تحمل قيماً اجتماعية أو ثقافية، وإنما الذي يحدد استخداماتها، ومن ثم فوائدها أو مضارها، هو الهدف الذي تستغل من أجله، وكما يمكن أن تكون التكنولوجيا ضارة بالبيئة فإن التكنولوجيا قد تكون هي الوسيلة لإعادة التوازن البيئي المطلوب، أو للتخفيف من حدة الخلل الذي يطرأ عليه( ). ويمكن أن يتم ذلك من خلال استخدام الفلاتر والمرشحات، واستخدام آلات تحرق الوقود بكفاءة، أو تحسين خصائصه (بنزين خالي الرصاص مثلاً)، وأجهزة تخفيف حدة الضجيج، ومحطات معالجة الصرف الصحي، والنفايات الصلبة، وغير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة بالتأكيد.

    الفصل الرابع
    العلاقة بين الجغرافية والبيئة

    - التعريف بعلم الجغرافية وتطوره
    - المدارس البيئية الجغرافية (الحتمية - الإمكانية - الحديثة)
    - أسبقية علم الجغرافية بالاهتمام بالبيئة
    - العلاقة بين علم الجغرافية وعلم البيئة
    - تراجع الاهتمام بعلم الجغرافية وزيادة الاهتمام بعلم البيئة










    4-1- تعريف علم الجغرافية وتطوره:
    تعد الجغرافية واحدة من أقدم العلوم المعروفة على سطح الأرض، وهي كلمة مركبة من Geo بمعنى أرض و Graphy بمعنى وصف. وأول من استخدم مفهوم الجغرافيا هو العالم الإغريقي ايراتوستين، الذي عاش في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد (284-192 ق. م)، وشغل منصب أمين مكتبتها. ولكن وظيفة الجغرافية ومفهومها عرفها الناس قبل ذلك بفترة طويلة. وتاريخ الجغرافية يعكس ما تراكم في أذهان وعقول الناس، جيلاً بعد جيل، من معلومات عن ميزات سطح الأرض وشكلها لفترات طويلة من الزمن، وفي هذه المعرفة للمناطق الجغرافية المختلفة تتلخص فكرة الجغرافية، التي أطلق عليها (جون. ك. رايت) مفهوم التنوع الجغرافي (Geodiversity)( ).
    والإنسان منذ خلقه الله سبحانه وتعالى بدأ يتعرف على ما يحيط به من معالم حية وجامدة، بحكم علاقته بما يحيط به من جهة، وبما ميزه الله به من عقل وفكر ونطق، مع ملاحظة أن تحديد عمر الإنسان ونشأته وتطوره لا يزال موضوع جدل وخلاف، ويتراوح بحسب النظريات المختلفة من مئات الآلاف من السنين إلى 2 أو3 مليون سنة، بما في ذلك ظهور إنسان جاوة والصين ونياندرتال، الذي يسمى بالإنسان البارع (Homo habilis)، ومن ميزاته أنه كان منتصب القامة، وصنع الأدوات الحجرية، وعرف استخدام النار، وعاش في الكهوف أو في العراء، وانتشر في آسيا وأوروبة وإفريقيا، ومارس الجمع، والالتقاط، والصيد، وذلك على امتداد العصر الحجري القديم (الباليوليت)، ثم الإنسان العاقل (Homo sapiens)، الذي عاش في العصر الحجري القديم الأعلى وما بعد، وفي هذه الفترة حدثت تغيرات مناخية هامة في مناطق مختلفة من العالم، (فترات جليدية، وفترات باردة، وأخرى دافئة وماطرة)، وتميز إنسان هذه الفترة ببناء المساكن، أو اللجوء إلى الكهوف والمغارات، وتقسيم العمل بين النساء والرجال، وبالنشاط اليدوي وبعض الصناعات. ثم ظهور الإنسان العاقل العاقل (Homo sapiens sapiens) منذ نحو 15 ألف سنة فقط( ).
    وقد نشأ الفكر الجغرافي مع الإنسان منذ وجد على سطح الأرض، وذلك بدافع الفضول للتعرف على ما يحيط به من معالم (جبال، هضاب، غابات، أنهار وغيرها)، وما يوجد خلف تلك المعالم، وبدافع الفطرة للاستفادة مما حوله من طعام أو شراب وتسخير ذلك لمصلحته، والابتعاد عما يؤذيه أو يهدد حياته.
    ويمكن القول: بأن التفكير الجغرافي قديم قدم الإنسانية ذاتها، إذ إن المجهودات الأولى التي قام بها الإنسان من أجل تفهم الظاهرات البيئية المحلية المحيطة به، وتفهم مركزه بين هذه الظاهرات يعد المنشأ الأول للجغرافية( ).
    وإذا كانت الجغرافية قد تناولت عبر الزمن بالدراسة والتحليل تلك العلاقات دائمة التغير بين الإنسان والطبيعة المحيطة به، فإن الجغرافية المعاصرة تهتم بعنصرين أساسيين هما الإنسان والبيئة ودراستهما من حيث علاقة كل منهما بالآخر.
    إن الجغرافية باعتبارها وصفاً للأرض ومظاهرها، أو للكون وظواهره على أساس الملاحظة والمشاهدة تعد أقدم العلوم جميعاً إذ إنها قديمة قدم الإنسان، ولا يمكن لعلمٍ ما أن يضرب بجذوره في أعماق الماضي السحيق إلى مدى أبعد مما للجغرافيا( ).
    وقد مرت الجغرافية خلال تطورها بعدة مراحل أساسية، وتعرضت لتغيرات كثيرة في هذه المراحل:
    - مراحل تطور الجغرافية:
    - المرحلة الأولى أو مرحلة العصور القديمة: وهذه المرحلة استمرت فترة طويلة من الزمن وفيها فإن البابليين والأشوريين والفينيقيين أظهروا اهتماما كبيرا بالعلوم الجغرافية بما في ذلك علم الفلك، حيث تطورت الجغرافية في بلاد ما بين النهرين من قبل علماء بابل الذين جمعوا معلومات كثيرة عن حركة النجوم والكواكب وأثبتوا وجود تأثير كبير للأجرام السماوية ومواضعها على أفعال الناس.
    وتطورت الجغرافية في وادي النيل، ثم لدى العلماء الإغريق الموسوعيين الذين وضعوا ما يشبه المنهج العلمي في البحث كما هو الحال في مؤلفات كل من أرسطو وأفلاطون وهيرودوت وبطليموس وغيرهم، ولم تفقد هذه المناهج أهميتها العلمية بعد مضي آلاف السنين، وقد أكد أرسطو مثلاً على ضرورة الملاحظة المباشرة، ونصح تلامذته ومنهم الاسكندر المكدوني بعبارة أو مبدأ سر وانظر.
    - المرحلة الثانية من مراحل تطور علم الجغرافية تشمل العصور الوسطى أو ما يسمى بعصور الانحطاط: وتمتد هذه الفترة بين عامي 476 إلى 1453م، وقد تعرضت الجغرافية كغيرها من العلوم إلى تراجع كبير في أوروبة، ولكن لحسن الحظ فقد حافظ العلماء العرب في هذه الفترة على المعرفة الجغرافية، وقاموا بترجمة هذه المعارف وتطويرها، وخاصة تطوير علم الفلك، وقد ساعدت عوامل كثيرة على تطور الجغرافية لدى العرب مع أنهم لم يستخدموا تعبير أو كلمة جغرافيا، وإنما استخدموا مفاهيم أخرى مثل، المسالك والممالك، وعلم الأطوال والعروض، وتقويم البلدان الخ، وقد صنف كراتشوفسكي الجغرافيين العرب وأحصى منهم 141 من الجغرافيين الذين عثر على مصنفات و كتب لهم، ناهيك عمن ضاعت كتاباتهم ومؤلفاتهم أو من هم في عداد الرحالة( ).
    - المرحلة الثالثة، مرحلة العصور الحديثة: الممتدة من سنة 1453 م وحتى الوقت الحاضر، فقد انكفأت الجغرافية وتراجعت كغيرها من العلوم عند العرب ولا تزال كذلك، لأسباب مختلفة ذاتية وموضوعية، وللأسف لم يتم تجاوزها حتى الآن، بينما تقدمت مختلف العلوم في الغرب بما فيها الجغرافية، وبرز أعلام كثر من الجغرافيين والموسوعيين منهم كوبرنيكوس، وغاليلو، ونيوتن، ثم لاحقاً هتنر وراتزل ولابلاش وغيرهم، وفي هذه المرحلة ظهرت المدارس الجغرافية الحتمية والإمكانية، وأصبحت الجغرافية علما له أصوله وقواعده، وأسهم البحث الأكاديمي الجغرافي في التوصل إلى نظريات وقوانين جديدة وإلى الابتعاد عن المنهج الوصفي، وكذلك ظهرت وتطورت الجغرافية السببية التي تبحث في أسباب الظاهرات وتأثيرها على العلاقات المتبادلة بين الظاهرات الطبيعية المختلفة والظاهرات البشرية أيضاً( ).
    علم الجغرافية باعتبارها وصفاً للأرض ومظاهرها، أو للكون وظواهره على أساس الملاحظة يعد من أقدم العلوم جميعاً، والجغرافية قديمة قدم الإنسان، وما يهم هنا التركيز على التعريفات والأفكار والملاحظات التي تظهر حقيقة الجغرافية وجوهرها بوصفها علماً له مكانته بين العلوم، وإظهار قدرة هذا العلم على المشاركة إلى جانب العلوم الأخرى، في حل المشكلات العالمية بما في ذلك المشكلات البيئية، وبناء لبنة متينة في تقدم العلوم وتطور البشرية.
    فهذا كارل ريتر في القرن التاسع عشر يصف الجغرافية بقوله: إن كلمة جغرافية بمعنى وصف الأرض إنما هي خاطئة ومضللة، وعندي أن كلمة الجغرافيا تعني كثيراً من العوامل والعناصر التي تؤلف علم الجغرافية حقيقة بحيث لا أقل من أن يعنى هذا العلم بتوجيه نظرة كونية شاملة للأرض، كما يقوم أيضاً بتنظيم كافة معلوماتنا عن الكرة الأرضية بحيث يجعل من ذلك كله صورة رائعة، وعلى هذا الأساس فإن الجغرافيا تعد فرعاً من العلوم مختصاً بدراسة الكرة الأرضية كلاً موحداً من حيث كافة مظاهرها وظواهرها مع بيان العلاقة بين هذا الكل الموحد والإنسان. وبناءً على ذلك تكون القاعدة الأساسية للجغرافية هي دراسة العلاقة بين كافة المظاهر الطبيعية والجنس البشري( ).
    والفكرة الرئيسية في الجغرافية أنها علم شمولي تركيبي تحليلي، تمزج بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية وتهتم بالإنسان في المقام الأول. ويرى البعض أن الجغرافيا تشكل صلة الوصل بين الظاهرات الطبيعية والظاهرات البشرية.
    4-2- المدارس البيئية الجغرافية:
    4-2-1- المدرسة الجغرافية الحتمية (Determinism school):
    يؤمن أصحاب هذه المدرسة بالترابط القانوني الشامل بين الظواهر، وأن كل ظاهرة ترتبط بما حدث في الماضي من ظواهر، وهي مشروطة بها، والحتمية ليست موضوعاً جديداً وقد قال بها الكثير من الجغرافيين والعلماء منذ زمن بعيد، ومنهم هيبوقراط (420 قبل الميلاد) الذي ميز في كتابه (الهواء والماء والمكان)، بين سكان الجبال وسكان السهول، وكذلك أرسطو (322 - 284 ق. م)، الذي بين في كتابه (السياسة)، وجود ترابط بين المناخ وطبائع الشعوب( ).
    حتى إن أفكار الحتم البيئي التي تفسر الظاهرات الجغرافية البشرية بظاهرات جغرافية طبيعية سيطرت على أفكار الجغرافية السياسية القديمة لأن المعرفة الإنسانية كانت في بداية تطورها، وكانت المعلومات عن البيئة الطبيعية ودورها قليلة( ).
    وشغل موضوع العلاقة بين الإنسان والبيئة أذهان الكثير من المفكرين مثل بودان (1520-1596م)، وابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي (1332-1406م)، الذي حاول الربط بين طبائع البشر وصفاتهم البيئية واهتم بالعلاقة بين الإنسان والبيئة، ومنهم كذلك مونتسيكو (1689 م)، في كتابه روح القوانين، وهتنر 1773, وهومير 1855، وتطورت الأفكار الحتمية لدى داروين وفروستر وشارل ريتر (1779م)، والكسندر همبولدت (1769-1859م)، وراتزل (1844-1904م).
    إن الكثير من المفكرين أكدوا على حتمية تأثير القوى الطبيعية على نشاط الإنسان بما في ذلك تأثير الموقع الجغرافي، وشكل سطح الأرض، وظروف المناخ وخصائصه، ونوعية التربة. وحاول همبولت دراسة العلاقة بين المجتمعات والشعوب من جهة وبين البيئات التي تعيش فيها من جهة أخرى، وبين أن الإنسان يتبع الأرض والمناخ والنبات.
    وقد اهتم راتزل بإيجاد تفسير جغرافي لكيفية تجمع السكان وتوزعهم على سطح الأرض وبيان أثر البيئة الجغرافية على المجتمع بصفة عامة، ولكنه لم يكن متعصباً جداً للحتمية الطبيعية، بل كان يعتقد أن للحضارة والثقافة شأناً كبيراً في تغيير عقلية الإنسان. وهكذا كانت تلميذته ألين سمبل (1863-1937م) التي تبنت أفكاره ونقلتها إلى أمريكا في كتابها مؤثرات البيئة الجغرافية الذي نشرته عام 1911م، بعد أن أدخلت على هذه الأفكار تعديلات مهمة، وكانت تؤكد على أهمية تأثير العوامل الجغرافية في الإنسان الذي هو نتاج هذه العوامل التي تؤثر به بشكل مباشر( ).
    وقد ربط الكثير من العلماء والجغرافيين بين الظروف الطبيعية وبين تطور الدول وتقدم شعوبها، فقد ربط الجغرافي سترابون بين قيام روما وشكل إيطاليا وظروفها الجغرافية. وهذا الأمر ينطبق على قارة أوروبة بشكل عام، وعلى اليونان بشكل خاص، المعروفة بشدة تعرج شواطئها وتنوع تضاريسها ومناخها، والسؤال المطروح يتعلق بمدى حتمية تأثير هذه الظروف والأوضاع الجغرافية في ظهور الحضارة اليونانية القديمة وتطورها ؟.
    وقد ذكرنا سابقاً ما بينه المؤرخ الروسي كلوتشيفسكي عن تنوع تضاريس أوروبة، وتعرج شواطئها البحرية، وتعاقب السلاسل الجبلية والهضاب والسهول فيها، وأثر ذلك في حضارة أوروبة وتطورها بشكل عام واليونان بشكل خاص.
    وقد بلغت الحتمية الجغرافية ذروتها عند داروين الذي بيّن في كتابه أصل الأنواع عام 1859م، أن الوسط الطبيعي (البيئة) هو صاحب الدور المقرر والمفسر للحياة على سطح الأرض، وأن مجموع الوقائع بما فيها التفكير البشري تنبع من الوسط الطبيعي( ).
    وهكذا نرى كيف أن الكثير من أنصار المدرسة الحتمية غالوا في إلغاء قدرات الإنسان، وتضخيم أثر الظروف البيئية في تشكيل المجتمعات البشرية وبنائها.
    4-2-2- المدرسة الجغرافية الإمكانية أو الاحتمالية (Possibilism school):
    اعترض بعض الجغرافيين على المدرسة الحتمية ونادوا باحترام قدرات الإنسان وإمكانياته، وأدت هذه الأفكار إلى ولادة مدرسة جديدة في الجغرافية هي المدرسة الإمكانية أو الاحتمالية، ومن أشهر روادها فيدال دو لابلاش (1845- 1918 م) مؤسس هذه المدرسة، وكان يرى أن العلاقة بين الإنسان والبيئة هي علاقة متبادلة، وذات تأثير متبادل، وأنه لا يوجد حتم بيئي وإنما توجيه بيئي، ومن رواد المدرسة الإمكانية لوسيان فيفر، وبوفون، وديمانجون، وغيرهم من العلماء الذين لم يسلموا بحتمية البيئة وطغيانها على الإنسان والمجتمع، ووجهوا انتقادات مهمة إلى مدرسة الحتم البيئي، وامتازت دراساتهم بالدقة العلمية والمثابرة في التحليل والابتعاد عن التعميم.
    ورأى دولا بلاش أن كل ما يتعلق بالإنسان لا يمكن أن تسيره أية حتمية، جغرافية كانت أو غير جغرافية، كما رأى لوسيان فيفر أن البيئة الطبيعية تحوي إمكانيات، الإنسان سيدها، والإنسان هو الحكم فيما يختار منها( ).
    وقد أسهم التقدم العلمي والتكنولوجي لاحقاً في تغيير الكثير من الآراء والأفكار المتعلقة باستغلال الطبيعة، مثل انتشار الزراعة، أو السكن في مناطق لم تكن متاحة سابقاً، كما أن المعتقدات والتقاليد الاجتماعية والثقافية تسهم في تحديد علاقة الناس بالطبيعة ورسم توجهاتهم، مثل تحريم أكل لحوم الخنزير لدى المسلمين، أدى إلى عدم تربيتها في الدول الإسلامية، وقس على ذلك تقديس البقر في الهند أثر على إمكانية الاستفادة منها.
    والمدرسة الإمكانية ترى أنه إذا كانت البيئة تؤثر في الإنسان، فإن الإنسان بدوره يؤثر في البيئة، ولكن هذه المدرسة أكدت على أهمية احترام الإنسان لقوانين الطبيعة وعدم التدخل السافر فيها، وكان دولابلاش يرى أن الجغرافية هي علم المكان وليس علم الإنسان، وقد وجه الاهتمام إلى دراسة البيئة الجغرافية بكل عناصرها، وبين كيف أن الظاهرات الطبيعية والإنسانية التي تدرسها العلوم الأخرى بشكل منفصل بعضها عن بعض فإنها تتحد في المكان وتؤثر في الإنسان وتتأثر به( ).
    4-2-3- المدرسة الجغرافية البيئية أو الحديثة (Environmental school):
    وهذه المدرسة تمثل الوسطية بين الحتمية والإمكانية، ويرى أصحابها أن البيئة تؤثر في الإنسان، والإنسان يؤثر في البيئة, وأنه يوجد مجال مشترك بين الحتمية والإمكانية، وإذا كانت الجغرافية هي العلم الذي يدرس الأرض بوصفها وطناً للإنسان، وهي العلم الذي يجمع بين الظاهرات الجغرافية الطبيعية والبشرية في المكان من وجهة نظر إنسانية, فقد سادت المدرسة البيئية الفكر المنهجي الجغرافي فترة طويلة من الزمن، وما زال صداها يسمع حتى الآن، بين فئة محددة من الجغرافيين، وخصوصاً في إنكلترا على يد بال، وحديثاً على يد ستودارت، الذي أعاد إحياء هذه المدرسة عن طريق إدخال فكرة النظم البيئية (Ecosystems)( ).
    إن وجهة نظر المدرسة البيئية أن الإنسان يعد عنصراً مهماً من عناصر البيئة، وعلاقته بها علاقة تكافلية، وتقع عليه مسؤولية إدارتها بشكل صحيح، وعليه عدم التهرب من هذه المسؤولية. وبشكل عام يمكن القول: إن المدرسة البيئية تجمع بين المدرستين الحتمية والإمكانية، ومن أنصار هذه المدرسة (جريفت تيلور)، الذي يسميها حتمية قف وسر (Stop and go Determinism)، بمعنى أن الإنسان هو الذي يختار ويبذل الجهد ولكن البيئة هي التي تعطي وتستجيب، والإنسان لن يستطيع تغيير الأوضاع الطبيعية تغييراً جذرياً، بل هو قادر فقط على تعديلها وتهذيبها لمصلحته( ).
    أي أن الكثير من الجغرافيين قد انتهوا إلى حل وسط في هذه المسألة ومنهم روكسبي، وفلير في إنكلترا، وجريفت تيلور وكارل ساور في أمريكا، وذلك بتسليمهم بحرية الإنسان في اختيار إمكانيات البيئة، هذه الإمكانيات المحددة بالظروف الجغرافية، أي أن عناصر البيئة متعددة، وفيها الكثير من الإمكانيات، ولكن الإنسان هو الذي يختار منها ما يناسبه ويستغله بالشكل الذي يتناسب مع إمكانياته وقدراته المتطورة دائماً، أي إمكانية أو احتمالية براغماتية (Pragmatic Possibilism).
    والإنسان ليس مجرد مخلوق سلبي لا حول له ولا قوة بل هو صاحب عقل وإرادة وهو الذي يحول المواد الخام الطبيعية من مجرد مواد خام كامنة إلى ثروات وموارد ذات قيمة فعلية، والمدرسة البيئية بهذا المعنى تحفظ للجغرافية مكانتها ووحدتها الطبيعية والبشرية.
    4-3- أسبقية علم الجغرافية بالاهتمام بالبيئة:
    إن البيئة لم تكن في حالة ثبات في أي يوم من الأيام، وهي لم تخل ولن تخلو من التغير، والله أعلم، لأن التغير الذي تتعرض له الظواهر الطبيعية جزء لا يتجزأ من آلية عمل وحركية النظم البيئية، والدراسات الجغرافية ساعدت عبر الزمن، وإلى حد كبير في الكشف عن هذه التغيرات وعن الأماكن والفترات التي حدثت فيها.
    والعلاقة بين الجغرافية والبيئة قديمة قدم الجغرافية نفسها، وكان الجغرافيون الإغريق إذا لمسوا بعض المفارقات الاجتماعية أو استعصى عليهم تفسير ظاهرة بشرية ما أرجعوا سبب ذلك إلى ظروف البيئة الجغرافية. ولذلك يمكن القول أن الإغريق ظهر من بينهم أوائل البيئيين (Environmentalists)، ومن علماء الإغريق (اليونان القدماء) الذين أسهموا في إثراء الفكر البيئي، وتقديم معلومات مهمة عن البيئة ومكوناتها نذكر:
    - طاليس Tales (640- 546 ق. م)، الذي تحدث عن وجود الماء بثلاثة أشكال، أو حالات (السائلة، والصلبة، والغازية)، وأن الماء هو أصل الحياة، وأشار إلى أن معرفة المناخ تتيح إنتاج زيتون جيد.
    - انكسماندر Anaximandar (611 - 547)، وهو من أبرز تلاميذ طاليس، وقد وضع خريطة للعالم وضح عليها البحار والأنهار المعروفة آنذاك.
    - هيبوقراط (420 ق. م).
    - أفلاطون (427 - 347 ق. م).
    - أرسطو (384 - 322 ق. م)، الذي تحدث عن حركة التوازن العام للمياه وفي الطبيعة، وتحدث عن الإنسان وبيئته السياسية. أضف إلى ذلك ما قدمه الجغرافيون الرومان في هذا المجال، وكان بعض شعوب الرومان كالغاليين يقدسون المظاهر الطبيعية، ويقدمون العبادة للجبال والحجارة العجائبية المؤلهة، والينابيع المقدسة، والأشجار المباركة، والحيوانات المقدسة( ).
    ومن أهم الجغرافيين الرومان الذين اهتموا بالبيئة:
    - سترابون Strabo، وهو جغرافي يوناني الأصل من العصر الروماني، ويوصف بأنه أبو الجغرافية، ودون أعماله الجغرافية في سبعة عشر مجلداً.
    - بليني Pliny، الذي حاول كتابة دائرة معارف عن الطبيعة، فيها أربعة كتب في الجغرافية.
    - بطليموس Ptolemy، الذي حاول وضع أسس علمية للجغرافية، وغيرهم الكثير من العلماء الذين قدموا معلومات مهمة عن البيئات الطبيعية وخصائصها وميزاتها، وما فيها من معالم حية وغير حية.
    وقد أولى الكثير من أعلام الجغرافيين العرب والمسلمين اهتماماً كبيراً بالبيئة ودراسة مكوناتها، وعناصرها، وعلاقة الإنسان بها خاصة في العصور الوسطى، ويمكن أن نذكر منهم وبشكل سريع( ):
    - الكلبي، الذي ألف كتباً كثيرة فيها وصف للبيئات المختلفة ومنها الأقاليم، البلدان الكبير، البلدان الصغير، الأنهار.
    - الخوارزمي، المشهور بكتابه صورة الأرض، وفيه وصف للأقاليم والمعالم الجغرافية.
    - الكندي، ومؤلفه رسم المعمور في الأرض، ورسالته في المد والجزر.
    - ابن خرداذبة، وكتابه المسالك والممالك.
    - اليعقوبي، وكتابه البلدان، وفيه دراسات ميدانية اعتمدت على ملاحظاته الشخصية عن الظاهرات البيئية في مناطق واسعة من العالم.
    - ابن حوقل، وكتابه المسالك والممالك، الذي ضمنه الكثير من الحقائق البيئية التي عرفها وشاهدها.
    - الاصطخري، وكتابه المسالك والممالك، وما فيه من وصف للأرض المعمورة، ولليابس والماء، والسكان وأنشطتهم المختلفة.
    - المسعودي، وكتابه التنبيه والإشراف، الذي ضمنه معلومات مهمة عن الأمم وعاداتها، وتأثير المواقع والشمس والرياح وفصول السنة، في السكان وصورهم وألوانهم وأخلاقهم.
    - المقدسي، وكتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، وفيه الكثير من الحقائق التي أصبحت معروفة اليوم مثل كروية الأرض، وخط الاستواء الذي يقسمها إلى قسمين، وأن معظم اليابس في النصف الشمالي، ومعظم الماء في النصف الجنوبي.
    - الإدريسي، وكتبه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وأقاليم العالم، وعالج فيها الكثير من المعلومات الجغرافية البيئية المهمة.
    - الزمخشري، وكتابه الجبال والأماكن والمياه، الذي يعد معجماً جغرافياً.
    - ياقوت الحموي، وكتابه معجم البلدان وما فيه من الحقائق الجغرافية البيئية عن الأرض والأقاليم.
    - القزويني، وكتابه عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، الذي يضم وصفاً لمختلف البيئات، وأنواع الحيوانات والنباتات التي يمكنها العيش فيها.
    - الدميري، و كتابه حياة الحيوان الكبرى، وما فيه من ذكر لأسماء الطيور والحيوانات في البر والبحر، كما أنه درس بيئة الحيوان وطباعه وغذاءه بطريقة علمية تجريبية اعتمدت على التجربة والملاحظة( ).
    - ابن بطوطة، ومؤلفه تحفة الأنظار وفيه شرح ووصف لبيئات عديدة من العالم.
    - ابن خلدون، في مقدمته أو في كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر" حيث يعد أول من كتب عن التكيف البيئي بين الإنسان والبيئة، وميز بين مجموعتين من العوامل المؤثرة في حياة الإنسان وهما مجموعة العوامل الطبيعية، ومجموعة العوامل الحضارية والتاريخية.
    ويؤكد ما ذكرناه وغيره الكثير مما لم يتسنى لنا ذكره عن اهتمام العرب والمسلمين منذ القدم بالبيئة المحيطة بالإنسان، وبالآثار المتبادلة بينهما، وبشكل عام فقد حظي موضوع تغير شكل الأرض، وتأثير الإنسان في هذا التغير حيزاً مهماً في كتابات الجغرافيين منذ مدة بعيدة، واستطاع الجغرافيون تقدير حجم التدخل البشري في الكثير من الأنظمة البيئية.
    وكل هذا حدث قبل إطلاق مصطلح علم البيئة (Ecology) من قبل العالم الألماني ارنست هيجل عام 1866م، وأكد الكثيرون من علماء الجغرافية أمثال همبولدت (1769-1859م)، و ريتر (1779-1859م) أن هدف الجغرافية هو فهم العلاقات المتبادلة بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه( ).
    ويعد همبولدت جغرافياً- إيكولوجياً، ومن مؤسسي الجغرافية الحديثة، اهتم بدراسة العلاقة بين الإنسان والبيئة.
    وقد أخذ هذا الاهتمام بالإيكولوجيا ضمن الإطار الجغرافي يتزايد وينمو بسرعة وأخذ الكثير من الجغرافيين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر يركزون في مؤلفاتهم على العلاقة بين الإنسان والبيئة ومن هؤلاء مارش (Marsh) مؤلف كتاب الإنسان والطبيعة عام 1864، وضَمن هذا الكتاب ملاحظات حول تعرية التربة وغيرها من مظاهر التدمير البيئي في أوروبة والشرق الأدنى، وكذلك كتابه (الأرض كما عدلها فعل الإنسان 1874)( ).
    4-4- العلاقة بين علم الجغرافية وعلم البيئة:
    إن العلاقة بين البيئة والجغرافية قديمة جداً، وقد أخذت الأفكار الجغرافية المتعلقة بالنواحي الإيكولوجية ضمن الإطار الجغرافي تتطور تطوراً سريعاً منذ بداية القرن العشرين.
    ويرى هكسلي (Huxely. J) أن الجغرافية هي علم ارتباط الإنسان بالبيئة.
    وبحسب بعض الآراء فإن الجغرافية تضم كل ما يتعلق باستخدام الطبيعة بما في ذلك حماية الطبيعة وحماية الوسط المعيشي للإنسان، وتأثير الإنسان في الوسط المحيط( ).
    إن الجغرافية بوصفها علماً للمكان تؤكد العلاقة الوثيقة بين الجغرافية والبيئة والتفاعل المتبادل بين الإنسان والبيئة، وهذه المواضيع عالجتها الجغرافية منذ البداية من خلال رصد وتحليل الظاهرات المختلفة الناتجة عن تداخل وتشابك عناصر البيئة، وعلاقة الإنسان بها: (البعد الطبيعي والبعد البشري)، كما أن الجغرافية بوصفها علماً مكانياً يتميز بخاصية فريدة تميزه من بقية العلوم في دراسة البيئة باعتبارها تتصف باختلافات مكانية، وتأثيرات متبادلة بين مختلف مكوناتها وعناصرها، وفي الحقيقة فإنه وبحسب جولد، فإن التفكير في القرن الحادي والعشرين على أنه (قرن المكانية)، أو قرن المنظور المكاني Spatial Century أمر ممكن أو غير مستحيل، وهذا يعني بالمفهوم العلمي أن كل قرار يتعلق بالتخطيط لا ينطوي فقط على وقت الخطة، بل هناك دائما موقع توجد فيه الخطة الموضوعة في مكان معين يكون محدداً بطرق متعددة قبل صدور القرار( ).
    وفي الجغرافية يوجد عدد من الفروع العلمية التي تهتم بالدراسات البيئية وبالتغيرات التي تتعرض لها البيئة، والعواقب الناتجة عن ذلك سواء أكانت هذه التغيرات طبيعية أم بشرية، فمثلا الظروف المناخية كالحرارة والرطوبة والحرارة، تحدد إلى درجة كبيرة الملامح الحيوية للبيئة، وكذلك بالنسبة لشكل سطح الأرض (اللاندشافت) حيث يكون للارتفاع وشدة الانحدار والاتجاه الخ... دور مهم في تحديد هذه الملامح من خلال تأثيره في خصائص التربة، والأمطار، والحرارة، وغيرها.
    ويعرف هارلن باروز (Barrows 1923م) الجغرافية، بأنها تهتم ببحث الطرق التي يكيف بها الإنسان نفسه وفعالياته لظروف البيئة الطبيعية وتحليلها، وقد رأى أن الجغرافية في حقيقتها هي إيكولوجيا بشرية (Human Ecology) تركز على العلاقة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها، وهذا ما يراه اكرمان (Akerman 1972م) حيث عرف الجغرافية، بأنها العلم الذي يدرس العلاقة بين الإنسان والبيئة( ). ومن أبرز رواد هذا الاتجاه وأقدمهم الجغرافي الأمريكي كليمنتس (Klimentes 1916)، الذي اهتم بدراسة العلاقة بين الجغرافية الحيوية وعلم البيئة، وكذلك الجغرافي الإنكليزي سيمونز (I.G.Simmons)، الذي اهتم في مؤلفاته بالعلاقة بين الإنسان والبيئة، والتغيرات التي تطرأ على النظم البيئية بفعل الإنسان، وكان للجغرافي الفرنسي ماكس سور (Max Sorres) اهتمام كبير بالعلاقة بين الجغرافية والبيئة، وتجلى ذلك في كتابه الأسس البيولوجية للجغرافية البشرية.
    وقد رأى الجغرافي الألماني هانس بوبيك (Hans Bobek)، أن مجال اهتمام الجغرافيا يتمثل في منطقة التقاء القشرة الأرضية، والغلاف الحيوي، والغلاف الغازي عند سطح الأرض، أي الوسط أو البيئة التي يعيش فيها الإنسان( ).
    - أوجه التشابه:
    إن أوجه التشابه والتلاقي بين علم الجغرافية وعلم البيئة كثيرة جداً، وهي أكثر من أوجه الافتراق والاختلاف، فإذا كان علم البيئة هو العلم الذي يدرس العلاقة المتبادلة بين الكائنات، وبينها وبين المكان الذي توجد فيه، فإن علم الجغرافية يركز على دراسة العلاقة بين الإنسان والوسط المحيط، باعتبار الإنسان أحد الكائنات الحية، وهو أهم عنصر من عناصر البيئة و به ومن أجله تتم مختلف الدراسات والأبحاث. وتعريفات الجغرافية التي تؤكد هذا التوجه كثيرة جداً، فالجغرافية هي العلم الذي يدرس الأرض بوصفها وطناً للإنسان، مع الاهتمام بإبراز أثر التفاعل المتبادل بين البيئة والإنسان( ).
    ويرى الكثير من الباحثين أن علم الجغرافية من حيث موضوعه ينقسم إلى قسمين، البيئة والإنسان، كما أن العلاقة بين الإنسان والبيئة، والتأثير المتبادل بينهما تعد محور الدراسات الجغرافية. أي أن علمي الجغرافية والبيئة يلتقيان في أنهما يهتمان بدراسة التفاعل والتبادل بين الإنسان وبيئته، وعلاقة كل منهما بالآخر، وهذا ما يراه الجغرافي ترولز، الذي يرى أن الجغرافية تتعامل مع عناصر البيئة الطبيعية الجامدة كالمناخ، والماء، والتربة، ومع العناصر الحية في الطبيعية كالنباتات، والحيوانات، والإنسان أيضا.
    ويمكن التأكيد بتوافر الكثير من المعطيات والدلائل التي تشير إلى أن معظم الجغرافيين متفقون أن المفهوم الحديث للجغرافية يركز على تفاعل الإنسان مع بيئته، وأن الكثير من علماء الجغرافية أكدوا قبل ظهور علم البيئة بأن هدف الجغرافية هو فهم العلاقات المتبادلة بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه.
    ومفهوم الوسط هو مفهوم مركزي في الجغرافية، وعدم الانسجام في العلاقات المتبادلة بين الإنسان والوسط المحيط تعد من أهم الضائقات الجدية البعيدة المدى التي تهدد البشرية.
    ويظهر مما سبق أن أهداف علم الجغرافية وعلم البيئة متشابهة إلى حدٍ كبير، مع تركيز علم الجغرافية على علاقة الإنسان بالبيئة بوصفه كائناً حياً عاقلاً وأهم عنصر من عناصر البيئة، بينما يهتم علم البيئة بدراسة مختلف الكائنات الحية وعلاقاتها بالبيئة.
    وهذا الأمر لا يقلل من أهمية الجغرافية بل على العكس يقوي من هذه الأهمية ويزيد من مسؤولية الجغرافية، لأنها تهتم بالإنسان وهو صاحب عقل وإيديولوجيا، والتعامل معه يحتاج إلى جدية ودراية وحكمة أكثر مما يحتاجه الأمر مع بقية الكائنات الحية.
    4-5- تراجع الاهتمام بعلم الجغرافية وزيادة الاهتمام بعلم البيئة:
    إن الكثير من الموضوعات التي يدرسها علم الجغرافية ويهتم بها، هي التي يهتم بها علم البيئة، والكثير من المشكلات البيئية التي يسعى علم البيئة لإيجاد الحلول لها هي مشكلات جغرافية كالتغيرات المناخية، والتصحر، والتلوث، والانفجار السكاني وغيره. و مجالات الدراسة المشتركة التي يلتقي فيها علما الجغرافية والبيئة كثيرة وأهمها:
    1 - دراسة الأغلفة الجغرافية، الجوي والمائي والصخري والحيوي.
    2 - دراسة الأنظمة البيئية، والبيئات الجغرافية بمستوياتها ووحداتها وعناصرها المختلفة.
    3 - دراسة مصادر التلوث البيئي، والعواقب الناتجة عنه على المستوى المحلي والإقليمي والكوني، وقياس التغيرات الناجمة عن أي مظهر من مظاهر التلوث في المكان والزمان.
    4 - دراسة التغيرات البيئية الطبيعية أو البشرية، السلبية أو الإيجابية وتحديدها، ودراسة نماذج محددة من التغير البيئي.
    رغم كل هذه المجالات المشتركة وغيرها الكثير مما لم نذكره، ورغم التشابه بين علمي الجغرافية والبيئة، ورغم أنهما يتنازعان الموضوع نفسه، مع ذلك فقد حظي علم البيئة باهتمام متزايد في القرن العشرين من قبل العلماء والسياسيين، والمنظمات الحكومية والأهلية، والسكان العاديين، بينما لم تحظ الجغرافية بمثل هذا الاهتمام، وهذا عائد لأسباب كثيرة:
    - أسباب تراجع الاهتمام بالجغرافية وزيادة الاهتمام بالبيئة:
    1- صعوبة مناهج الجغرافية ووسائلها المتخصصة وتعقيدها، حيث إن معظم الناس يحبذون المادة الجغرافية والمعلومات الجغرافية، أكثر مما يحبذون مناهج البحث الجغرافية ووسائلها كما يقول (لوكرمان) لأن الشعور بالمكان هو جزء أساسي من الحقيقة، وليس التنظير المعقد( ).
    2- تعقيد مناهج الجغرافية مما يجعلها غير محببة لطلاب وتلاميذ المراحل الدراسية الأولى، وهؤلاء هم مسؤلون ومديرون وأصحاب قرار في المستقبل، مما يجعلهم لا يتعاطفون مع الجغرافية، ولا يقدمون الدعم لها أو للقائمين عليها.
    3- ضعف نسبي في قدرة الجغرافيين على مواكبة المستجدات العلمية في المجالين الطبيعي والبشري على السواء (حداد 2004 م).
    4- عدم تسييس علم الجغرافية مقابل تسييس علم البيئة، فالجغرافية استبعدت كل ما هو سياسي أو عسكري من اهتمامها( ). بينما علم البيئة تسييس، وأصبح البيئيون وحتى غير البيئيين من سياسيين وصحفيين وغيرهم، يرفعون شعارات بيئية في مناسبات مختلفة. وفي بعض الأحيان يساء فهم قضايا البيئة من قبلهم، أو تستغل لمكاسب سياسية حتى لو كانت النتيجة مؤذية للجماعة أو الأمة( ).
    هذا رغم وجود مقررات في مجالات الجغرافية السياسية والعسكرية، ولكن لا يستفاد منها من قبل الجغرافيين بالشكل المناسب، وكثيرا ما تُدرس في إطارها النظري فقط.
    5 - تراجع اهتمام الجغرافية بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية الإقليمية والدولية، مقابل زيادة اهتمام علم البيئة بهذه المتغيرات، ودراسة أسبابها ونتائجها، واقتراح الحلول للمشكلات المتعلقة بها.
    6- تقصير الجغرافيين في تكوين وجهة نظر جماعية تجاه التغيير الذي تتعرض له البيئة، وفي وضع مشروع محدد لحماية البيئة، باعتبار أن التصدي للمشكلات البيئية يتطلب طريقة تفكير مناسبة تساعد في فهم الأنظمة البيئية الطبيعية والاجتماعية على حدٍ سواء.
    7- افتقار الجغرافية إلى تحديد واضح لطبيعتها وموضوع دراستها، وغيابها عن الساحة العملية مما عزز الدعوى القائلة بعدم قدرتها على المشاركة في عمليات التخطيط والتنمية.
    8- عدم اتفاق الجغرافيين على المجالات التي يحسنون العمل بها التي تتفق مع طبيعة الجغرافية نفسها( ).
    9- التركيز على المعلومات النظرية والتلقين الجامد، دون اللجوء إلى الدراسات الميدانية والعملية والتطبيقية، ومحدودية التحليل والاستنتاج.
    وتعاني الجغرافية (ولاسيما في البلدان العربية) من سلبيات وملاحظات كثيرة سواء في المدارس أو الجامعات، أقلها التكرار والحشو المفرط للمعلومات، والاستطراد الذي يتجاوز الهدف من المعلومة، ولا يأخذ بالحسبان مستوى الذين توجه إليهم.




    الفصل الخامس
    دور الجغرافية في حماية البيئة

    - الجغرافية البيئية والجيو إيكولوجيا
    - مكانة الجغرافية ودورها في حماية البيئة
    - دور الجغرافية في حماية البيئة والموارد الطبيعية
    - تعريف الموارد الطبيعية
    - تصنيف الموارد الطبيعية
    - العلاقة بين الموارد الطبيعية والموارد البشرية
    - دور الجغرافية في حماية الموارد الطبيعية
    - دور الجغرافية في حماية البيئة من الحروب وسباق التسلح
    - دور الجغرافية في حماية الغطاء النباتي
    - دور الجغرافية في حماية مناطق السياحة والاستجمام
    - دور العلوم الإنسانية في حماية البيئة
    - دور العلوم الدينية في حماية البيئة






    5-1- الجغرافية البيئية والجيوإيكولوجيا Geoecology:
    لقد حاز مفهوم الجيو إيكولوجبا (Geoecology) في المدة الأخيرة اهتمام الكثير من الأوساط العلمية في البلدان المتطورة، من أجل إيجاد علاقة متكاملة Complex، بين المقررات والفروع العلمية ذات الصلة، وقد أطلق اسم (الجغرافية والجيوإيكولوجيا) على الكثير من المعاهد والكليات والأقسام أو الجمعيات العلمية في الكثير من الدول (ألمانية، روسيا، أرمينيا، استونيا، رومانيا وأستراليا على سبيل المثال لا الحصر)( ).

  4. #4
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1
    إن استخدام مصطلح الجيوإيكولوجيا ينطلق بشكل أو بآخر من المحاكاة بين ممثلي الجغرافية والجيولوجيا، في محاولة منهم لفهم الوسط المحيط باعتبار أن صخور القشرة الأرضية تشكل الأساس الصلب الذي تقوم عليه مختلف أشكال الحياة.
    ويقول Reimers: إن الجيوإيكولوجيا تعد جزءاً من علم البيئة، وبحسب بعض الآراء تعد جزأ من علم الجغرافية، تدرس الأنظمة البيئية (Ecosystem) أو الجغرافية (Geosystem) بشكل دقيق، بما في ذلك دراسة الغلاف الحيوي (Biosphere) ومصطلح النظام البيئي يرادف مصطلح اللاندشافت، وأحياناً مصطلح بيوجيو تسينوز( ).
    ويمكن القول: إن الجيوإيكولوجيا فرع من فروع المعرفة يقع بين حقول الدراسة (الجغرافية والجيولوجية) بشكل خاص، وهو يدرس التفاعل والعلاقات المتبادلة بين عناصر البيئة، ويدرس العمليات والظواهر التي تبرز في الأنظمة الجغرافية عندما تتعرض للتأثيرات البشرية المصطنعة المركزة والمستمرة.
    ويمكن تلخيص المنهج العلمي للجيوإيكولوجيا على الشكل التالي:
    1 - دراسة وافية لديناميكية تغير المظاهر الطبيعية لسطح الأرض (اللاندشافت الطبيعي)، بسبب التأثير البشري المفتعل.
    2 - دراسة معمقة للعوامل الجيومورفولوجية، والجيوكيميائية، والجيوفيزيائية، التي تؤثر على عناصر الوسط الطبيعي.
    3 - دراسة الأغلفة الجغرافية (الحيوي والجوي والمائي والأرضي).
    4 - دراسة منهجية واضحة للبحث في إمكانية التنبؤ البيئي، خاصة باستخدام منهج الموديلات الرياضية، وذلك لمحاكاة الواقع رياضياً أو مخبرياً أو حاسوبياً، من أجل التنبؤ بالتغيرات التي يمكن أن يتعرض لها.
    5 - دراسة مستوى التلوث الذي تتعرض له البيئة، ومصادره وأشكاله وأنواعه وشدته على مستوى الوحدات الجغرافية الكبيرة والصغيرة.
    إن الهدف الرئيسي للجيوإيكولوجيا المعاصرة دراسة التنظيم المكاني - الزمني للأنظمة الجغرافية، ودراسة العمليات والعلاقات المتبادلة بين المجتمع والطبيعة، في أي وحدة مساحية، من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي تسمح بتحليل عملية تبادل المادة والطاقة، ودراسة الظروف الطبيعية، ومعرفة بنية اللاندشافت وتركيبه ووظائفه من أجل تحسين هذه العلاقات، ومنع حدوث التغيرات السلبية في الوسط الطبيعي.
    5-2- بعض الآراء في مكانة الجغرافية ودورها في حماية البيئة:
    إن الحديث في هذا الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية بسبب اختلاف أراء بعض الجغرافيين فيما يتعلق بمكانة الجغرافية، ودورها في حل المشكلات المعاصرة بشكل عام، حيث يمكن تصنيف هذه الآراء بعدة اتجاهات، منها:
    1 - اتجاه يرى فيه بعض الجغرافيين أن الجغرافية باعتبارها علماً تعاني من النكوص والتقوقع، ومن تراجع مساهمتها في تطور العلوم وتقدم البشرية، وعدم قدرة مناهجها الحالية على مسايرة التطور المعاصر، منهم (الشنيطي 1969 م)، (أنوشين 1973 م)، و(خير 2000 م) الذي يرى: إن حالة التخبط والقلق التي يعيشها الجغرافيون في هذه الأيام إنما تعزى إلى افتقار الجغرافية إلى تحديد واضح لطبيعتها وموضوع دراستها، كما أن غيابها عن الساحة العملية قد عزز الدعوى القائلة بعدم قدرتها على المشاركة في عمليات التخطيط والتنمية( ).
    كذلك (الطيب 1995) الذي يتحدث عن الدور التاريخي المؤثر الذي كان للجغرافية في تطور الفكر الإنساني، ومعالجة الكثير من المشكلات التي واجهت المجتمع البشري، ولكن رغم ذلك «لا تلعب الجغرافية في المجتمع المعاصر الدور الذي ينبغي أن تلعبه، ولا تضطلع بالمهام التي يمكن أن تؤديها، خاصة في عالمنا العربي، ويتساءل عن أسباب ذلك، وهل تعود للجغرافية بوصفها علماً أو إلى تقصير الجغرافيين أنفسهم»( ).
    2 - اتجاه آخر، يرى فيه جغرافيون آخرون أنه تم العزوف عن علم الجغرافية مقابل الاهتمام بعلم البيئة، مع أنهما يتنازعان الموضوع نفسه فيرى الحصري /1986 «إن كلاً من الجغرافية وعلم البيئة يتنازعان الموضوع ذاته، فكلاهما يتوضع على منطقة التلاقي بين علم الحياة وعلم الفيزياء، والكيمياء، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلا أنه من الواضح أن البيئيين فرضوا أنفسهم على الرأي العام أكثر من الجغرافيين»( ).
    3 - اتجاه ثالث لجغرافيين آخرين يرى عكس ذلك، «وأن الجغرافية تضم كل ما يتعلق باستخدام الطبيعة، بما في ذلك حماية الطبيعة، وحماية الوسط المعيشي للإنسان، وتأثير نشاطات الإنسان المختلفة على هذا الوسط، (Reimers 1990)، وهذا البعض يرى أيضاً أن الجغرافية كانت وستبقى في طليعة العلوم القادرة على المساهمة في حل المشكلات التي تعاني منها البشرية، بما في ذلك مشكلات حماية البيئة من التلوث، والاستخدام العقلاني للموارد الطبيعية، ووقف سباق التسلح، وكبح جماح الحروب، وحل مشكلات الفقر والانفجار السكاني وغير ذلك.
    لأنها بحكم موقعها بين العلوم، وكونها علماً شمولياً تركيبياً قادراً على الربط بين مختلف المسائل، ووضع الحلول المناسبة لها، فيرى شريف / 1996، أن من " أخص خصائص الجغرافية البحث عن العلاقات بين مختلف الظاهرات، ثم تحليل الظاهرات الطبيعية، والبحث عن علاقاتها بالنشاط البشري عامةً»( ).
    أما كاربوف / 1989، فيرى «أن العلاقة بين المجتمع البشري والطبيعة هي علاقة أبدية، وأن هذه المسألة كانت دائماً في مركز اهتمام علم الجغرافية ولكن هذه المسالة أصبحت الآن مشكلة ذات محتوى جديد، وقد ازدادت تعقيداً واتساعاً، وحلها يحتاج إلى تعاون مختلف العلوم، والجغرافية تستطيع أن تقدم خبرة منهجية لدراسة المشكلات العالمية وحلها»( ).
    5-3- دور الجغرافية في حماية البيئة والموارد الطبيعية:
    إن مشكلة نفاد الموارد الطبيعية، تعد من المشكلات المستعصية أمام البشرية، وسوف يزداد خطر هذه المشكلة يوما بعد يوم، مع تزايد استهلاك المواد الخام الطبيعية واستنزافها، وتزايد عدد السكان بشكل كبير جدا، وخاصة سكان المدن، وسكان البلدان النامية على الأخص، وما يرافق ذلك من مشكلات بيئية مختلفة، حيث إن الكثير من العلماء والمهتمين يؤكدون بأن البشرية أمام مفترق طرق خطير، إما أن تسلك طريق السلامة بوعي وإدراك لأهمية الموارد الطبيعية وترشيد استخدامها بما يحقق مصلحة الأجيال الحالية ومصلحة الأجيال القادمة والبشرية جمعاء، وإما أن تسلك البشرية طريق الندامة إذا استمرت في تدمير النظم البيئية واستنزاف الموارد الطبيعية بشكل صارخ، كما يحدث هذه الأيام من دون مراعاة قدرة هذه الموارد على التجدد المناسب الذي يؤمن استمرارية توفر الموارد بالشكل المطلوب.
    بشكل عام يمكن القول إن الموارد الطبيعية المتجددة يتم استغلالها في الوقت الحاضر بشكل يفوق قدرتها على التعويض أو التجدد، نتيجة لكل ذلك فإن قدرة الكرة الأرضية على إعالة الحياة آخذة بالتناقص بشكل خطير، وبدرجة لا يمكن إيقافها في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد البشر بشكل سريع، وتزداد معها بطبيعة الحال معدلات الاستهلاك مما يسبب ضغطا شديدا ومتزايدا على موارد الأرض.
    ومع ذلك لم يتعلم الناس بعد كيف يعيشون ويتعايشون مع الظاهرة التي لا يمكن تعويضها في عالمنا ألا وهي الغلاف الحيوي (البيوسفير)، الذي يشكل تلك القشرة الرقيقة من الكرة الأرضية التي تضم عناصر الحياة، ومقومات وجودها واستمرارها، فقد أدى الفشل في القدرة على التعايش مع الغلاف الحيوي إلى حدوث تناقص في القدرة الإنتاجية لكوكب الأرض.
    لقد وفر كوكب الأرض للكائنات الحية التي تعيش عليه مستلزمات الحياة من خلال توفر الموارد الطبيعية، كالهواء والماء والتربة والنبات والحيوان والمعادن وغير ذلك مما أنعم الله على مخلوقاته من موارد وعناصر تستمد استمرارية بقائها من خلال نظام تبادل المنفعة أو تبادل ما يسمى بالمادة والطاقة، حيث يستمد كل عنصر وجوده من خلال بقية الكائنات الحية والعناصر غير الحية بحيث يتحقق التوازن البيئي في الوسط الحيوي كله.
    إن الأرض تؤلف نظاما بيئيا مفتوحا يتم فيه تبادل المادة والطاقة، ولكن الأرض في نفس الوقت تعد كوكبا محدود الحجم والموارد، وقد استغرقت ملايين السنين حتى وصلت إلى نظام بيئي مستقر فيه من التنوع الحيوي والتشابك ما يسمح باستمرار هذا التنوع وهذا التوازن والمحافظة عليه، ومع ذلك بقيت الموارد الطبيعية تعني أشياء مختلفة باختلاف الناس، فهي تعني عند التاجر الذي ينشد الربح شيئا مختلفا عما تعنيه عند رجل السياسة، أو عند المهتم بقضايا البيئة. ومهما يكن من أمر فإن الموارد الطبيعية في البيئة التي تعود إلى الأنماط النباتية والحيوانية والصلبة والسائلة والغازية تكَون بشتى أنواعها نظاما بيئيا متكاملا، وقد تعرضت خلال فترات زمنية مختلفة إلى ضغوط وتأثيرات مختلفة ومتفاوتة، كالتلوث والاستنزاف وكوارث الانقراض.
    من أجل حماية الموارد الطبيعية لا بد من اتخاذ الإجراءات المدروسة من قبل الحكومات، والشعوب، والمنظمات، بهدف الاستغلال المنطقي والعقلاني للموارد الطبيعية لغرض حمايتها وإصلاحها، والمحافظة على الطبيعة من التدهور والتلوث، بحيث يؤدي ذلك إلى خلق ظروف مثالية مناسبة لحياة المجتمعات البشرية والاستجابة لجميع احتياجاتها المادية والثقافية للأجيال الحالية والأجيال المقبلة.
    سؤال مشروع كثيراً ما يتم طرحه، ما دور الجغرافية في حماية البيئة، والمحافظة على الموارد الطبيعية ؟
    وللإجابة عن هذا السؤال سوف نبين في هذا الكتاب، أهمية الجغرافية، ودورها في حماية الموارد الطبيعية وترشيد استغلالها، بما في ذلك دورها في حماية الموارد المائية ودراسة العلاقة المعقدة بين الغلاف المائي ومختلف عناصر الوسط المحيط، وحماية الهواء والغلاف الجوي من التلوث، وإظهار العواقب الناتجة عن ذلك، وكذلك المحافظة على التربة وصيانتها باعتبارها من العناصر الضرورية للحياة، وقاعدة مهمة للإنتاج، ومجالاً مكانياً لتنظيم الاقتصاد والعمران، ووسطاً لحياة الإنسان وغيره من الكائنات الحية، أضف إلى ذلك دور الجغرافية في حماية البيئة من الحروب وسباق التسلح، ومخاطر الحرب النووية.
    ويمكن التأكيد على أهمية الجغرافية ودورها في التخطيط والتنبؤ على مستوى الوحدات الجغرافية المختلفة (الأنظمة الجغرافية) من أجل تحسين البيئة، وحمايتها، وإدارتها بشكل سليم لما فيه مصلحة البيئة، وخير الإنسان، والمجتمع البشري، باعتبار ذلك جزءاً لا يتجزأ من عملية التخطيط الجغرافي العلمي الصحيح، وذلك بمشاركة العلوم الأخرى لأن حل المشكلات البيئية المعاصرة لا يمكن أن يتم في إطار علم واحد فقط.
    وبما أن المشكلات البيئية (الايكولوجية)، لم تعد محصورة في مكان محدد، وإنما هي الآن مشكلات عالمية لا تعرف الحدود الجغرافية - السياسية، الدولية أو الإقليمية ولا تعترف بها، ومعظمها مشكلات جغرافية (مكانية) قبل كل شيء، ترتبط بالمكان وتصبح فاعلة ومتغيرة في الزمان، تتأثر وتؤثر في مختلف عناصر النظام البيئي (Ecosystem) الجامدة والحية، التي تشكل في معظمها عناصر النظام الجغرافي (Geosystem)، وبشكل خاص الإنسان الذي يعد أهم هذه العناصر في كلا النظامين.
    إن حماية البيئة هي مجموعة من الإجراءات التنظيمية (التكنولوجية، الاقتصادية، الإدارية، القانونية، التربوية، الخ) التي تقوم بها الحكومات والجهات الرسمية والشعبية بهدف حماية البيئة واستغلال مواردها بشكل عقلاني ومنظم، يضمن للأجيال الحالية والمقبلة تأمين حاجاتها المادية والروحية الآن وفي المستقبل.
    أو حماية البيئة هي سياسة وفلسفة إدارة البيئة، من أجل المحافظة على الموارد الطبيعية من التدهور والاستنزاف والتدمير، لكي تضمن موارد كافية لمصلحة الأجيال في الحاضر والمستقبل، وهذه الحماية تشمل ثلاثة أجزاء هي( ):
    1- حماية النباتات والحيوانات والموارد البيئية، والمناطق الحضارية، والمواقع التاريخية من التلوث والاستنزاف والاستخدام غير العاقل.
    2- استغلال الموارد الطبيعية بما يكفل دوام عطائها لتأمين حاجات الإنسان المتزايدة، ليس في الوقت الحاضر فقط، وإنما للأجيال القادمة.
    3- تطبيق برامج تحسين البيئة وصيانة الموارد اعتمادا على التخطيط البيئي.
    ولكن من المهم في التخطيط البيئي، مساهمة الجغرافية، خاصة الجغرافية التطبيقية، الميدانية، في الحصر الشامل والمتكامل للموارد الطبيعية ثم وضع الخطط والبرامج المناسبة لحمايتها.
    تعد الجغرافية الأساس العلمي للتخطيط البيئي، ويعد التخطيط البيئي مجالاً تطبيقياً لها، وحتى تنجح الجغرافية في هذا المجال عليها تعميق أسسها النظرية المفيدة في تفسير العمليات والتطورات الجارية في الطبيعة، والتنبؤ بمستقبلها، والتخطيط لإدارتها من أجل تحقيق التنمية المتوازنة الآمنة للبيئة والاقتصاد والمجتمع( ).
    والتأكيدات على أهمية وفاعلية دور الجغرافية في حماية البيئة والموارد الطبيعية كثيرة، فعلم الجغرافية الحديث يمتلك مقدرة علمية هائلة تعطي له دوراً عظيماً في هذا المجال، لا يقل بأي شكل من الأشكال عن دور العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء والأحياء وإسهامها في التطور العلمي بما يساعد في إيجاد ظروف طبيعة مناسبة لحياة الإنسان، ويعتقد باراسوف «أن كل مختص في حقل حماية الثروة الطبيعية يجب أن يكون ملماً إلماماً تاماً بالعلوم الجغرافية».
    وإذا كانت مشكلة حماية الطبيعة مرتبطة كلياً بمعرفة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، فإن دراسة هذه العلاقة تقع أساساً على عاتق الجغرافيين الذين يتعاملون مع هذه المسألة بنظرة شمولية تتفهم دور جميع العناصر في البيئة( ).
    وتولي الجغرافية أهمية خاصة لدراسة التغير الذي يتعرض له النظام الجغرافي، وشدة هذا التغير وسرعته ومقياسه، ودراسة عواقب التأثير البشري المصطنع، ومعرفة مصادر الملوثات ونوعيتها وتركيبها وانتقالها، خاصة أن العلاقة بين الإنسان والبيئة هي علاقة قديمة جداً، وهذه العلاقة كانت دائماً في مركز اهتمام علم الجغرافية، ولكن هذه العلاقة تعرضت للكثير من التغير عبر الزمن وازدادت تعقيداً بسبب تشابكها وزيادة اتساعها لتأخذ مقياساً عالمياً (كونياً)، ونتائج ذلك أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على الطبيعة وعلى مختلف جوانب الحياة (الاجتماعية والمادية والروحية) للمجتمعات الحديثة، ومن مظاهر هذه المشكلة زيادة استنزاف الموارد الطبيعية، تلوث البيئة، الانفجار الديموغرافي، الجوع وسوء التغذية للعدد الأكبر من سكان العالم وغير ذلك من المظاهر.
    تساعد الجغرافية في تقديم الحلول المناسبة للكثير من المشكلات البيئية المعاصرة خاصة تلك المشكلات التي يتعرض لها الغلاف الجغرافي، لأن تلك المشكلات لا يمكن حلها إلا من خلال دراسة العلاقات المتبادلة المباشرة وغير المباشرة بين مختلف عناصر الغلاف الجغرافي وأخذها بالحسبان.
    وبحسب (ل. ن. كاربوف)، فإن مساهمة الجغرافية في حل المشكلات البيئية يمكن أن تتم من خلال الأمور التالية:
    1- إيجاد الحل للمشكلات العالمية يشكل محور اهتمام فروع علمية مختلفة كما هو معروف، وقبل اتخاذ قرارات محددة بهذا الشأن يجب القيام بأبحاث مختلفة تشارك فيها الكثير من العلوم، وكون الجغرافية أحد أهم العلوم التركيبية (التي تجمع ما بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية)، فإنها تستطيع أن تقدم خبرة وأساساً علميا منهجياً لدراسة هذه المشكلات العالمية.
    2- وضع قاعدة بيانات، تضم المعلومات المطلوبة والمتوافرة عن المشكلات العالمية تعتمد على أبحاث علم الجغرافية كسجلات المسح الجغرافي، والخرائط، والمعلومات المحددة الدقيقة التي تنطوي تحت إطار الأبحاث الجغرافية، ويمكن توسيعها بحسب ما يتطلبه حل تلك المسائل.
    3- أي من المشكلات العالمية تملك بدون شك مواصفات إقليمية، والجغرافية تقدم الخبرة المطلوبة لدراسة العمليات الطبيعية والبشرية، وتحليل العلاقات المتبادلة بين مختلف العناصر ضمن الإقليم وبينه وبين الأقاليم الأخرى( ).
    وتساعد الجغرافية في تقديم الحلول المناسبة للكثير من المشكلات البيئية المعاصرة وخاصة تلك المشكلات التي يتعرض لها الغلاف الجغرافي، لأن تلك المشكلات لا يمكن حلها إلا من خلال دراسة العلاقات المتبادلة المباشرة وغير المباشرة بين مختلف عناصر الغلاف الجغرافي وأخذها بالحسبان. إن الغلاف الجغرافي للأرض يشمل ثلاث مجموعات من الأنظمة: البيولوجية، الاجتماعية، التكنولوجية، وهذه الأنظمة تعد موضوعات لدراسة العلوم: البيولوجية، الاجتماعية، الاقتصادية والتكنولوجية. وهي تمثل مجتمعة ثلاثة نماذج للأنظمة البيئية: نموذج بيوجغرافي، نموذج اجتماعي - اقتصادي - جغرافي، ونموذج جغرافي هندسي، مما أدى إلى ظهور ثلاث اتجاهات إيكولوجية - جغرافية تعتمد على عدد من الفروع العلمية القديمة والحديثة، التي تبحث في اتجاهات مختلفة، من أجل التوصل إلى نظام معرفي متكامل عن العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية، بما في ذلك الإنسان والمجتمع البشري، وعلاقاتها مع الوسط الجغرافي الطبيعي( ).
    كما أن تلوث البيئة وسرعة التغير الذي تتعرض له يتطلب المزيد من الاهتمام ليس فقط بمسألة حماية البيئة وإنما بمسألة التنبؤ حول وضعها في المستقبل القريب أو البعيد، ويعد الدور الجغرافي في حل هذه المسألة على جانب كبير من الأهمية، حيث إن الدراسات الجغرافية تشير إلى التغيرات المحتملة التي قد تصيب الأنظمة البيئية (الجغرافية)، خاصة تلك التغيرات أو الأزمات وشيكة الحدوث، والعمل بفعالية من أجل توجيهها وإدارتها والتخفيف ما أمكن من الآثار السلبية أو غير المرغوبة الناتجة عنها.
    - التنبؤ الجغرافي:
    إن الباحث الجغرافي يريد أن يتنبأ مثلاً بظاهرة التحضر، أو التصحر، أو التلوث، أو غير ذلك من الظواهر البيئية الحضرية، أو الريفية، أو الطبيعية لمعالجتها والتخطيط لها قبل حدوثها( ).
    إن التنبؤ والاستشراف له أهمية قصوى بالنسبة للجغرافيين، لأنه يساعدهم في تقديم تصورات معينة لمستقبل أية مشكلة تواجههم، والجغرافي يستطيع عن طريق استخدام المعطيات المختلفة المتوافرة تطوير أساليب علمية للتنبؤ بالمشكلات التي تتعرض لها البيئة، والعواقب الناتجة عن ذلك، واقتراح الحلول المناسبة للحد من هذه المشكلات وأخطارها.
    ومن المفترض أن تأخذ مثل هذه الدراسات الطابع الهرمي، أي تبدأ من مستوى الأقاليم ثم الدول فالقارات وأخيراً العالم، وإن أية مشكلة عالمية لا يمكن إيجاد حل مناسب لها من دون تحضير أولي أو تمهيدي على مستوى الإقليم، والبحث عن طرائق متخصصة لحل هذه المشكلة في الظروف المحلية الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه الإجراءات تعد جزءاًً مهماً من عملية التنظيم المكاني الذي يعد من أهم وظائف الجغرافية المعاصرة.
    - دراسة الكوارث الطبيعية والبشرية:
    من أهم وظائف الجغرافية توضيح الضائقات أو الكوارث الإيكولوجية ومدى انتشارها وتوزعها ونتائجها ودراستها، واقتراح الإجراءات العلمية الضرورية للتخفيف من حدتها وللمحافظة على الاستقرار البيئي والانتقال إلى حدوث تطور بيئي متوازن على المستوى الكوني، عبر فهم آلية العمليات التي تجري في الطبيعة وانعكاس ذلك على التجمعات البشرية وردود الأفعال المختلفة تجاه ذلك. ومما يؤكد أهمية هذا الموضوع أن منظمة الصحة العالمية اختارته موضوعا للاحتفال بيوم الصحة العالمي في يوم 7/4/2007م، من أجل تسليط الضوء على الوضع الصحي والإنساني والبيئي الذي يعاني منه العديد من سكان العالم بسبب الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير، والفيضانات، أو الكوارث البشرية كالصراعات والحروب، وما تسببه هذه الكوارث من آثار مدمرة على الإنسان والبيئة.
    ومما لا شك فيه أن دور الجغرافية والجغرافيين في دراسة مثل هذه الأزمات والمشكلات الإيكولوجية العالمية واقتراح الحلول المناسبة لها، يمكن أن يكون كبيراً من منطلق أن مشكلات البيئة، ظهرت لأن العمليات الاجتماعية الاقتصادية لم تتطور بالشكل الذي يأخذ بالحسبان خصائص الوسط المحيط والتفاعلات التي تجري فيه والضغط البشري المصطنع الذي يقع عليه.
    وتقدم الجغرافية تصورا محددا لمسألة الأمن البيئي الوطني والإقليمي والعالمي، وتأثير انتقال الملوثات عبر الحدود، واستغلال الموارد الطبيعية على المستوى الإقليمي والعالمي، ومدى كفاية هذه الموارد في تأمين حاجات البشرية الآن وفي المستقبل.
    وخلاصة لما سبق عن دور الجغرافية في حماية البيئة وحل المشكلات البيئية يمكن القول: إن للجغرافية بوصفها علماً تركيبياً، شمولياً، أهمية كبيرة ودوراً طليعياً كانت وما زالت تؤديه، ويتجلى هذا الدور في الأمور التالية:
    1- في مكافحة تعطيل الأنظمة البيئية الطبيعية، وإيجاد الحل للكثير من المشكلات التي تعاني منها البيئة، سواءً تلك المشكلات التي تتعلق بتلوث الماء والهواء والتربة، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتدهور الوسط الحيوي النباتي والحيواني.
    2- في مكافحة تعطيل الأنظمة البيئية الاجتماعية، وحل المشكلات المتعلقة بها كالانفجار السكاني والجوع والفقر والجريمة والمخدرات وغير ذلك.
    3- إذا كان الجغرافيون جادين في إيجاد الحلول للمشكلات الإيكولوجية فيجب عليهم التركيز على المداخل الجغرافية، وتطوير أساليب وطرائق كمية مختلفة لدراسة الأنظمة الجغرافية الطبيعية والبشرية، ودراسة العلاقات المتشابكة فيما بينها عن طريق استخدام طرائق الرصد والمراقبة (Monitor)، أي القيام برصد جيو إيكولوجي شامل للنظام الجغرافي والتغيرات التي يتعرض لها، وكذلك القيام بالتنبؤ، والتوقع، والكشف عن الموارد الطبيعية والبشرية والإسهام بفعالية في التخطيط الإقليمي الفعال.
    4- يجب أن يكون للجغرافيين وجود وتمثيل في أي مشروع، وفي أية لجنة وطنية أو إقليمية أو عالمية، تعمل من أجل حماية البيئة وحل المشكلات التي تعاني منها.
    5- على الجغرافيين الاهتمام بحقيقة أن مشكلات الوسط المحيط يمكن النظر إليها من وجهات نظر مختلفة، وبالتالي فإن طرائق حلها مختلفة أيضاً.
    وعلى كل حال فإن المبادئ الأساسية لحل المشكلات البيئية (الإيكولوجية) يجب أن تكون علمية، فلسفية، سياسية، اجتماعية واقتصادية، لأن حل المشكلات الإيكولوجية المعاصرة يشمل طيفاً واسعاً يبدأ من الجيولوجيا وينتهي بالإيديولوجيا، ولا يمكن حل هذه المشكلات في حدود علم واحد فقط، لذلك سوف نعرض لاحقاً وبإيجاز لدور بعض العلوم الإنسانية الأخرى كالتاريخ والفلسفة والاجتماع، وكذلك التربية البيئية ودورها في حماية البيئة.
    5-4- الموارد الطبيعية
    5-4-1- تعريف الموارد الطبيعية:
    يمكن تعريف الموارد الطبيعية بأنها تلك المواد والظاهرات الطبيعية التي لا دخل للإنسان في وجودها، ولكنه يعتمد عليها في حياته ويتأثر بها ويؤثر فيها. أو هي إجمالي الموارد المكونة للبيئة بما في ذلك الكتلة والطاقة والأشياء البيولوجية والأشياء الحية التي تسمى بالرصيد العام( ).
    وهذه الموارد تشكل الأساس المادي لعمليات الإنتاج المختلفة، وهي مهمة جداً لوجود المجتمع البشري، ومن أجل تحسين المستوى المادي والمعيشي للإنسان، وتوفير الحاجات والمتطلبات المادية والمعنوية له. ونظراً إلى أهمية الموارد الطبيعية، فقد تشكلت العديد من الهيئات والمؤسسات والجمعيات الدولية والإقليمية والمحلية، التي تهدف إلى دراسة الموارد الطبيعية، ومعرفة المخاطر التي تتعرض لها وتحديدها، والعمل على صيانة هذه الموارد والتخفيف من حدة المخاطر التي تتعرض لها، ومن هذه الهيئات، الاتحاد الدولي لصيانة الطبيعة(IUCN)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والصندوق العالمي للحياة البرية (WWF) وغيره.
    ولكن ومع كل الفوائد التي تقدمها الموارد الطبيعية للبيئة والإنسان، فإن هذه الموارد تتعرض لضغوط مباشرة قلما تؤخذ نتائجها بالحسبان، وربما ترجع معظم هذه الضغوط إلى الجهل بقوانين الطبيعة والقفز فوقها، أو إلى النية الحسنة في حالات أخرى، وهذا يقود إلى ضرورة الوقوف على التغيرات الجارية في البيئة، وتقييم السياسات البيئية والتأثيرات التي يقوم بها الإنسان في الزراعة واستخدام الماء والمعادن، والتوسع في الصناعة واستنزاف الموارد التي تحتاج إليها بعض الصناعات، وغير ذلك من الأنشطة البشرية المؤثرة في الموارد الطبيعية، وفي توازن الأنظمة البيئية واستقرارها.
    كما أن الإستراتيجية العالمية لصيانة الموارد الطبيعية تركز اهتمامها على العقبات التي تمثل المعوق الرئيسي للتقدم والتنمية، ومن هذه العقبات الاعتقاد بأن حماية الموارد الحية هو نشاط متخصص أكثر من كونه عملية متشابكة، وكذلك الفشل المتواصل في إدماج برامج الحماية مع برامج التنمية. ومن معوقات التنمية أيضا قصور التخطيط البيئي، ونقص القدرة على الصيانة بسبب تحكم التشريعات غير الملائمة، ونقص جهود دعم الصيانة وانعدام روح المسؤولية بين من يستخدمون الموارد الحية أو من لهم صلة، أو تأثير فيها ولا تستثنى الحكومات من هذا الأمر.
    لذلك يجب العمل على القضاء على هذه العقبات بصفة دائمة، لأنه من الممكن أن يتم النجاح في إنقاذ الأحياء، أو حماية منطقة ما، أو التقليل من المردودات الضارة على البيئة، ولكن مثل هذا النجاح قد يصبح أمرا مؤقتا، أو لا قيمة له، ويحكم عليه بالفشل الذريع إذا لم تبادر كل دولة بتقوية قدراتها على صيانة مواردها وتحسينها، وحماية بيئتها بصفة دائمة ومستمرة.
    5-4-2- تصنيف الموارد الطبيعية:
    يصنف الجغرافيون الموارد الطبيعية بطرق مختلفة، حيث يمكن تصنيف الموارد الطبيعية في المجموعات الرئيسة التالية( ):
    أولا - موارد طبيعية متجددة غير قابلة للنفاد:
    وهذه الموارد توجد بكميات كبيرة جداً، ومنها الموارد المائية والمناخية والفلكية، وهي متجددة باستمرار وغير قابلة للنفاد.
    ثانياً - موارد طبيعية متجددة قابلة للنفاد:
    وهي عادة تلك الموارد التي تنفد بسرعة مثل الحيوانات البرية والغطاء النباتي الطبيعي، والتربة نتيجة الاستغلال المكثف لها، أو لتغير الظروف البيئية التي توجد فيها، وعند استنزاف هذه الموارد يمكن أن تتجدد بشكل طبيعي إذا توفر الزمن اللازم والظروف المناسبة لذلك. وفي بعض الأحيان فإن الموارد الطبيعية القابلة للتجدد تصل إلى درجة من التدهور بحيث أن عملية تجديدها تصبح من الأمور المستحيلة، وفي هذه الحالة يمكن اعتبارها من الموارد الطبيعية غير المتجددة، أو غير القابلة للتجدد مثل القضاء على بعض أنواع النباتات أو الحيوانات وانقراضها بشكل كامل.
    ثالثاً - موارد طبيعية غير متجددة وقابلة للنفاد:
    ومنها الثروات الباطنية ومصادر الوقود الاحفوري والنفط والغاز وغيره، إذ إن بعضها تكون تحت ظروف بيئية خاصة خلال العصور الجيولوجية القديمة ومر على تكوينها آلاف أو ملايين السنين. إن مثل هذه المواد التي تكونت عبر الزمن لا يمكن صنعها من قبل الإنسان وحتى لو توافرت مثل هذه الإمكانية فإن تكاليفها باهظة جدا في الوقت الحاضر، ونفاد الموارد الطبيعية يعني أن كمية المواد والطاقة التي تدخل في عملية الإنتاج أو التي تستهلك لأغراض أخرى أكبر من تلك الكمية التي يمكن للطبيعة أن تعيدها أو تنتجها في الفترة الزمنية نفسها التي يتم استهلاكها فيها.
    ومن المهم جداً بالنسبة للموارد الطبيعية ليس الكمية والحجم فقط بل النوعية والمحافظة على هذه النوعية، فالموارد المائية على سبيل المثال عظيمة وخاصة ما يوجد منها في البحار والمحيطات العالمية، ولكن كمية المياه العذبة محدودة جدا.
    رابعاً - موارد مستبدلة وموارد غير مستبدلة:
    وذلك حسب إمكانية استبدال مورد بمورد آخر، مثلاً موارد الطاقة مستبدلة (النفط بدل الفحم الخ ….) بينما الأكسجين والماء خامات غير مستبدلة.
    خامساً - موارد مستعاضة وميسرة وموارد كامنة:
    وهي موارد يمكن تعويضها أو استرجاعها أو هي في متناول اليد، وأخرى لا يمكن استخدامها في الظروف الحالية (لأسباب مختلفة تقنية، بشكل خاص).
    وبما أن الكثير من الموارد الطبيعية غير متجددة وقابلة للاستنزاف، فإن تدهورها وتغيرها وعدم حمايتها يؤدي إلى حدوث نتائج سلبية مباشرة أو غير مباشرة، وبعيدة الأثر في البيئة والتوازن البيئي، مما يجعل الاهتمام بحماية هذه الموارد وترشيد استغلالها مسألة على درجة كبيرة من الأهمية، وذلك لأسباب عديدة، يأتي في مقدمتها أهمية هذه الموارد في توطيد التنمية المستدامة وتأمين استمرارية الحياة للأعداد المتزايدة من البشر، وحق الأجيال المقبلة في الحصول على حاجتها من هذه الموارد، كما أن المحافظة على هذه الموارد يعني استمرار توازن النظام البيئي (الجغرافي) وعناصر هذا النظام، لأن حماية الموارد الطبيعية هو جزء من حماية البيئة ككل.
    5-4-3- العلاقة بين الموارد الطبيعية والموارد البشرية:
    إن العلاقة بين الموارد الطبيعية والظروف الطبيعية، والمجتمع البشري، هي علاقة متغيرة باستمرار، والتوازن فيما بينها توازن متحرك جداً وديناميكي، وكل من هذا التغير والتوازن محددان بقدرة الإنسان وتأثيراته المفتعلة التي يحدثها في الوسط الجغرافي، وقدرة هذا الوسط على التوازن وإعادة التوازن. ولأن الموارد الطبيعية تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بنوعية الممارسات والأنشطة البشرية بمختلف أشكالها، ويمكن تصنيف هذه النشاطات في محورين، الأول هو محور النمو الكيفي، وهذا المحور يركز على النظرة الضيقة الآنية، وقد يؤدي إلى ربح سريع، ولكنه ربح ظاهري يخفي خلفه خسائر حقيقية مؤجلة (متوسطة أو بعيدة المدى)، ومن هذه الخسائر احتمال استنزاف الموارد الطبيعية والقضاء عليها.
    أما المحور الثاني، يركز على النمو العقلاني الرشيد والمتكامل، ويعتمد النظرة بعيدة الأمد، ويمارس بشكل منسجم بين مختلف النشاطات والقطاعات، ويؤدي إلى ربح مباشر وفوري، وهو في نفس الوقت ربح متنام ومتراكم على المدى البعيد (وهذا ما يمكن تسميته بالتنمية المستدامة أو القابلة للاستمرار).
    ومن المعروف أن الإنسان منذ أن وجد على سطح الأرض عمل على استغلال الموارد الطبيعية، والاستفادة منها تدريجيا في تأمين غذائه، وبناء مسكنه، وتطوير حياته، إلا أن هذا الاستغلال تزايدت حدته وشدته وتركيزه مع الزمن إلى أن وصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم من تدهور واستنزاف للموارد الطبيعية.
    وفي هذه الأيام حيث العلاقة معكوسة بين كمية الموارد الطبيعية المتاحة، وبين الزيادة الكبيرة في عدد سكان العالم الذي زاد على ستة مليارات نسمة، وفي الوقت الذي تعاني فيه الكثير من دول العالم ومناطقه من نقص في الموارد الطبيعية، نتيجة الإسراف في استنزافها وتلوثها وتدهورها، ولذلك فإن حماية الموارد الطبيعية المختلفة، الحية وغير الحية، المتجددة وغير المتجددة، تحتل مكانا مهماً في الدراسات الجغرافية، وترتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الجيوبيئي، والمحافظة على استقراره وتوازنه.
    ويمكن للجغرافيين القيام بدور مهم في عمليات حماية الموارد الطبيعية، وتعميق الوعي بأهمية هذه الموارد، خاصة وأن ميدان الجغرافية هو البحث الشمولي التكاملي، الطبيعي والبشري، والعلاقات بينهما، الذي يؤسس لعمليات التحليل والتركيب والاستنتاج لوضع الخطط والسياسات المتعلقة بحماية الموارد الطبيعية.
    5-4-4- دور الجغرافية في حماية الموارد الطبيعية:
    5-4-4-1- دور الجغرافية في حماية الغلاف الجوي: (سيتم الحديث عنه في فصل الغلاف الجوي).
    5-4-4-2- دور الجغرافية في حماية الغلاف المائي: (سيتم الحديث عنه في فصل الغلاف المائي).
    5-4-4-3- دور الجغرافية في حماية التربة والغلاف الصخري: (سيتم الحديث عنه في فصل الغلاف الصخري).
    5-4-4-4- دور الجغرافية في حماية البيئة من الحروب وسباق التسلح:
    قبل الحديث عن دور الجغرافية في حماية البيئة من الحروب وسباق التسلح، فإنه لا بد من التذكير، والتأكيد على وجود علاقة وثيقة بين الجغرافيا والحروب، لأن المعارك الحربية التقاء بين قوتين بشريتين في ميدان أو مكان ما، إما أن يكون رقعة من الأرض(على اليابسة)، أو مسطحاً مائياً، أو قد تكون هذه المعارك في الجو، وميدان المعركة هو مكان، يتميز بخصائص طبيعية وبشرية مختلفة، وخصائص المكان نتاج تفاعل مستمر بين الإنسان والظروف الطبيعية المتمثلة في الموقع والسطح والمظاهر الطبوغرافية، والنباتات الطبيعية سواءً أكانت أعشاباً أم غابات، وكذلك المناخ الذي يؤثر بعناصره المختلفة من حرارة ورياح وأمطار وسحب تأثيراً كبيراً في نتائج المعارك.
    ويكون للموقع الجغرافي دوراً مهم في نتائج المعارك الحربية، وذلك حسب أهميته ومكانته ألاستراتيجيه....، ولا شك أن معرفة الخصائص الجغرافية لميدان المعارك، تتيح قيادة ناجحة للمعارك، وتتيح للجيش الذي يحسن الاستفادة من الظروف الجغرافية لميدان المعركة أن يحقق الكثير من خططه( ).
    لا ريب في أن احتمال نشوب حرب نووية أو نزاع عسكري، أضيق نطاقاً، تستخدم فيه أسلحة الدمار الجماعي، هو الخطر الأشد فتكاً بين الأخطار التي تواجه البيئة، والإجهاد البيئي هو سبب ونتيجة على حد سواء للتوتر السياسي والنزاع السياسي، وغالباً ما تصارعت الأمم لفرض أو مقاومة السيطرة على المواد الأولية، وإمدادات الطاقة، والأرض وأحواض الأنهار، والممرات البحرية وغيرها من الموارد البيئية الأساسية، ومن المرجح أن تتفاقم هذه النزاعات مع ازدياد شح الموارد واشتداد التنافس عليها( ).
    وتستطيع الجغرافية القيام بدور طليعي في شرح وتوضيح مخاطر الحروب والنزاعات المسلحة التي تؤدي إلى وقوع خسائر كبيرة بشرية ومادية وبيئية بشكل عام، وتبين أيضاً كيف يتفاعل شح الموارد وسوء توزيعها، مع الجهل والفقر والتخلف، ومع الظلم وعدم المساواة، ومع النزاعات المسلحة والحروب، وكيف تتفاعل كل هذه الأمور مع المشكلات البيئية وتزيدها حدة وتفاقماً.
    و تستطيع الجغرافية أيضاً شرح وبيان المخاطر الكارثية الناتجة عن سباق التسلح العالمي، وأنه في ضوء هذا السباق فإن غياب الحرب لا يعني السلام بسبب زيادة المخاوف المتبادلة بين الدول والشعوب، وقد زاد الإنفاق العسكري العالمي عام 1985 على 900 مليار دولار أمريكي، وتضاعف الإنفاق العسكري في البلدان النامية عدة مرات، وبشكل عام فإن الإنفاق العسكري يبلغ نحو 1000 مليار دولار بالسنة، و 70 % من مبيعات الأسلحة الثقيلة يتجه إلى العالم الثالث. في حين يجب توجيه هذا الإنفاق لتأمين المياه النظيفة، ومنشآت البنية التحتية، ومكافحة الفقر والجهل، وحماية البيئة، وتحقيق التنمية المستدامة بمختلف أشكالها.
    ويمكن للجغرافية أن تقوم بدور مهم جداً في توضيح مخاطر أسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً، الكيميائية والجرثومية (والقنابل العنقودية، واليورانيوم المنضب الخ) والأسلحة النووية بشكل خاص، وذلك لقطاعات واسعة من السكان، من خلال الكتب والمحاضرات والمقالات وعبر وسائل الإعلام المختلفة، خاصة في هذا العصر، حيث أصبح العالم قرية صغيرة تتفاعل فيه الأحداث والعلاقات بشكل مكشوف إلى حدٍ كبير.
    إن الآثار المحتملة للحرب النووية، تجعل المخاطر الأخرى التي تهدد البيئة باهتة وغير ذات أهمية، وهذا ما تبينه السيناريوهات التي تجريها مراكز الأبحاث العالمية، والتي تتحدث عما قد يعقب الحرب النووية من شتاء نووي، وربما نهاية الحياة على سطح الأرض، ولن يكون هناك غالب أو مغلوب بالنتيجة.
    وفي السنوات الأخيرة وجه الجغرافيون اهتماماً كبيراً لمسألة التأثيرات الكارثية للحرائق الناتجة عن التفجيرات النووية فوق سطح الأرض، إذ إن هذه الحرائق تؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الدخان، وجزيئات الغبار (الايرزول)، التي تؤدي إلى خفض كمية الأشعة الشمسية الواصلة إلى سطح الأرض بمقدار يصل إلى 95 %، ومثل هذا التأثير المهم يسبب تبرد المناخ بشكل كبير، وقد نشر عدد من الجغرافيين أبحاثاً علمية حول هذا التأثير بينت حدوث تغيرات مناخية مختلفة، وتغير قيم الشفافية الجوية، وحدوث عامل البيت الزجاجي (ظاهرة الاحتباس الحراري).
    وقد قام فريق من جامعة لينينغراد (سان بطرس بورغ حالياً)، عام 1960 بقياس كمية الأشعة الشمسية في الغلاف الجوي على ارتفاع 30 كم، وذلك عقب إجراء تجارب نووية وتبين حدوث نقص في كمية هذه الأشعة بمعدل 7 %، ويعود ذلك إلى زيادة كمية ثاني أكسيد الآزوت في الغلاف الجوي بسبب التفجيرات النووية، ويمكن أن يسبب ذلك نقصاً في درجات الحرارة بمقدار 0.3 درجة مئوية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وأظهرت هذه الدراسة حدوث تبرد في درجات الحرارة في عقد الستينات من القرن العشرين وعزت ذلك إلى التجارب النووية في تلك الفترة( ).
    وبينت الدراسات المختلفة أن إجراء التجارب النووية يؤدي إلى تغير التركيب الكيميائي في الجو مما يؤدي إلى تغير شديد في المناخ العالمي وإلى حدوث كارثة إيكولوجية، لا تنحصر فقط في حدوث الشتاء النووي، ولكن في حدوث تشوش وعدم استقرار مناخي، ومن المناسب هنا الإشارة إلى أنه بين عامي 1945 و 1978 وقع 1165 انفجاراً نووياً معظمها لاختبار الأسلحة، منها 498 قبل معاهدة 1963م، لتحريم الاختبارات النووية في الجو، والباقي بعد توقيع الاتفاقية.
    وهنا يبدو جلياً أهمية دور الجغرافية إلى جانب العلوم الأخرى في دراسة هذه المشكلة، كما أن الجغرافية يمكنها أن تقدم خرائط واضحة تبين مناطق انتشار التلوث النووي الناتج عن كوارث نووية مختلفة، واقعية أو محتملة، ومن هذه الخرائط مثلاً أطلس الحرب النووية الذي وضعه الجغرافي الأمريكي الشهير(ف. يونغ)، وهو أطلس ذو أهمية وفائدة كبيرتين، ومن خلال الخرائط المختلفة كالخرائط التطابقية (Overlays Mapping)، وخرائط الحاسوب التي يستخدم فيها نظم المعلومات الجغرافية (G I S)، ومعطيات الاستشعار عن بعد، يمكن للجغرافية الإسهام في عمليات التخطيط والتقويم البيئي، ودراسة الكثير من الظواهر البيئية، والتنبؤ بأنواع الضغوط التي يسببها استخدام الأسلحة على الأنظمة البيئية المختلفة.
    5-4-4-5- دور الجغرافية في حماية الغطاء النباتي:
    يعد الغطاء النباتي بما في ذلك الغابات من الموارد الطبيعية المتجددة، ولكنها بسبب تدخل الإنسان يمكن أن تصبح قابلة للنفاد ومعرضة للتدهور، وللغطاء النباتي دور مهم جداً في تطور الغلاف الحيوي وتطور الحياة عامة، ونظراًً إلى الفوائد الكثيرة التي يقدمها الغطاء النباتي في حفظ التوازن والاستقرار البيئي، فالغطاء النباتي يساهم في تنظيم دورة الأكسجين والكربون والماء وغيرها من الدورات الطبيعية، وفي حماية التربة وتزويدها بالمواد العضوية، وفي تقديم فوائد بيئية واقتصادية وعلمية لا حصر لها، ومواد أولية تستخدم في البناء، والتدفئة وفي الكثير من الصناعات الخشبية والورقية والطبية، وهي ذات قيم مختلفة، جمالية، وصحية، وحضارية، وغذائية، ودوائية، وعلاجية، ومناخية، وبيئية، خاصة الغابات.
    تغطي الغابات نحو ربع مساحة اليابسة، وتختلف في مساحتها ونوعيتها وتوزعها باختلاف عناصر البيئة التي تنتمي إليها كالمناخ والتربة وغير ذلك، ومن أنواع هذه الغابات:
    3 - الغابات الاستوائية المطيرة 1 - الغابات الصنوبرية الشمالية
    4 - الغابات المتوسطية الخ.... 2 - الغابات المتساقطة الأوراق
    وعلى سبيل المثال فإن بيئة الغابات الاستوائية المطيرة (Tropical rain forests)، التي تقع بالقرب من خط الاستواء حيث تسقط الأمطار الغزيرة طول العام، وتظهر هذه الغابات في أواسط أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وشرق جبال الأنديز، وأجزاء من جنوبي قارة آسيا، وتتميز بيئة هذه الغابات بسقوط الأمطار الغزيرة التي تتراوح بين 1500- 4500 ميليمتر في السنة، والرطوبة النسبية نحو 80 %، والحرارة لا تقل عن 20 درجة مئوية، وتشكل هذه الغابات نظاماَ بيئياَ ذا قدرة إنتاجية مرتفعة حيث تتنوع مصادر الغذاء ويشتد التنوع الحيوي الذي يعتقد أنه أغنى من التنوع الحيوي في أي بقعة أخرى على سطح الأرض، ولذلك يزداد تعقيد النظام البيئي مما يسهم في زيادة استقراره وتوازنه.
    والمخاطر والمشكلات الناجمة عن القضاء على الغطاء النباتي لا تعد ولا تحصى، وهذه المخاطر تظهر في مناطق مختلفة من العالم وفي مختلف القارات، حيث تتعرض مناطق واسعة من العالم في آسيا وأمريكا واستراليا وغيرها، لحدوث فياضانات مائية مدمرة، وانجراف شديد للتربة ومكوناتها، والقضاء على الكثير من الكائنات الحية المختلفة، وربما النادرة أحياناً، وتدمير المزارع والقرى والمدن، وتهجير السكان، وبالنتيجة الإخلال بالتوازن البيئي بشكل عام.
    والجغرافية يمكن أن تساعد، بفروعها العلمية المختلفة، الطبيعية والبشرية، كالجغرافية الحيوية، والجغرافية البيئية وغيرها، في حماية الغطاء النباتي، من خلال ما تقدمه من دراسات متكاملة عن الغطاء النباتي ومكوناته، وأنواعه، وتوزعه، والعوامل المؤثرة في ذلك، وأهميته وفوائده، والمخاطر التي يتعرض لها وأسبابها ومصادرها الطبيعية والبشرية، واقتراح أهم الإجراءات التي يمكن إتباعها من أجل تحقيق ذلك ويمكن أن نذكر الكثير من هذه الإجراءات.
    - بعض الإجراءات التي يمكن إتباعها لحماية الغطاء النباتي:
    1- حماية الغطاء النباتي من الرعي الجائر.
    2- حماية الغطاء النباتي من الحرائق.
    3- الاستغلال العقلاني لأشجار الغابات وحمايتها.
    4- حماية الغابات من القطع والحرق والمرض، ومكافحة ذلك.
    5- حماية الغطاء النباتي من التعديات المختلفة الضارة الناجمة عن الأنشطة السياحية أو التجارية أو الصناعية أو غيرها.
    6- زيادة المساحات الخضراء، والتشجير الصناعي بالأنواع الشجرية المناسبة.
    7- القيام بعمليات جادة لتحقيق حماية مؤقتة أو موسمية، أو دائمة، لمناطق محددة من الغابات أو المراعي، كمنتزهات أو حدائق أو محميات الخ.
    8- إنشاء شبكة رصد ومراقبة (Monitor)، لرصد أي تغير أو اعتداء على الغابات ومكافحته.
    9- دراسة وتقدير الخسائر الاقتصادية والبيئية، التي تتعرض لها الغابات بسبب التلوث وبسبب التأثيرات البشرية السلبية.
    5 - 4 - 4 - 6 - دور الجغرافية في حماية مناطق السياحة والاصطياف والاستجمام:
    لن أقوم هنا بتعريف مفاهيم السياحة، والاصطياف، والنزهة، والاستجمام، وغيرها من الأنشطة ذات الصلة، ومن المعروف أن لكل منها تعريفه وخصائصه ومشكلاته، وإنما سأكتفي بذكر بعض الملاحظات عن أهميتها، ودور الجغرافية في حمايتها، ومن المعروف أن مثل هذه المناطق لها أهمية كبيرة في حياة الإنسان والمجتمع البشري، ويقدر الباحثون أن فترات الراحة والاستجمام لها دور كبير في زيادة القدرة الإنتاجية للإنسان، وفي نشر الثقافة والمعرفة، وتحسين الحالة الصحية، وهذا الدور يتجلى في الأمور التالية:
    1- انخفاض الأمراض القلبية الوعائية إلى النصف.
    2- تخفيف التشوش الفكري والأمراض النفسية.
    3- خفض نسبة الأمراض النفسية بنسبة 40 % تقريباً.
    4- خفض نسبة الأمراض والآلام العصبية، والعظمية، والعضلية بنسبة 30 % تقريباً.
    5- خفض نسبة أمراض الجهاز الهضمي بنسبة 20 % تقريباً( ).
    وتستأثر السياحة باهتمام متزايد من قبل الحكومات والمؤسسات الدولية المعنية بشؤون التنمية، لأن السياحة تقدم الكثير من القطع الأجنبي الضروري لتمويل قطاعات اقتصادية أخرى، فالاستثمار في مجالات الخدمات السياحية يمكن أن يكون مربحا من الناحية المالية مع معدلات عالية من الدخل.
    وتتعرض التنمية السياحية لبعض المشكلات البيئية الخاصة، فالموارد البيئية المستثمرة في السياحة تجتذب الزوار بسبب جمالها الفريد والمتميز، أو إمكاناتها الاستجمامية، أو القيم الثقافية أو المعرفية التي تتمتع بها، وغالبا ما تتعرض المناطق ذات الموارد المهمة في السياحة كالجزر، والجبال، والغابات، وضفاف الأنهار، وسواحل البحار، وغيرها للتخريب والأذى.
    إن التمتع بالمحيط البيئي الذي يجتذب السياح كان يجري في الغالب من دون مقابل، ولم يكن يشغل بال مخططي التنمية السياحية، ولكن هذا الأمر تغير مؤخرا ولم يبق كما كان في الماضي، بعد أن تبين حجم الخسائر التي يمكن أن تتكبدها البيئة، لأن التوجه نحو تحقيق الحد الأقصى من الأرباح في مجال السياحة قد يؤدي إلى الإضرار والتدهور في التجمعات البيئية السياحية، والأماكن ذات المعالم الطبيعة الجميلة أو المتميزة، وذلك من خلال الإفراط والمبالغة في أعمال البناء، وفي الكثافة الكبيرة في أعداد السياح والمصطافين أو الزوار بشكل يفوق طاقة المكان والخدمات والتجهيزات المتوافرة فيه عن استيعاب هذه الأعداد وتحملها.
    والجغرافية تستطيع الإسهام بفعالية عالية في تخطيط المناطق السياحية وحمايتها، وأخذ الاعتبارات البيئية بالحسبان في كل ذلك. ويعد التخطيط السياحي عملا متميزا وفريدا وفي صلب عمل الجغرافي، ويهدف إلى تخطيط الأقاليم السياحية، وتحديد التوزيع الأفضل لمواقع الفنادق والمنشآت السياحية والخدمات المرتبطة بها، وتحديد الطاقة الاحتمالية بالنسبة إلى عدد السياح، ولأي نمط أو شكل آخر من أشكال استخدام هذه الأقاليم، وتختلف هذه الطاقة تبعا لمدى حساسية المنطقة المعنية، ولطبيعة النشاط السياحي. فبعض الأوساط البيئية تكون أكثر حساسية بيئية، وسريعة التأثر، ومعرضة للتخريب واختلال التوازن البيئي فيها.
    إن التخطيط السياحي فيها يتطلب دقة ودراية يتم من خلالها تحديد عدد الزائرين، وفترات الزيارة، وعلاقة الزوار بالمحيط وعناصره المختلفة، لذلك فإن عملية تقييم الموارد والمعالم الطبيعية الملائمة للسياحة ترتبط بشكل وثيق بإجراء عملية مسح للموارد الطبيعية، والمنظومات البيئية الفريدة، والقيم الثقافية والحضارية، أو أية معالم أخرى تجتذب السياحة، وتقديرها بشكل صحيح. مع التأكيد أن أكبر ربح يتحقق من السياحة، هو الربح الكبير الذي يتحقق من الالتزام بالمحافظة على معالم المحيط البيئي وحمايته.
    5-4-5- دور العلوم الإنسانية في حماية البيئة:
    عانت البيئة في الفترة الأخيرة وما زالت تعاني من تغيرات شديدة وخطيرة في كثير من الأحيان، وكان النشاط البشري السبب الرئيس في معظمها، هذا التأثير الذي تطور بشكل تدريجي وبطيء عبر الزمن الطويل، ليأخذ الشكل الصاعق والدراماتيكي بعد الثورة الصناعية، ونحن الآن في بداية القرن الحادي والعشرين فإن المشكلة البيئية تشكل أحد أهم المشكلات التي تواجه البشرية، وتحتاج إلى مضاعفة الجهود المبذولة على كافة المستويات، وتضافر الجهود الفردية والجماعية والعلمية والإنسانية، من أجل حل هذه المشكلة أو التخفيف من حدتها، حمايةً للإنسان والجنس البشري، وحماية مختلف أشكال الكائنات الحية،التي خلقها الله سبحانه وتعالى، انطلاقاً من أهمية كل كائن حي مهما كان بسيطاً وإدراكاً لدوره البيئي الذي نعرفه أو لا نزال نجهله.
    صحيح أن حماية البيئة أصبحت الشغل الشاغل للكثير من المجتمعات والمؤسسات والمنظمات الحكومية والدولية والأهلية وغيرها، ولكن برغم تنامي هذا الاهتمام العالمي بالبيئة، فإن البيئة ليست في أحسن حال، بل إنها تئن وتترنح من جراء زيادة الضغط، أو العبء البيئي عليها، ولأسباب مختلفة، يأتي في مقدمها زيادة التأثيرات البشرية المصطنعة، التي حاول الكثيرون معالجتها أو النظر إليها من خلال البعد التقني، دون إيفاء أو إيلاء الاهتمام الكافي للبعد الإنساني لهذه المشكلة، ولذلك فمن المهم إظهار أهمية كل من العلوم الإنسانية، والشرعية، والتربوية في حماية البيئة، وتبيان الدور المهم الذي يمكن أن تقوم به هذه العلوم مجتمعة أو فرادى إلى جانب مختلف الفروع العلمية في نشر الوعي البيئي وحماية البيئة.
    - البعد الإنساني والبعد التقني:
    وإذا كانت حماية البيئة هي أسلوب للتعامل مع البيئة يأخذ بالحسبان اتزانها ومحدودية مواردها لكي تبقى المأوى المريح للإنسان، فإن هذا يستدعي العمل من أجل إقامة علاقة صداقة وانسجام بين الإنسان والبيئة، وهذا يتطلب فهم العلوم الإنسانية في هذا الاتجاه وتوظيفها. والتيقن أنه من العبث علاج مشكلات العصر بما في ذلك المشكلات البيئية عن طريق المعارف التقنية فقط، بل لا بد من مشاركة فعالة للعلوم الشرعية والتربوية والإنسانية، هذه العلوم التي تثير في الإنسان تفكيراً عميقاً يؤدي به إلى إتباع سياسة أو فلسفة جديدة تضع الإنسان في مكانه الحقيقي ضمن النظام البيئي، باعتباره أحد العناصر المكونة لهذا النظام، ومن خلال هذه العلوم يتم العمل بشكل إيجابي على تغيير التفكير السلبي والأناني للإنسان، وتغيير سلوكه، وتسليحه بأخلاق بيئية، وثقافة بيئية مناسبة وكفيلة بجعله مشاركاً فاعلاً في حماية البيئة وحماية مكوناتها، هذه المكونات التي تشمل بشكل عام ثلاث مجموعات من الأنظمة هي: النظام البيولوجي، والنظام الاجتماعي، والنظام التقني، والعلاقات المتبادلة بين هذه الأنظمة.
    ومن المعروف أن المشكلات البيئية تنجم عن فشل أو تعارض التفاعلات بين هذه الأنظمة، والعلوم الإنسانية تستطيع الإسهام في تحليل هذا التعارض أو الفشل، باعتبار أن التكنولوجيا هي نتاج محيط اجتماعي محدد، هو الذي يحدد أنواعها واستخداماتها للوفاء بطلب اجتماعي معين، والتكنولوجيا بحد ذاتها محايدة، والإنسان هو الذي يتحكم بمجمل هذه الأشياء، فهو الذي يتحكم بالنظام التقني، ويمكن بقرار صائب منه أن يمنع وقوع كارثة بيئية والعكس صحيح.
    - دور العلوم الإنسانية في تعزيز القيم والأخلاق البيئية:
    إن الكثير من المشكلات البيئية سببها الرئيس التخلي عن القيم التقليدية المتوارثة والمرتبطة بالتعاليم السماوية، والتقاليد التي تعد الموارد الطبيعية نعماً استخلف عليها الإنسان، ومن واجبه المحافظة عليها، لأن الموارد الطبيعية كافية لتأمين حاجات الإنسان وغيره من الكائنات الحية فيما لو تم توزيعها بشكل عادل وتمت المحافظة عليها، واستغلالها بشكل عقلاني، بعيداً عن الإسراف والهدر، وهذا ما أكدت عليه الكتب السماوية وفي مقدمها القرآن الكريم، الذي بين في آيات كثيرة أن الله سبحانه وتعالى سخر موارد الطبيعة للإنسان، ولكنه نهاه عن إفسادها أو الإسراف فيها، كقوله تعالى: )وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أُكلُهُ والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابهٍ كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين[، (الأنعام 141).
    إن عامل الأخلاق مهم جداً في حماية البيئة وحماية الإنسان، وله دور إيجابي فعال جداً في هذا المجال، وقد عزا العالم الروسي (ليغاسوف. ف. أ)، كارثة محطة الطاقة النووية في تشرنوبل، التي وقعت في أوكرانيا في 26 أبريل 1986 م، إلى العامل الأخلاقي، وقال بما معناه: إن التكنولوجيا التي يفخر بها الشعب السوفييتي، التي أدت إلى طيران يوري غاغارين في أول مركبة فضائية صنعها بشر تربوا على أفكار تولستوي وديستوفسكي، ويتابع إن الذين صنعوا تلك التقنية تربوا على أعظم الأفكار الإنسانية، وتجلت مشاعرهم الأخلاقية النبيلة في كل شيء، في علاقة الصديق بصديقه، وعلاقة الإنسان بواجباته، وعلاقته بالتكنولوجيا التي كانت بمثابة التعبير عن أخلاقهم ومبادئهم( ).
    ومن الواضح أن ليغاسوف يحمل الإهمال وتراجع الإحساس بالمسؤولية، والفساد الأخلاقي مسؤولية الكارثة أكثر مما يحملها للجانب التقني.
    وإذا كان هذا ما يقوله ليغاسوف عن الأدب وتولستوي، فإن تولستوي نفسه كان يكن احتراماً كبيراً للتاريخ العربي والأدب والثقافة العربية، ومعجباً بها، وكان يرى أن تربية الجيل الصاعد تتعذر في حالة فقدان كل ما هو قيم حقاً مما ادخرته الشعوب في بحثها عن أصول التعامل الخلقية، وفي موقف بعضها من بعض ومن البيئة( ).
    وإذا كانت البيئة لا تعني المكان فقط أو الإنسان بشكل مجرد، وإنما تعني المكان والإنسان، أي أنها تعني الوطن والمواطن، وحماية البيئة هي حماية للوطن ومقدراته ومكوناته وموارده المختلفة.
    والعلوم الإنسانية مطالبة بتأكيد الأفكار والقيم النبيلة المستوحاة من التاريخ العربي والإسلامي العظيم، تاريخ الرسل والأنبياء والخلفاء الراشدين والقادة العظماء، لأن التأكيد على هذه المبادئ والقيم النبيلة وغرسها في فكر الإنسان وعقله وثقافتة، هو الذي يجعل هذا الإنسان مواطناً يتميز بالتفاعل الروحي مع مقدسات الوطن التي تشمل البشر والحجر (وهذه هي مكونات البيئة).
    - دور العلوم الإنسانية في توطيد السلوك البيئي السليم:
    إذا كانت مشكلة تلوث البيئة هي قبل كل شيء مشكلة إنسانية، فهذا يعني أنها مشكلة سلوكية، تتعلق بسلوك الإنسان وموقفه من البيئة التي يعيش فيها، وبالتالي فإن معرفة أشكال السلوك الإنساني تجاه البيئة مسألة مهمة لفهم المشكلة المطروحة من جهة، وتوجيه السلوك من خلال دعم وتقوية أو إحياء أشكال السلوك المناسبة، أو إيجاد أشكال جديدة من السلوك قائمة على أسس بيئية سليمة تحترم البيئة ومكوناتها مهما كانت، وهذا يعني أن حل المشكلات البيئة سواءً تلك التي تتعلق بالتقدم الاجتماعي، والتطور الاقتصادي المتسارع، أو تلك الناتجة عن التخلف وسوء إدارة المشروعات الاقتصادية، أو بسبب الحروب المحلية والإقليمية والدولية، يرتبط قبل كل شيء بتعزيز دور العامل البشري( ).
    وهذا التعزيز لا يمكن أن يتم إلا بزيادة احترام الإنسان، واحترام قدراته ومنجزاته، وبتضافر جميع الجهود للاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية بشكل عقلاني ورشيد، وهنا يتجلى بوضوح دور العلوم الإنسانية في تكوين قناعات بيئية مناسبة وصحيحة لدى كل إنسان، وهذه القناعات تحدد نشاطه الإنساني وسلوكه في مجال حماية البيئة، والتأكيد من خلال كل فرع من فروعها العلمية على العلاقة الوثيقة بين تفاقم المشكلات البيئية من جهة، وبين تدني القيم والمبادئ الأخلاقية وتراجعها، والتوجه نحو مفاهيم ومصطلحات أنانية ومغلوطة من جهة ثانية، وأقل ما يقال في هذه التوجهات أنها مرفوضة ومستهجنة ومنبوذة من الشرائع الدينية، وبعيدة عن القيم الإنسانية النبيلة، التي تكونت وتراكمت عبر الزمن، والتي تحض على السلوك البيئي السليم البعيد عن معايير الربح والاستنزاف الجائر والمفرط للموارد الطبيعية، الذي يؤدي إلى تأثيرات سلبية على البيئة والإنسان، وهذه التأثيرات تتزايد بشكل تدريجي، وتؤدي في النهاية إلى فساد بيئي لا رجعة فيه، وهذا المهاتما غاندي يقول: «إن الأرض تكفي لتوفير حاجات كل فرد، وليس أطماع كل فرد».
    5-4-6- دور علوم الآثار والتاريخ في حماية البيئة:
    لقد حظي علم الآثار البيئيEnvironment Archaeology باهتمام كبير في الفترة الأخيرة، نظراً إلى أهميته وأهمية النتائج التي توصل إليها في دراسة التغيرات البيئية في مناطق مختلفة من العالم، وهذا العلم يفيدنا في دراسة نوعية هذه التغيرات وأسبابها الطبيعية والبشرية، وآثارها على البيئة ومكوناتها، بما في ذلك أثارها على الإنسان والمجتمع البشري، وعلى تطور الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية.
    أضف إلى ذلك أنه من دون معرفة تاريخ أي منظومة بيئية - جغرافية وماضيها فإنه لا يمكن فهم حاضرها ومستقبلها، ولذلك فإن المنهج التاريخي يساعد في دراسة البيئة.
    ويرى البعض أن تاريخ البيئة Environment History هو ميدان جامع للتخصصات حقاً، ذو أبعاد ليس في التاريخ وعلم الآثار والجغرافية وحسب، وإنما أيضاً في علوم الأرض والعلوم البيولوجية والطبية، وهو ميدان تمخض عن واحد من أقدم التحالفات بين التخصصات في الزمن الأكاديمي الحديث، وهو التحالف بين الجغرافية والتاريخ، حيث يوجد التاريخ على الحدود بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، وتوجد الجغرافية على الحدود بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية( ).
    إن التاريخ الطبيعي ميدان مهم للدراسات البيئية لأنه يلقي المزيد من الضوء على تاريخ تطور الإنسان الحضاري والاجتماعي، وعلى علاقة الإنسان بالوسط المحيط وبالكائنات الحية، وتطور هذه العلاقة، والتغيرات التي رافقتها بالنسبة للإنسان من جهة، وللبيئة ومكوناتها من جهة أخرى.
    وهذا يقود أو يؤدي أو يجب أن يقود إلى أخذ العبر من ذلك، أو على الأقل يقود إلى نوع جديد من التفكير يمكن تسميته بالتفكير البيئي، وهذا يعطي امتيازاً يمكن من استباق الحوادث، أو الكوارث، والتحذير من النتائج التي يمكن أن تنتج عنها، والدرس المهم الذي يمكن تعلمه من خلال ذلك هو أن الإنسان جزء من الطبيعة، وأن بقية الطبيعة لم توجد لكي يستغلها الإنسان كيفا شاء، رغم إدعاء البعض أو رغبة الكثيرين بسيادة الإنسان في الطبيعة.
    أسباب بيئية لانهيار الحضارات:
    ومن خلال علوم التاريخ والآثار يمكن التعرف إلى بعض الحضارات التي تعرضت للفناء لأسباب مختلفة، منها أسباب بيئية في كثير من الحالات( ). لأنها كانت ضحايا أخطائها وإفراطها في استثمار الموارد الطبيعية المتاحة لديها، من هذه الحضارات ما كان قائماً في حوض البحر المتوسط، وأسهم قطع أشجار الغابات في اليونان وسورية ولبنان (أرز لبنان) في تدهور البيئة والقضاء على الحضارات التي كانت قائمة هنا، وهذا الأمر ينطبق على حضارة سبأ في جنوب اليمن، الذين بلغوا بفضل الله درجة عالية من التحضر مكنتهم من التحكم في مياه الأمطار وبناء سد مأرب، ولكنهم أعرضوا عما أمرهم به الله، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد، كما أن هذا السد لم يستوعب الأمطار الغزيرة التي هطلت على المنطقة، وحطمت السد وجرفته وجرفت معها كل شيء، وأدى ذلك إلى تغيرات سلبية في النظام البيئي اختفت معه هذه الحضارة العريقة( ).
    وقد ذكرت هذه القصة في القرآن الكريم إذ يقول تعالى:
    )لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ[ )فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ[ )ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجازي إِلاَّ الْكَفُورَ[ (سبأ 15، 16، 17).
    ومن الحضارات والإمبراطوريات التي زالت لأسباب بيئية بالدرجة الأولى، حضارات المايا والازتك وهم هنود أمريكا اللاتينية، وكانت لدى المايا إمبراطورية مزدهرة بين (320-987 م)، ولكنها تلاشت لأسباب بيئية مناخية، وهذا يبين الدور الكبير الذي تلعبه التغيرات المناخية والبيئية في نشوء الحضارات، وفي اندثارها أيضاً(§).
    وهذا الأمر ينطبق أيضاً على حضارة الخمير التي قامت في الشرق الأقصى، بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلادي، وهذه الحضارة اندثرت في غالب الأحوال، بسبب سوء استخدام المياه والإسراف في بناء السدود وتغيير الوضع الهيدرولوجي في هذه البلاد، مما أدى إلى فقدان التوازن التدريجي بين الإنسان وبيئته( ).
    وهكذا نستطيع من خلال علوم التاريخ والآثار معرفة زمان التغيرات التي تعرضت لها البيئة ومكانها، وأن هذه التغيرات ليست وليدة اليوم، وليست مقتصرة على مكان دون آخر، وهي تعكس تطور ثقافة البشر وتراكم خبراتهم، واختلاف تأثيرهم في البيئة عبر المراحل التاريخية.
    5-4-7- دور علوم الاجتماع، والفلسفة في حماية البيئة:
    أياً كانت البيئة التي تتم دراستها، أو الحديث عنها، فهي تشكل مهد النشاط البشري، وبالتالي فهي محط اهتمام علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة هذا النشاط، وكذلك دراسة الظاهرات المرضية التي تتعرض لها الأنظمة البيئية الاجتماعية، كالجريمة والجنوح والمخدرات والانتحار، وبعض الأمراض النفسية، وغير ذلك من الظاهرات التي تعاني منها معظم المجتمعات والدول، ولكنها تشتد في المجتمعات الصناعية والمدنية بشكل خاص.
    وهذه الظاهرات تعد مشكلات بيئية، أو هي انعكاس لهذه المشكلات التي تقود إلى تفكك المجتمع وتعرضه لهذه المشكلات، وعلم الاجتماع مع غيره من العلوم الإنسانية يقوم بدراسة هذه المشكلات، وتقصي أسبابها، ومصادرها ونتائجها، والعمل على الوقاية منها، من خلال دراسة الظروف الطبيعية والاجتماعية المحيطة بالإنسان والتي تدفعه للقيام بأفعال معينة. بما في ذلك دراسة مسائل مثل الانفجار السكاني، وأثره في البيئة، وما يتطلبه حل هذه المسائل من تنظيم الأسرة والاستفادة من التجارب والخبرات المناسبة للدول الأخرى في هذا المجال.
    أما الفلسفة فقد كان ولا يزال لها دور مهم في حماية البيئة، وقد طرح العديد من الفلاسفة مبادئ بيئية (إيكولوجية) هامة، تؤكد أهمية العلاقة بين الإنسان والبيئة، وكمثال على ذلك المبدأ الذي طرحه الفيلسوف فرانسيس بيكون، في القرن السابع عشر عندما قال: إننا لا نملك حق إصدار القوانين للطبيعة بقدر ما نملك من تقديم فروض الولاء والطاعة لها.
    وتم طرح الكثير من النظريات والأفكار والمبادئ المشابهة، التي تدعو إلى وحدة الإنسان والطبيعة، ووحدة الوجود، وخطر اعتبار الإنسان سيد الطبيعة وفوق قوانينها ونواميسها.
    أو كما يقول آرن نايس، في رؤيته تحت عنوان الإيكولوجيا العميقة: إننا بحاجة إلى فلسفة سياسية وأخلاقية جديدة ترى البشر من حيث هم في الطبيعة ومنها وبها، وليسوا متعالين عليها( ). كما اهتم الكثير من الفلاسفة والمفكرين العرب والمسلمين بالبيئة وحمايتها، مثل ابن خلدون وغيره ممن تحدثنا عنهم في غير مكان في هذا الكتاب(§).
    5-4-8- دور العلوم الدينية في حماية البيئة:
    إذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق الكون وسخر الأرض وما يحيط بها ليوفر للإنسان مقومات الحياة وعوامل البقاء، وهو بذلك يعينه على أداء مهمته التي خلقه من أجلها التي تتلخص في إعمار هذا الكون وعبادة الله، يقول تعالى: )وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ[ (الذاريات 56)، وإذا كان الأمر كذلك فحري ببني الإنسان الالتزام في تعاملهم مع البيئة بالقيم والمبادئ التي أمر بها الخالق، وأوصى بها الرسل والأنبياء في الديانات السماوية جميعا، اليهودية والمسيحية والإسلامية, وقد حض الكثير من رجال الدين في العديد من دول العالم، وفي الكثير من المناسبات والمؤتمرات، على أهمية حماية البيئة وتطبيق الاتفاقات الدولية لحماية البيئة، والمحافظة على نظافتها وعلى مختلف مواردها من التلوث والتخريب أيا كان سبب ذلك، وعدم الإفساد في الأرض وحماية الحرث والنسل والرأفة بالحيوان وغيره من الكائنات الحية التي تشارك الإنسان الحياة على هذه الأرض.
    ولكن الإنسان وللأسف في كثير من الأحيان لم يلتزم بهذه القواعد والمبادئ، وأساء التعامل مع البيئة لأسباب كثيرة، مما أدى إلى تلوث الهواء والماء والتربة.
    وعلى سبيل المثال فإن الدين الإسلامي الحنيف يحض على حماية البيئة وعلى الانتفاع بمواردها بالشكل السليم والصحيح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، ويصون البيئة من التلوث والفساد. ولأن الإنسان يعد جزءا من الكون الفسيح ولكنه يعد الجزء المتميز والفريد في البناء الكوني، لقد منحه الله العقل والفؤاد والحواس، ويقول تعالى: )لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم[ (التين 4). وقوله (وهديناه النجدين) (البلد 10).
    إن صلة الإنسان بالكون كما يصفها القرآن الكريم هي صلة الاستثمار والانتفاع والتعمير والتسخير، وهي صلة الاعتبار والتأمل والتفكير في الكون وما فيه، وقد قضت حكمة الله أن يستخلف الإنسان في الأرض. لذلك فالإنسان الذي يعد جزءا من الأرض، وعنصرا من عناصرها هو أيضا يمكن اعتباره مديرا لها وليس مالكا لها، ومنتفعا بها لا متصرفا مطلقا بها، بمعنى أن الإنسان مستخلف على إدارتها واستثمارها، وهو بذلك مؤتمن، عليها ومن واجبه المحافظة على هذه الأمانة والتصرف فيها تصرف الأمين في حدود أمانته.
    الموارد ملكية مشتركة الواجب حمايتها:
    إن جميع موارد الحياة خلقها الله، والانتفاع بها يعد في نظر الإسلام حقا للجميع ويجب أن يراعى أثناء التصرف فيها حق جميع الناس، ومصلحة الناس الذين هم شركاء فيها سواء كانوا من الأجيال الحالية أو من الأجيال القادمة، ويجب عدم النظر إلى هذه الموارد وحق الانتفاع بها على أنها محصورة في جيل معين أو عدد من الأجيال دون غيرهم، بل هي ملكية مشتركة لجميع الأجيال في كل مكان وزمان ينتفع بها كل جيل بحسب حاجته من دون الإخلال بمصالح الأجيال القادمة.
    إن حق الانتفاع والاستثمار والتسخير الذي شرًعه الله للإنسان يتضمن بالضرورة التزاما من الإنسان بالمحافظة على الموارد الطبيعية من ناحيتي الكم والنوع، فلقد خلق الله للإنسان جميع أسباب الحياة لتحقيق الأهداف التالية: التفكر والعبادة والسكن والتعمير وغير ذلك فلا يجوز للإنسان إفساد البيئة وإخراجها عن طبيعتها المناسبة لحياة الإنسان وغيره من الكائنات الحية التي تشاركه الحياة على هذه الأرض.
    هذا وقد قضت حكمة الله سبحانه على توظيف بعض المخلوقات لخدمة بعضها الآخر دليلا على العناية الإلهية التي تلحظ الكون كله بكل ما فيه، وبًين القرآن الكريم أن كل كائن حي مما نعلمه وما لا نعلمه في هذا العالم له وظيفتان، وظيفة اجتماعية لخدمة الإنسان وتبادل الخدمات، ووظيفة دينية كونه آية تدل على وجود خالقه وعلم وحكمة هذا الخالق العظيم. يقول تعالى: )وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبهِمْ يُحْشَرُونَ[ (الأنعام 38).

  5. #5
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1
    ومما يدل على العلاقات الوظيفية بين عناصر البيئة مثلا أن الله جعل الماء أصل الحياة ومنشأها، إذ يقول تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي). فالنبات والحيوان والإنسان وغير ذلك من الكائنات الحية يرتبط وجودها بوجود الماء واستمرار حياتها متوقف على توافره.
    وتقدم المياه والمسطحات المائية الكثير من الفوائد والمنافع البيئية والاقتصادية والصحية، ولذلك فإن المحافظة على المياه تعد أساس المحافظة على الحياة بأشكالها المختلفة، وعملا بالقاعدة الفقهية التي تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فإن حماية المياه تعد واجبا مقدسا لا يمكن تجاهله بأي شكل من الأشكال، لأن تلويث المياه وتعطيل إمكانية الاستفادة منها هو تعطيل للحياة بأسرها، وإهداره أو تلويثه أو تعطيل إمكانية الاستفادة منه يعد من الأمور المحرمة لأن القاعدة الفقهية تقول: ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
    والهواء لا تقل أهميته عن أهمية الماء وهو ضروري لاستمرار الحياة والمحافظة عليها، فالهواء ضروري للتنفس، وضروري للقيام بوظيفة التلقيح ونقل غبار الطلع من مكان إلى آخر، والكتل الهوائية تقوم بتحريك الغيوم والسحاب من مكان لآخر، والرياح بدورها هي آية دالة على قدرة الله وإتقان صنعته وربما لها وظائف كثيرة لم يتعرف إليها الإنسان بعد. وإذا كان للهواء جميع هذه الوظائف الحيوية الهامة، فإن المحافظة عليه نظيفا يعد جزءا من المحافظة على الحياة نفسها.
    إن هذا الكون المتوازن يشكل نظاما مترابطا متكاملا، تتحرك فيه كافة المسخرات من مجرات وسدم ونجوم وكواكب وأقمار حركة دائمة متوافقة تحكمها قوى محددة. وبالتالي فإنه لا يجوز لنا تجاهل مدى الأخطار التي يمكن أن تسفر عنها التدخلات غير الرشيدة للإنسان في النظام البيئي لأن الخلل في نظام بيئي معين يؤثر سلبا في سائر الأنظمة البيئية الأخرى.
    - تنمية مستدامة:
    إن دعوة الإسلام إلى حماية البيئة من التلوث لا تنطلق من المصلحة الذاتية الآنية، وإنما تنطلق من رؤية بعيدة المدى تهدف إلى الإصلاح وعدم الفساد، وحرص الإسلام على نظافة البيئة وحماية مواردها الطبيعية من التلوث والاستنزاف يقوم على مبدأ الوعي الاجتماعي.
    وكما أنه يوجد توازن طبيعي، يوجد أيضاً توازن اجتماعي، والتوازن الاجتماعي أو توازن البيئة الاجتماعية يتحقق من خلال الصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، فالتوازن ليس توازنا جامداً وإنما هو توازن متحرك يقوم على الصراع والتناقض والتنافس بين القوى المختلفة.
    ولأن الأشجار والنباتات تؤدي عملا مهما في تنقية الهواء من الغبار، وتمتص كميات كبيرة من الملوثات والغازات السامة، وكذلك الأمطار تؤدي وظيفة وقائية للبيئة، إلى جانب دورها الرئيس في إحياء الأرض ونمو النبات والكائنات الحية الأخرى، فهذه الأمطار تساعد في تنظيف الغلاف الجوي من الملوثات التي تسقط معها، ولكن في حال زيادة درجة التلوث فإن هذه العمليات الطبيعية التي تقوم بها الأمطار أو النباتات والأشجار تصبح عاجزة عن تنقية الغلاف الجوي من الملوثات، وهذا يعني أن التلوث تجاوز قدرة الطبيعة على احتوائه والتخلص منه. وكما هو حال الأشجار والأمطار فإن العديد من الحشرات والطيور والقوارض والحيوانات تساهم بشكل أو بآخر في حماية البيئة من التلوث والمحافظة على نظافتها وتوازنها.
    مما سبق يتبين لنا أن التلوث الذي يشكل خطورة حقيقية للإنسان، ويسبب له القلق والإزعاج، ويدفعه إلى البحث عن أسبابه ومحاولة التوصل إلى إيجاد السبل الكفيلة بالوقاية منه وعلاجه، وإيجاد الحلول المناسبة له، هو التلوث الذي يتجاوز القدرة الاستيعابية للبيئة وهو في أغلب الأحيان من صنع الإنسان، وهو مخالفة لسنن الله في الكون، وينجم عن سلوك بشري يتعارض مع قوانين الطبيعة التي خلقها الله.
    إن الفضلات والمخلفات التي تنشأ من الاستعمالات البشرية المختلفة المنزلية والصناعية والزراعية وغيرها لا بد من إزالتها والتخلص منها بطرق صحيحة لأن في ذلك حماية البيئة من الفساد والتخريب، وحماية للإنسان من الأمراض والأضرار، ولكن عمليات التخلص من هذه النفايات والفضلات يجب أن تتم بطريقة تمنع إحداث ضرر مماثل لها وربما أكبر منه لأن القاعدة الفقهية في ذلك تقول: الضرر لا يزال بمثله أو بضرر أكبر منه، وهذا ينطبق على جميع الملوثات الغازية والكيميائية والإشعاعية وكذلك الضجيج والمسكرات والمخدرات وغيرها من المواد الضارة بالصحة البشرية وبالبيئة المحيطة بالإنسان.
    إن العلاج الرئيسي للمشكلات البيئية يكمن في ترشيد وتوطيد العلاقة مع البيئة ومواردها، وفي وضع خطة عمل محددة ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار مسألة حماية البيئة، لأن التصور المادي القاصر هو سبب البلاء، والتقدم التقني لا يجوز أن يتم على حساب الإنسان وصحته وسعادته وبقائه، كما أنه لا يجوز أن نضحي بمستقبل الأجيال القادمة من أجل تحقيق منفعة مادية واقتصادية مشكوك في نتائجها للأجيال الحالية.
    إن التذكير بالمبادئ الدينية الداعية إلى حماية البيئة وعناصرها، يعتبر هذه الأيام أمرا ضروريا، ويستطيع رجال الدين الإسلامي والمسيحي وغيرهم إيضاح المبادئ التي تدعو إلى حماية البيئة والانتفاع بخيراتها التي وهبها الله، بالشكل الصحيح والسليم، وإظهار أهمية النظافة التي تعد دليلاً من دلائل الإيمان، سواء أكانت نظافة الجسد والملبس والمسكن والشارع والحي والمدينة، وكذلك نظافة الماء والتربة والهواء وهذه الأمور لا تتحقق إلا بالتعاون والإيمان وتوفر النظافة المادية والروحية.
    إن حماية البيئة والمحافظة عليها، واجب ديني واجتماعي ووطني وإنساني، وهو واجب فردي، وواجب جماعي، وواجب على ولاة الأمور، وعلى المؤسسات والإدارات الصغيرة منها والكبيرة، لكي يقوم كل منهم بواجبه تجاه البيئة المحيطة به والمساهمة في حمايتها.




    الفصل السادس
    الغلاف الحيوي (البيوسفير)

    - الغلاف الجغرافي (الجيوسفير)
    - الغلاف الجغرافي والمجال الجغرافي
    - الغلاف الحيوي (تعريف الغلاف الحيوي)
    - الكوارث التي تعرض لها الغلاف الحيوي
    - أسباب الكوارث التي تعرض لها الغلاف الحيوي
    - الغلاف الحيوي المعاصر
    - الوسط الحيوي والوسط العقلي
    - حماية الغلاف الحيوي
    - تأثير الإنسان في الغلاف الحيوي في سوريا والوطن العربي في العصور القديمة .



    6-1- الغلاف الجغرافي (Geosphere):
    يشكل الغلاف الجغرافي نظاماً مادياً متكاملاً يغطي جميع أجزاء سطح الأرض، وهو مركب طبيعي معقد، تدخل في تكوينه مجموعة من العناصر المتفاعلة والمتبادلة فيما بينها. وهو نظام طبيعي يتطور ذاتياً وبشكل متكامل، ويكون في حالة التوازن والاتزان المتحرك أو التكراري، الذي يتم بشكل تكراري ودوري منتظم أو غير منتظم للظواهر المتشابهة في فترات زمنية محددة ومنها التغيرات التكرارية في المناخ أو الطاقة. والغلاف الجغرافي في حالة تطور مستمرة نتيجة تبادل المادة والطاقة بين عناصره وهو خاضع لجملة من القوانين الطبيعة، ويتميز بعدد من الخصائص منها( ):
    1- التعاقب الدوري للظواهر الطبيعية التي لها دور كبير في تطور الغلاف الجغرافي.
    2- هجرة العناصر الكيميائية والمعدنية المختلفة وانتقالها، ضمن الأغلفة الجغرافية (الصخري أو المائي أو البيولوجي)، وهذا الانتقال قد يكون طبيعياً، وقد يكون مصطنعاً بتأثير الإنسان ونشاطه الاقتصادي، مثل استخراج المواد الأولية والثروات الباطنية ونقلها.
    3- دورة العناصر في الطبيعة التي تتكرر عملية انتقالها عدة مرات، وبشكل مستمر ومتوازن.
    إن الغلاف الجغرافي مركب معقد وهو يشتمل على كل من الغلاف الصخري (الليثوسفير)، والغلاف المائي (الهيدروسفير)، والغلاف الحيوي (البيوسفير)، وأجزاء من الغلاف الجوي (الاتموسفير). وبحسب ريابتشيكوف فإن وسطي سماكة الغلاف الجغرافي أو حدوده الشاقولية تبلغ نحو 55 كيلو متر وتشكل طبقة التروبوبوز حدوده العليا (وهي الطبقة الانتقالية الفاصلة بين طبقة التروبوسفير، وطبقة الستراتوسفير)، أما حدوده الدنيا فهي حد أو انقطاع موهو، الذي يفصل بين الحدود الدنيا للقشرة الأرضية التي تمثل الجزء الخارجي الصخري الصلب من الكرة الأرضية وبسماكة وسطية تبلغ نحو 30 كم، وطبقة المانتيل وتختلف سماكة هذه القشرة بحسب الظروف الجغرافية فقد تبلغ نحو 5 كم في المحيطات، ونحو 50 كم في المناطق الجبلية المرتفعة.
    وهو المجال الذي تتداخل فيه العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين كل من الغلاف الصخري والمائي والجوي. وحدود الغلاف الجغرافي الأفقية تتطابق مع حدود الوسط الجغرافي وتشمل كل مجالات انتشار النشاط البشري، وتدرس في إطار ما يسمى دراسة الوسط المحيط (أي الإنسان والمجتمع والطبيعة).
    وإذا كان الغلاف الجغرافي قد ظهر إلى الوجود خلال فترة طويلة من الزمن تمتد ملايين السنين، فإن هذا الغلاف تعرض خلال تلك الأزمان إلى تغيرات مهمة في بنيته، وخاصة بعد ظهور الإنسان قبل نحو مليوني سنة من الوقت الحاضر، وقد تدرجت هذه التأثيرات منذ ظهور الإنسان الهبي ثم الإنسان العاقل (إنسان جاوة ونياندرتال)، وصولاً إلى الإنسان العاقل العاقل أو الحالي الذي طور الزراعة والصناعة وأهل الحيوان، واستخرج المواد الأولية وغير ذلك.
    6-1-2- الغلاف الجغرافي والمجال الجغرافي:
    المجال الجغرافي هو المجال أو المكان الذي ينتشر فيه نشاط الإنسان، وفي المدة الأخيرة اتسع المجال الجغرافي وأصبح يمتد على كامل الكرة الأرضية تقريباً، وهو مجال يتوسع باستمرار، وقد تجاوز المحيط المباشر لكوكب الأرض بعد استخدام المركبات الفضائية، والأقمار أو التوابع الصنعية، والتقنيات المتقدمة الأخرى.
    وهذا يصح بالنسبة إلى مجال النشاط البشري عامة، ومجال النشاط الفردي باعتباره جزءاً من الكل، حيث إن الإنسان أوجد لنفسه امتدادات مكنته من تحسين عدد كبير من الوظائف، فالهاتف يشكل امتدادا للصوت، والعجلات امتداد للساقين والقدمين، والطابعة امتدادا للقلم، والكمبيوتر امتداد للدماغ وهكذا( ).
    بهذا المعنى فالغلاف الجغرافي هنا يعني الوسط الجغرافي، الذي هو منظومة بيئية طبيعية خارجة عن إرادة الإنسان. بينما المجال الجغرافي هو نتاج استخدام الوسط الجغرافي من قبل الإنسان، وتطويع هذا الوسط عبر الزمن منذ خلق الإنسان وحتى الوقت الحاضر وتأهيله، وهو من صنع الجماعات البشرية التي سعت لتنظيم هذا المجال وما رافق ذلك من نجاحات وإخفاقات، ليشمل كل ما قامت به هذه الجماعات البشرية من تحولات وتغيرات في مراحل حياتها المختلفة، بدأً من مرحلة الجمع والالتقاط وصولاً إلى المرحلة المعاصرة.
    6-2- الغلاف الحيوي (Biosphere):
    6-2-1- تعريف الغلاف الحيوي:
    الغلاف الحيوي (البيوسفير) مفهوم مأخوذ من كلمتين يونانيتين، هما Bio وتعني حيوي، وSphaira بمعنى كرة أو غلاف. وقد وضع أولى الأفكار عن البيوسفير باعتباره غلافاً حيوياً، العالم ج. ب. لامارك عام 1802م، وأول من استخدم مفهوم البيوسفير علمياً، هو العالم النمساوي إ. سيوس E. Suess عام 1875م، الذي عده غلافاً حيوياً قليل السماكة وأن سماكته تتحدد بشكل سطح الأرض.
    أما العالم الروسي فيرنادسكي Vernadsky 1863- 1945 م، فقد درس البيوسفير بشكل مفصل، ووضع في ذلك مؤلفاً باسم البيوسفير، ويرى فيرنادسكي أن الغلاف الحيوي ( البيوسفير) يشمل أجزاء واسعة من الغلاف الغازي (الاتموسفير) تصل إلى ارتفاع 25 كلم، ويشمل أجزاء من الغلاف الصخري (الليتوسفير)، وكامل الغلاف المائي (الهيدروسفير)، ويمتد نحو 2كلم تحت سطح الأرض بما في ذلك تحت أعماق البحار والمحيطات( ).
    إن الغلاف الحيوي بشكل عام هو كل مكان يوجد فيه أي شكل من أشكال الحياة مهما كانت بسيطة، مع ذلك فهو يشغل حيزاً يسيراً جداً في الفراغ الكوني، بينما يشكل الكون نظاماً كونياً ليس له حدود أو نهاية في الزمان والمكان المعروفين، كما أن عمر الكون وحجمه خارج إدراك الإنسان العادي، وهذا النظام الكوني غير المتناهي يضم نحو مائة مليار مجرة، وفي كل مجرة نحو مائة مليار نجم، أي أنه يوجد في المجرات عشرة مليارات تريليون من النجوم( ).
    ونشير إلى أنه يوجد في مجرتنا المسماة الطريق اللبني أو درب اللبانة أو (التبانة كما يسمى أحياناً)، The Milky Way، نحو 200 مليار نجم تتحرك في تناسق منتظم ومعقد، وتصل أبعاد مجرتنا إلى نحو 100 ألف سنة ضوئية، بمقياس طولي، و10 آلاف سنة ضوئية بمقياس عرضي، وتشغل المجموعة الشمسية منطقة صغيرة جداً في هذه المجرة، بينما لا تشغل الكرة الأرضية سوى ذرة صغيرة فيها(§).
    بحسب نظريات نشوء الكون بما في ذلك نشوء كواكب المجموعة الشمسية (لن يتم الحديث عن هذه النظريات هنا) فإن كوكب الأرض ظهر منذ نحو 4.5 مليار سنة، ويعتقد من خلال ما قدمه علم الأحافير (Fossil)، أن بداية نشوء الحياة على هذا الكوكب حدثت بعد ذلك بمدة قصيرة، أي منذ نحو 3.5 مليار سنة.
    - نشوء وتطور الغلاف الحيوي:
    كانت الخطوة الأساسية في نشوء الحياة هي تكون جزيئات الحامض النووي ( D N A)، وقد استغرق نشوء الحامض النووي نحو ألف مليون عام (الشاذلي - البنا ص 228).
    وفي بداية العصر ما قبل الكامبري (البريكامبري) سادت الأنواع وحيدة الخلية ثم الكائنات متعددة الخلايا، وكانت الكائنات الحية في البداية لا هوائية ولكن مع تكون الغلاف الجوي الذي يحوي بعض الغازات بما في ذلك الأكسجين، بدأ ظهور النباتات البرية وتكون المركبات العضوية الناتجة عن تحلل هذه النباتات، وكانت الكائنات البدائية من دون هيكل عظمي، وكبيرة الحجم، وبطيئة الحركة.
    في الزمن الجيولوجي الأول، الباليوزوي (Palaeozoic)، وفي حقب الكامبري (Cambrian) ظهرت الكائنات من أنواع الجوفمعويات والمفصليات والرخويات، وفيما بعد تزايدت هذه الكائنات كما ونوعا، وظهرت الأسماك خاصة في العصر الديفوني الذي يسمى أحيانا عصر الأسماك، ثم ظهرت البرمائيات والحشرات البدائية غير المجنحة ثم النباتات الطحلبية وعاريات البذور ثم بدأ ظهور الزواحف العملاقة.
    وفي الزمن الجيولوجي الثاني، الميزوزوي (Mesozoic)، نمت الزواحف الكبيرة وتطورت وظهرت أولى الديناصورات، ولذلك يسمى أحيانا بزمن الزواحف، وفيه أيضاً انتشرت الحشرات السامة، وأسلاف الطيور، وأولى أشكال الطيور الحالية والثدييات، وتعرضت الديناصورات للانقراض في أواخر هذا الزمن.
    في الزمن الثالث الكاينوزوي (Cainozoic)، وهذا الزمن يعد زمن الثدييات، وفيه انتشرت الثدييات والحيوانات الوحشية والحيوانات ذات الحوافر، وحدث تطور كبير للنباتات الزهرية والغابات، ودخلت الثدييات مرحلة الذروة بظهور الرئيسات (Primates)، التي تعد أجداد القردة والسعادين( ).
    وفي المرحلة الأولى من الزمن الجيولوجي الرابع البليوستوسين (Pleistocene) الذي يرجع تاريخه إلى نحو ثلاثة ملايين سنة ظهر الإنسان البدائي، ومنذ حوالي 100 ألف سنة ظهر الإنسان العاقل الحديث( ).
    وفي العصر الحديث الهولوسين (Holocene) ظهر الإنسان العاقل (Homo Sapiens)، منذ نحو 15 ألف سنة وأدى ذلك إلى ولادة المجتمع البشري( ). والجدول رقم (2) يبين تطور الحياة منذ ما قبل الكامبري وحتى ظهور الإنسان.
    6-2-2- الكوارث التي تعرض لها الغلاف الحيوي:
    تعرض الغلاف الحيوي للكثير من الكوارث، وحوادث الانقراض (Extinction)، كان بعضها شديد التأثير وذا طابع كارثي، وقد وقعت خمسة حوادث انقراض هائلة، الأولى حدثت في الدور الاردوفيشي وأدت إلى تناقص عدد فصائل الكائنات الحية بمقدار 12 مرة، والثانية في الدور الديفوني، وتناقصت فيها الأحياء بمعدل 14 مرة، والثالثة في الدور البرمي في آواخر الزمن الأول، منذ نحو 240 مليون سنة، وأدت إلى تناقص الكائنات الحية بمعدل 52 مرة، وأدت إلى انقراض نحو 80 % من إجمالي الكائنات الحية البحرية، وقد سببت هذه الكارثة هلاكاً مذهلاً للكائنات الحية ولذلك أطلق عليها العلماء أسم (أم كوارث الانقراضات الجماعية)( ).
    أما الكارثة الرابعة فحصلت في الدور الترياسي، وتناقصت الكائنات الحية فيها بمعدل 12 مرة، ومن بين المجموعات المهمة التي تعرضت للانقراض في فترة التغير المفاجئ في البرمي - الترياسي، ثلاثيات الفصوص والعوالق الحيوانية والمرجان وعضديات الأرجل والزنبقيات والعديد من النباتات التي كانت مسيطرة في الزمن الأول، ويشكل هذا التغير المفاجئ أهم حدث في تاريخ الحيوانات اللافقارية.
    وبعد هذه الكارثة بدأت الفقاريات البحرية بالتنوع، وكذلك تنوعت الزواحف، وسادت الديناصورات، ويسمى الزمن الجيولوجي الثاني، الميزوزوي، بزمن الزواحف، ولكن هذه الزواحف العملاقة أصبحت ضحايا الكارثة التالية، وهي الخامسة والأخيرة والمشهورة أكثر من غيرها، هي تلك الكارثة التي حدثت في نهاية الدور الكريتاسي من الزمن الجيولوجي الثاني، منذ نحو 65 مليون سنة، وأدت إلى انقراض الديناصورات و الزواحف العملاقة التي كانت أحجامها تبهر الخيال، مثل حيوان تيريانوساورس بطول أكثر من 15 متراً، وكان يستطيع بأسنانه القوية حمل وحيد القرن، وفي عام 1972 م، اكتشف في ولاية تكساس الأمريكية هيكل عظمي لأحد الزواحف المجنحة، من نوع البتروداكتيلات، وقدر العلماء أن طول جناحه يبلغ 15.5 متراً.
    وقد انقرضت كل هذه الديناصورات الضخمة، وهذا الانقراض أدى إلى حدوث فراغ على سطح اليابسة، وهذا ما هيأ الظروف لظهور الثدييات الكبيرة، والطيور، خلال الزمن الجيولوجي الثالث، وظهور الجنس البشري في الزمن الرابع أي منذ 2 - 3 مليون سنة.

    الجدول (2) تطور الحياة منذ القدم حتى ظهور الإنسان
    تطور الحياة مليون سنة الفترة أسم الزمن (الحقب)
    مدة الاستمرار البداية والنهاية
    تطور البشرية، ظهور الإنسان العاقل 3 3 - صفر الأنثروبوكي الزمن الرابع
    تطور العالم النباتي والحيواني المعاصر، ظهور الأسلاف المباشرة للإنسان المعاصر 22 25 - 3 النيوجين الكاينوزوي (الزمن الثالث)
    ازدهار النباتات مغطاة البذور، ظهور الطيور والثدييات وتطورها 42 67 - 25 الباليوجين
    ظهور النباتات مغطاة البذور، انقراض الزواحف العملاقة، استمرار طمر المزيد من الحمض الكربونية على شكل كربونات الكالسيوم 70 137 - 67 الكريتاسي الميزوزوي (الزمن الثاني)
    استمرار ازدهار النباتات عارية البذور، ظهور الأسلاف المباشرة للطيور 58 195- 137 الجوراسي
    استمرار ازدهار النباتات عارية البذور، الانتشار الواسع للزواحف العملاقة 35 230 - 195 الترياسي
    استمرار تطور النباتات العارية البذور، موت النباتات عريضة الأوراق العملاقة 55 285 - 230 البرمي الباليوزوي (الزمن الأول)
    ازدهار الأشجار والنباتات الضخمة الدائمة الخضرة والعريضة الأوراق، وتزايد الحيوانات البرمائية بكثرة وتكون مستحاثات الفحم الحجري 65 350 - 285 الكاربوني
    ظهور النباتات الوعائية على اليابسة، ظهور الحشرات وأولى الحيوانات الفقارية 60 410 - 350 الديفوني
    ازدهار الحيوانات اللافقارية البحرية 30 440 - 410 السيلوري
    ظهور النباتات الأرضية الدنيا وانتشارها، وظهور الحيوانات اللافقارية وانتشارها على اليابسة 60 500 - 440 الأوردوفيشي
    ظهور وانتشار واسع للحيوانات اللافقارية البحرية 70 570 - 500 الكامبري
    ظهور كائنات متعددة الخلايا، وانتشار البكتريا والفطور والنباتات المائية بشكل كبير 1030 1600 - 570 الأعلى البروتيروزي (زمن الحياة المبكرة)
    300 1900 - 1600 الأوسط
    700 2600 - 1900 الأسفل
    كائنات حية بسيطة وحيدة الخلية مؤهلة للقيام بالتركيب الضوئي وتثبيت النتروجين 900 3500 - 2600 متأخر الارشيوزي (الزمن القديم)
    الكائنات الأولية التي وجدت في جو خال من الأكسجين 1000 - 1500 قبل 3500 مبكر

    وفي بداية الزمن الرابع، في البليستوسين، منذ نحو مليوني عام حدثت كما هو معروف تغيرات مناخية مهمة، وتعاقب لفترات جليدية وأخرى دافئة وماطرة، بشكل مختلف في مناطق مختلفة من العالم، وتعرضت الكائنات الحية في هذه الفترة لبعض حوادث الانقراض، أهمها انقراض الثدييات الكبيرة والطيور، مثل حيوان الكسلان العملاق Megaterium، منذ حوالي 11 ألف عام فقط.
    6-2-3- أسباب كوارث الانقراض التي تعرض لها البيوسفير:
    يوجد العديد من الفرضيات والآراء عن أسباب تلك الحوادث، ولا يوجد حتى الآن اتفاق حول تلك الأسباب التي أدت إلى حوادث الانقراض، وسوف نعرض لأهم تلك الفرضيات والآراء:
    1- رأي يقول: بأنه لم تحدث كارثة، ولم تنقرض الحيوانات بشكل فوري ومباشر، وإن الذي حدث هو تبدل وتغير تدريجي لهذه الكائنات العملاقة، التي تحولت شيئا فشيئا إلى كائنات أصغر. وأنه يوجد حتى الآن نماذج مصغرة لهذه الكائنات مثل دركون كومودو Varanidac الذي يعيش في جزر كومودو في المحيط الهندي. وأنه على سواحل نيوزلندة يعيش نوع من الحيوانات يعد أحد النماذج الممثلة للزواحف ويسمى بالمستحاثات الحية، ويحاول العلماء تفهم وإيضاح الأسباب التي ساعدت هذا الحيوان في مقاومة الانقراض في الزمن القديم.
    وفي المحيط الأطلنطي تم العثور على عدد من نماذج الأسماك التي كانت تعيش في الدور الديفوني، وفي عام 1984م، عثر الصيادون اليابانيون على أنواع من الأسماك كان يقدر أنها انقرضت منذ حوالي 60 مليون سنة خلت( ).
    2- رأي آخر يقول: إن التغيرات سببها تغير تركيز الأكسجين الجوي، أو زيادة شدة الإشعاع الوارد من الفضاء، أو ظهور متعضيات ممرضة، أو زيادة أو نقصان العناصر الأثيرية في مياه البحر، أو تغيرات المناخ( ).
    3- رأي ثالث يقول: إنه في تلك الفترة حدث ثوران كبير للبراكين، رافقه اندفاع كميات كبيرة من الغازات والمقذوفات البركانية، وهذا ما أدى إلى حدوث تغيرات مفاجئة لم تستطع الكائنات الحية التأقلم معها أو مقاومتها( ). مما أدى بالنتيجة إلى انقراض هذه الكائنات الحية.
    4- رأي أو فرضية رابعة، تسمى أحياناً بفرضية التصادم، ويرى أصحابها: أن حوادث الانقراض نجمت عن تصادم الكثير من النيازك والمذنبات والكويكبات بسطح الأرض، وأنه كان يحدث كثيرا خلال مليارات السنين اصطدام كويكب أو مذنب بالأرض بسرعة تزيد أحياناً بمقدار 50 مرة عن سرعة الصوت، وهذا يؤدي إلى دفع الحطام الصخري، وتبخير أطنان من الصخور الصلبة، وتحرير طاقة كبيرة جداً قد تعادل الطاقة التي يحررها انفجار كامل الترسانة النووية المعاصرة، وإحداث فوهة كبيرة في الأرض، وقد اكتشف حتى الآن أكثر من 120 فوهة من فوهات التصادم في العالم، يتراوح عمرها من عدة ألاف من السنين، إلى نحو ملياري سنة، وأشهر هذه الفوهات تلك الموجودة في صحراء أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعود إلى نحو 30 ألف سنة( ). والشكل (19) يوضح فوهة التصادم في أريزونا.
    5- رأي آخر يقول: إن انقراض الكائنات الحية تعود أسبابه إلى الانخفاض التدريجي لمستوى سطح مياه البحار التي كانت تغطي معظم أوروبا، وكل شمال أفريقيا والصحراء الكبرى، والشرق الأوسط، ومساحة كبيرة من شمال غرب أمريكا الجنوبية، وهذا الانخفاض أو الانحسار التدريجي لمياه البحار أدى إلى انقراض نحو 80 % من الكائنات الحية، ومن القائلين بهذا الرأي عالم الأحافير الفرنسي ليونار جينسبرغ.
    وإذا كان أيّ من هذه الآراء والفرضيات لم تحظ باتفاق تام بشأنها، فإن السؤال المطروح، ما لذي سبب بالفعل كوارث الانقراض الجماعي ؟؟
    وإذا كانت الإجابة لا تزال صعبة والأسباب غير مؤكدة، ونحن لا نعلم عنها إلا القليل، فإنه يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن تلك الحوادث سببها تغيرات هامة في العوامل والظروف البيئية السائدة آنذاك، لم تستطع الكائنات الحية التكيف والتأقلم معها و بالنتيجة تعرضت للموت والانقراض.
    6-2-4- الغلاف الحيوي المعاصر:
    يقدر عدد الأنواع الحية التي ظهرت خلال التاريخ الطبيعي للأرض ما بين 500 مليون إلى مليار نوع، أما عدد الأنواع المعاصرة فيصل إلى 100 مليون نوع من مختلف الكائنات الحية النباتية والحيوانية والدقيقة، ولكن المعروف والمدروس من هذه الأنواع أقل من ذلك بكثير، وفي 600 مليون سنة الأخيرة، تغيرت أشكال الحياة على الأرض عدة مرات، وتدل دراسات علم المستحاثات (الأحافير Fossil) أن آخر انقراض جماعي للكائنات الحية البحرية حدث منذ نحو 14 مليون سنة.
    ولكن في هذا العصر فإن الكرة الأرضية تقع من جديد على حافة انقراض جماعية واسعة المدى (كونية)، ولكنها هذه المرة ناتجة عن نشاطات الإنسان وتأثيراته المختلفة( ).
    الانقراض قد يطال الجنس البشري هذه المرة
    مما لا شك فيه أن هذا الوضع يشكل خطراً على مستقبل الجنس البشري نفسه، لأن الانقراض هذه المرة إن حدث لا سمح الله، فسوف يطال الإنسان قبل غيره من الكائنات الحية، خاصة أن الإنسان استطاع في الفترة الأخيرة تغيير الوسط الحيوي، والتأثير على تنوعه الذي تكون خلال ملايين السنين. ويقدر أن الإنسان قضى على نحو 60 ألف نوع من النباتات، و6 ألاف نوع من الحيوانات، وتسبب في انقراض الكثير من الكائنات الحية الدقيقة، وتقليص مساحة الغابات إلى النصف. وبحسب معطيات المنظمة العالمية لحماية البيئة (اليونيب UNEP)، فإن الانقراض يهدد الآن نحو ألف نوع من الطيور والحيوانات، ونحو 25 ألف نوع من النباتات( ).
    وبالطبع فإن الانقراض أو التهديد بالانقراض الذي تتعرض له الكائنات الحية البرية والمائية، يشمل مناطق واسعة من العالم، بما في ذلك العالم العربي الذي يعاني من تراجع الذخر الجيني، وتناقص الأنواع النباتية والحيوانية، وبمراجعة متأنية للدراسات التاريخية والأثرية، نجد أن العالم العربي كان في الماضي القريب أكثر غنى بالتنوع الحيوي، النباتي والحيواني عما هو عليه الآن، وقد تعرضت الكثير من النبات والحيوانات والطيور للانقراض، أو هي مهددة بالانقراض، وهذا سينعكس سلباً على حياة الإنسان هنا، وإمكانية حصوله في المستقبل على حاجاته من الثروة الغذائية والدوائية والصحية والجمالية( ).
    وهكذا فإن التنوع الحيوي على مستوى العالم يعد الآن مهدداً بكارثة محتملة، إذا لم يتدخل العقل البشري الموجه لتحقيق الانسجام بين الإنسان، وبين الوسط الذي يعيش فيه.
    6-2-5- الانتقال من الوسط الحيوي إلى الوسط العقلي (النووسفير Noosphere):
    أصبح الغلاف الحيوي في الفترة الأخيرة يختلف عما كان عليه في العصور السابقة، بسبب تدخل الإنسان وتأثيره فيه، ويعتقد أن دور الإنسان بوصفه عامل تأثير وتغيير فاق في الفترة الأخيرة، دور مختلف الكائنات الحية الأخرى، واتسعت مساحة هذا التأثير عالمياً، بحيث لم تسلم أي منطقة في العالم، برية أم بحرية، من هذا التأثير سواءً أكان شديداً أم بسيطاً، حتى إن البعض استخدم مصطلح البيوسفير التقني، للتعبير عن الغلاف الحيوي في عهد الثورة التقنية العلمية( ).
    وبحسب كاشيلوف، فإن ظهور الإنسان على سطح الأرض يعني خطوة كبيرة في تطورها، وقد أدت نشاطاته المختلفة إلى تسريع جميع عمليات التطور، وتزايدت حدة هذا التسارع مع تطور قوى الإنتاج، وتسلح البشرية بوسائل تقنية جديدة، أضف إلى ذلك تأثيرات الإنسان وأعماله غير المنظمة وغير الموجهة، التي حملت معها خطراً كبيراً من الصعوبة تقدير عواقبه، ونتيجة لكل لذلك فمن المحتم أن يأتي وقت من الأوقات يكون تطور كوكب الأرض ومعه المجتمع البشري موجهاً من قبل العقل( ).
    وانطلاقاً من هذا الفهم فإنه يتوجب على الإنسان أن يصمم ويكون وسطاً تقنياً جديداً في المستقبل، ويجب النظر إلى نشاط الإنسان على أنه جزء متكامل في الوسط الحيوي، والنظر إلى التقانة على أنها ليست شيئاً غريباً عن الوسط الحيوي، لكنها مرحلة جديدة من مراحل تطوره( ).
    إن توجيه تطور الغلاف الحيوي لكوكب الأرض بما فيه الإنسان، هو ما أطلق عليه بعض العلماء، مصطلح الوسط العقلي، أو غلاف التفكير (Noosphere)، ومنهم العالم الفرنسي تيلار دي شاردن، والعالم الروسي فيرنادسكي( ). وهذا يعني أن تطور الغلاف الحيوي يجب أن يخضع للإدارة والتوجيه من قبل عقل الإنسان، من أجل تحسين ظروف هذا الغلاف وإعادة تكوينه.
    كما أن غلاف التفكير أو الوسط العقلي هذا ليس خارج الوسط الحيوي أو فوقه، ولكنه مرحلة طبيعية من مراحل تطوره، وهذا ما أكد عليه فيرنادسكي، وأكد على مشاركة مختلف العلوم في تحليل ما سمي بالدور الجيولوجي للإنسان، باعتباره بمثابة قوة جيولوجية، أو يوازي القوى الجيولوجية المؤثرة في تكوين وتطور الغلاف الحيوي. أما دي شاردن فقد تصور في كتابه (إعجاز الإنسان)، بأن النووسفير هو نظام مغلق وكل عنصر فيه «بشكل منفصل» يرى ويشعر ويتمنى ويتألم مثل الجميع ومعهم في نفس الوقت( ).
    والحديث عن النووسفير أو غلاف التفكير، بهذه البساطة لا يعني أنه مكان محدد، أو جزء من مكان محدد، ولكنه يعني الحديث عن عصر كامل هو عصر النووسفير، الذي يعني بأن تطور كوكب الأرض يجب أن يتم بتوجيه من العقل، العقل الذي وهبه الله سبحانه وتعالى للإنسان، خليفته في الأرض الذي ارتضى حمل الأمانة الثقيلة والصعبة التي أبت الجبال حملها.
    وهكذا يتسع مفهوم النووسفير ويزداد عمقاً ليشمل مجموعة من المشكلات التي يجب إيجاد الحلول لها، من أجل تحقيق إمكانية التطور الموجه بشكل عقلاني للغلاف الحيوي، والعقل في عصر النووسفير تقع على عاتقه مسؤولية تطور البشرية المقبل، وصيانة تراثها وحضارتها وحمايته، وتحديد أهداف هذا التطور، والكيفية التي يجب أن يكون عليها, كما أن دخول البشرية في هذا العصر يعني أن تطور الحياة على سطح الأرض قد دخل مرحلة جديدة، أو مساراً تاريخياً جديداً، خط سيره المقبل يجب أن يؤمن الانسجام والتطور المشترك للإنسان والوسط الحيوي الذي يعيش فيه.
    ويرى الكثيرون أن الإنسان لا يزال قادراً على تجاوز الكارثة، أو اللعنة الأبدية كما توصف أحياناً، أو بتعبير آخر فإن الإنسان والبشرية لا يزال قادراً على تجاوز الحدود التي يبدأ معها طريق اللاعودة، لأنه خارج هذه الحدود يدخل الوسط الحيوي حالة جديدة ليس من السهل التكهن بنتائجها، ولا يستثنى من ذلك احتمال أن يصبح الوسط الحيوي مكاناً لا وجود للإنسان فيه، والله أعلم.
    ويمكن القول في هذا الإطار: بأن الطبيعة وعناصرها المختلفة كانت وستبقى، نسيجاً من التناقضات، وكان الإنسان يتدخل وسيبقى يتدخل في الوسط المحيط به، كي يطوعه لمصلحته الخاصة، كما أن إيجاد علاقة متبادلة ومنسجمة بين الإنسان والطبيعة، والمحافظة على هذه العلاقة بشكل يضمن التطور المشترك للغلاف الحيوي والمجتمع البشري بوصفه جزءاً لا يتجزأ منه، هو الهدف الرئيس لكافة العلوم، خاصة أنه يمكن للغلاف الحيوي الاستمرار من دون الإنسان، ولكن الإنسان لا يمكنه العيش والتطور خارج أو بدون الغلاف الحيوي.
    من كل هذا يبدو واضحاً، لماذا يجب على البشرية أن تكون قادرة الآن وقبل فوات الأوان، على تدارك نتائج أعمالها، وتقدير الحالة التي وصل إليها الغلاف الحيوي، ووقف أو فرملة الأعمال والتأثيرات الخطيرة التي من شأنها عزل إمكانية التطور المقبل للحضارة البشرية، وتجميد أو إنهاء هذا التطور.
    6-2-6- حماية الغلاف الحيوي:
    من المهم جداً العمل بكل السبل من أجل حماية الغلاف الحيوي، نظراً إلى أهميته ودوره في الحياة بشكل عام، هذه الأهمية النابعة من أهمية مكوناته وعناصره، فالغطاء النباتي والحيواني وكل كائن حي له دور مميز في تطور الحياة واستمرارها، في عملية التركيب الضوئي، في بناء التربة، في امتصاص بعض الملوثات، في الدورات الطبيعية والسلاسل الغذائية، وغير ذلك من الفوائد. والإجراءات التي يمكن القيام بها لحماية البيوسفير كثيرة، ويمكن تفصيلها وتصنيفها لكل عنصر من عناصر البيوسفير كالهواء وحمايته من مختلف أشكال التلوث ومصادره، والماء وحمايته من التلوث بمختلف أشكاله، وترشيد استغلاله وعدم استنزاف مصادره، والتربة وصيانتها من التلوث والتعرية والتصحر واستخدمها بشكل علمي سليم، والغطاء النباتي والمحافظة على تنوعه وحماية المراعي من الرعي الجائر، والغابات من القطع والحرق والتلوث، والعالم الحيواني من الصيد والمرض، وغير ذلك من الإجراءات التي سنشرحها في الأماكن المناسبة من هذا الكتاب.
    6-3- تأثير الإنسان في الغلاف الحيوي، في سوريا والوطن العربي في العصور القديمة:
    إن الوطن العربي يمتلك مدخراً وراثياً من التنوع الحيوي النباتي والحيواني، في اليابسة والمياه، حيث العالم النباتي (الفلورا Flora) من الأشجار والشجيرات والنباتات المختلفة، والعالم الحيواني (الفاونا Fauna) من الحيوانات المختلفة بما فيها الثدييات والزواحف والأحياء البحرية والبرمائية. إضافة إلى الطيور والكائنات الحية الدقيقة وغيرها.
    وينتشر هذا التنوع الحيوي الكبير في بيئات متنوعة مناخياً صحراوية ومدارية وشبه مدارية ومعتدلة وغيرها، ومتنوعة تضاريسياً من جبال وهضاب وسهول ووديان الخ..، غير أنه وبسبب زيادة الضغط على هذه البيئات، وزيادة الرعي، الجائر والاحتطاب، وقطع أشجار الغابات وحرقها، وزيادة نحت التربة وتعريتها، والتوسع العمراني العشوائي، والتصحر، وزيادة تلوث الماء والهواء والتربة، واستنزاف الموارد الطبيعية، والاستغلال غير العقلاني وغير المنظم لها، وغيره، أضف إلى ذلك التغيرات المناخية وسيادة الجفاف لفترة طويلة من الزمن، إضافة إلى ما تتعرض له بعض هذه البيئات من كوارث طبيعية أو صنعية.
    وبسبب كل هذه التأثيرات وغيرها الكثير فإن الوطن العربي بكافة بلدانه أصبح يعاني من تناقص كمي ونوعي في العالم الحيوي، وتراجع الذخر أو الغنى الوراثي بشكل عام.
    وبالتالي فإن هذه التأثيرات السلبية أدت إلى خلل في التوازن البيئي، وإلى تعرض الكثير من أنواع الأحياء البرية والمائية لخطر الموت والانقراض.
    وبالعودة للدراسات التاريخية والأثرية المتوفرة، نجد أن الوطن العربي كان في الماضي القريب أكثر غنى بالتنوع الحيوي مما هي عليه الآن، فقد كانت بلاد ما بين النهرين ووادي النيل غنية بمختلف أنواع الكائنات الحية، وفيها مارس الإنسان ولأول مرة حرف الصيد والجمع والرعي والزراعة، وعرف الاستقرار حيث بنى المدن وأشاد الحضارات. وفي هذه المدن بنى الحدائق كالحدائق المعلقة في بابل، وحدائق مصر أيام الفراعنة، ويقدر أنه أثناء حكم الفرعون رعمسيس الثالث 1198 - 1166 ق. م، تم إنشاء 514 حديقة لتأمين الرطوبة والظل والجمال، ولكن القطع المستمر للأشجار والتأثيرات السلبية للسكان أدى إلى تدهور البيئة والقضاء على غابات الصنوبر والبلوط وتخريب الوسط المحيط( ).
    ودلت التنقيبات الأثرية في موقع تل أبي هريرة على ضفاف نهر الفرات (في سورية)، أنه كان يقطن هذا المكان منذ 11 ألف سنة، مجموعة من الصيادين الجماعين، وحدث هنا صيد مكثف للغزلان استمر للقرون العشرة التالية، ولم يتوقف إلا عندما استنزفت قطعان الغزلان بشكل كامل، وصيد الغزلان هنا لم يكن موسمياً أو انتقائياً بل كان يتم صيد القطيع بالكامل، ومنذ ذلك التاريخ وطريقة الصيد الجماعي لقطعان الغزلان مستمرة في سورية والأردن والسعودية وشبه جزيرة سيناء( ).
    وإذا كان القسم الأكبر من الشرق الأوسط يتألف حالياً من صحاري صخرية أو رملية جرداء تلظيها أشعة الشمس، فقد كانت سورية في وقت ما، تزود مصر بحاجتها من الأخشاب، وتزود روما بالنبيذ والزيت، وقد كان هناك وقت قام فيه هانيبعل بصيد الأفيال لجيشه في غابات شمال إفريقيا الفسيحة، وشجرة الأرز التي كانت تغطي ذيول سلاسل الجبال التي غدت الآن مقفرة( ).
    وخشب الأرز كان عاملاً مهماً في تنشيط الحركة التجارية والبحرية للفينيقيين، الذين استعملوه في بناء أساطيلهم وفي تجارتهم مع الشعوب المجاورة لهم كالفراعنة، كما أن الفينيقيين قدموا خشب الأرز إلى الملك الأشوري سرجون الثاني لبناء قصره، وقد بينت الدراسات التي تمت في سورية، أن الأشجار قاسية الأوراق كالسنديان والبلوط والزيتون والبطم والصنوبر، كانت موجودة في سورية منذ80 ألف سنة( ).
    ولكن كثافة الأشجار في المنطقة كانت تتعرض للتغير بشكل مختلف من فترة لأخرى بحسب الظروف المناخية والتأثيرات الطبيعية والبشرية الأخرى.
    وكانت الغابات في سورية تشغل حتى فترة قريبة 20 - 30 % من مساحة سورية، بينما هي الآن لا تشغل سوى2 - 3 % منها، وحال العالم الحيواني ليس بأفضل من حال العالم النباتي، حيث تعرضت الكثير من الحيوانات للانقراض أو هي مهددة كلياً به، ومن هذه الحيوانات الغزال والخنزير البري والضبع والدب السوري والفهد والأسد والوعل والأخدري والفيل وفرس البحر والحمار الوحشي وغيره، ومن الطيور التي انقرضت أو هي مهددة بالانقراض نهائياً، النسر الذهبي والصقر والكدري والدراج والقطا والنعام والحباري وغيرها( ).
    6-3-1- تأثير الإنسان في البيئة السورية في عصور ما قبل التاريخ:
    إن تاريخ هذه المنطقة من العالم المسماة حالياً (سورية) يشكل أول فصل في تاريخ الحضارة البشرية، وكان له أعظم الأثر في مجريات الحضارات المتعاقبة، وفي هذه المنطقة تم العثور على اكتشافات مهمة تدل على حدوث تغيرات بيئية معينة، طبيعية وبشرية، امتدت عبر الزمن، منذ العصور الحجرية القديمة، مروراً بالعصور التاريخية، وحتى الزمن الحاضر. وكما قال أحد المفكرين: لعل تاريخ الإنسان وتاريخ الحضارة بصفة عامة يختزلان داخل وعي الإنسان بالمسألة البيئية( ).
    إن هذه التغيرات المتمثلة بالتغيرات المناخية، وتغير الظروف الجغرافية، والتعرض لبعض الكوارث الطبيعية، وكذلك إلى الكوارث البشرية المصطنعة المقصودة أو غير المقصودة، وكذلك زيادة عدد السكان في التجمعات البشرية المختلفة، وفي عصور مختلفة ولأسباب مختلفة، وتعرض الكثير من الكائنات الحية النباتية والحيوانية للانقراض لسبب أو آخر.
    إن جميع هذه التغيرات البيئية المختلفة، السلبية أو الإيجابية كان لها أكبر الأثر في مجريات الأحداث التي عرفها وتعرض إليها سكان هذه المنطقة من العالم، بل وسكان المناطق والحضارات المجاورة التي كانت تربطها بها علاقات وتأثيرات متبادلة لا يمكن تجاهلها سواءً أكانت هذه العلاقات وطيدة وجيدة في فترات السلم، أم عدائية وسيئة في فترات الحرب، ومما لا شك فيه أن الإنسان عنصر مؤثر ومتأثر بهذه التغيرات البيئية، وهي ذات تأثير محدد على الإنسان وعلى الوسط المحيط به، حيث تؤدي إلى التطور والنمو والازدهار، أو إلى التقهقر والانعزال والتخلف، وربما تدهور الموارد البيئية والقضاء عليها.
    تحديد المكان والزمان
    عندما نتحدث عن التغيرات البيئية التي تعرضت لها المنطقة المسماة حالياً سورية، في عصور ما قبل التاريخ، من الصعب جداً وضع تحديد دقيق لها. لأن أصل تسمية سورية والمجال الجيوبوليتيكي والجيو تاريخي لها قد تغير عبر آلاف السنين حيث ارتبط اسم سورية باسم أقدم هو أشور Assyrie، إنها التسمية المختصرة اليونانية كما خلفها هيرودوت للتاريخ 484 - 420 ق. م، ومنذ القدم عبر هذا الاسم عن مجال جغراسي معين يشار إليه بتسميات شتى منها سورية الطبيعية، سورية الكاملة، سورية الكبرى، أرض العموريين، بلاد أرام، بلاد الشام أو بر الشام( ).
    إن المنطقة المقصودة هنا تقع بشكل عام ضمن هذا الإطار، مع التركيز بشكل خاص على المساحة التي تشغلها سورية الحالية. إن هذه المنطقة الممتدة بين القارات القديمة الثلاث، تشكل وحدة أساسية في بيئتها الطبيعية تلتقي وتتقاطع مع بيئات جغرافية متنوعة، سمحت بوجود وحياة وتطور أنواع مختلفة من الكائنات الحية النباتية والحيوانية عبر الزمن.
    التأريخ الجغرافي الطبيعي لسورية:
    تعرضت أراضي سورية كغيرها من مناطق العالم إلى تناوب طغيان مياه البحر وانحسارها في فترات محددة من الزمن. ففي الفترة الممتدة من الحقب الجيولوجي الأول وحتى أواخر الزمن الثالث، حدث أن طغت مياه البحر عدة مرات على كامل أجزاء سورية أو معظمها، تخللها فترات انحسار لهذه المياه، إلى أن انحسرت نهائياً في فترة الاوليغوسين، ومنذ تلك الفترة لم تشهد سورية الداخلية حتى طوروس وما وراء الفرات إطلاقاً عودة البحر( ).
    وخلال هذا الزمن كانت هذه المنطقة تتعرض إلى حركات تكتونية التوائية وصدعية، وإلى حدوث ثورات بركانية وهزات أرضية في أماكن متفرقة من سورية. وبشكل عام فإن الصخور الرسوبية ذات الميول الضعيفة تغطي معظم سورية، وهي على الغالب من صخور الحقبين الثاني والثالث، ويدخل الحجر الكلسي في تركيبها بنسبة عالية، وتسود صخور الجوراسي والكريتاسي وإلى حدٍ ما الباليوجين في الجبال والتلال والهضاب العالية، بينما تشاهد صخور النيوجين والحقب الرابع في الأراضي الواطئة والمنخفضات( ).
    وما يهمنا من هذا العرض التأكيد على تأثير التغيرات المناخية والأحداث الجيولوجية في المحيط الحيوي لهذه المنطقة، وفي ظهور الكائنات الحية المختلفة النباتية والحيوانية وتنوع وانتشارها، بما في ذلك الإنسان، الذي ظهر في فترة موغلة في القدم من الحقب الرابع (لم يتفق عليها بشكل قطعي حتى الآن) تتراوح بين 1.5 - 2.5 مليون سنة.
    إن عمر الإنسان غير محدد بدقة حتى الآن، وبين الفترة والأخرى يظهر اكتشاف جديد أو بحث جديد يزيد في عمر الإنسان مئات وآلاف وأحياناً ملايين السنين، فقد أرجعت إحدى الدراسات عمر الإنسان إلى نحو أربعة ملايين سنة( ).
    وسوف أحاول توضيح التغيرات البيئية التي تعرضت لها المنطقة في مرحلة عصور ما قبل التاريخ، وأسباب هذه التغيرات، ودور الإنسان في ذلك، مع التوضيح بأن أهمية الحديث عن هذا الموضوع تتجلى في الربط بين تطور حياة الإنسان في هذه المنطقة، وبين التغيرات التي حدثت في الوسط المحيط، وزمان ومكان حدوث هذه التغيرات البيئية.
    وهذه المرحلة تقسم إلى ثلاثة عصور هي:
    1- العصر الحجري القديم: ويمتد بين 3 مليون سنة إلى 12 ألف سنة خلت ويقسم إلى:
    أ - العصر الحجري القديم الأدنى (الباليوليت الأدنى) ويمتد من 3 مليون سنة وحتى 100 ألف سنة.
    ب - العصر الحجري القديم الأوسط (الباليوليت الأوسط) ويمتد من 100 ألف إلى 40 ألف سنة خلت.
    ج - العصر الحجري القديم الأعلى (الباليوليت الأعلى) ويمتد بين 40 إلى 12 ألف سنة خلت.
    2- العصر الحجري الوسيط (الميزوليت)، يمتد بين 12 ألف - 8 ألف سنة خلت.
    3- العصر الحجري الحديث (النيوليت) يمتد بين 8000 - حتى ظهور الكتابة في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد. ويمكن إيجاز هذه التأثيرات ونتائجها بالشكل التالي(§).
    في العصر الحجري القديم الأدنى، ظهر إنسان جاوة ويسمى بالإنسان القرد أو المنتصب القامة، وقد اكتشفت أثار هذا الإنسان في الكثير من مناطق الوطن العربي، خاصة في فلسطين وسورية، حيث اكتشفت أثاره في مواقع مختلفة في سورية منها ست مرخو وخطاب والرستن والقرماشي ويبرود والكوم وغيرها.
    وقد استخدم هذا الإنسان النار مبكراً، في التدفئة والإنارة وفي طبخ الأطعمة النباتية واللحوم النيئة، وفي حماية نفسه والدفاع عن حياته في وجه الحيوانات المفترسة، وقد عثر على أحد الدلائل الأولى لهذه النار في سورية، كما أن هذا الإنسان طور قدرته على الصيد فاصطاد حيوانات كبيرة ومتوسطة الحجم كالفيل، ووحيد القرن، وفرس الماء، والدب والحصان( ).
    وفي هذه الفترة فإنه من العسير التفريق بين النار الطبيعية، وبين النار المفتعلة التي كان الإنسان يوقدها، ومن الواضح أن النار أصبحت يوماً بعد يوم تستخدم بشكل مفتعل وإرادي، وليس بشكل تلقائي أو طبيعي، وهذا يعني زيادة قدرات وإمكانيات الإنسان في التأثير السلبي على عناصر البيئة، وخاصة على الغابات، واعتماد الإنسان على أكل اللحوم المطبوخة والمشوية بعد أن كانت تؤكل نيئة، مما أدى في النتيجة إلى زيادة وتيرة الصيد من حيث الكم والنوع.
    وبالنسبة إلى تأثير الإنسان في البيئة السورية في العصر الحجري القديم الأوسط، فقد عثر على آثار هذا الإنسان في مواقع كثيرة في بلاد الشام في يبرود وبالقرب من تدمر وفي مغارات جبل سمعان وغيرها، وتدل المعطيات الأثرية أن سكان هذه المناطق أشعلوا النار وقاموا بصيد الحيوانات مثل الحصان البري ووحيد القرن والدب والوعل والغزال، وأنهم جمعوا الثمار والنباتات، مما يؤكد تزايد التأثير البشري المفتعل في البيئة، والقضاء على المزيد من الغابات والكائنات الحية بصيدها أو حرقها.
    وفي العصر الحجري القديم الأعلى، وجدت آثار الإنسان العاقل العائدة لهذا العصر في مواقع مختلفة منها، يبرود والكوم وتدمر، والتي تدل على أن مجتمعات هذا العصر بقيت تعتمد على الالتقاط والصيد، وأن هذا النشاط قد مورس بتخصيص أكبر وإدراك أوسع للبيئة وخيراتها، ونشاطات الإنسان في هذه الفترة كانت ذات تأثير كبير ومستمر في المحيط الحيوي، وأدت إلى انقراض الكثير من الكائنات الحية، كما شهدت هذه الفترة حدوث تغيرات مناخية وبيئية مختلفة، مما أثر في نشاط الإنسان وتطوره، وربما عدم ازدهار حضارته في هذه المنطقة من العالم.
    ويعتقد أنه لاحقاً وفي العصر الحجري الأوسط، خاصة منذ الألف العاشر قبل الميلاد أصبحت بيئة بلاد الشام قريبة من واقعها الحالي، وقد تحسنت الظروف البيئية، وتميزت هذه الفترة بتطور وسائل الصيد البري والبحري والعمران وفنونها، وتزايد أعداد السكان، واعتماد غذائهم على صيد الغزلان، والثيران، والأيائل، والخنازير، والطيور، والتقاط النباتات البرية، وخاصة القمح والشعير، وتدل الدراسات أن سورية كانت في العصور القديمة غنية جداً بالتنوع الحيوي، ودلت التنقيبات الأثرية في موقع تل أبي هريرة على ضفاف الفرات أنه كان يقطن هذا المكان منذ 11 ألف سنة خلت مجموعة من الصيادين الجمّاعين، وحدث صيد مكثف للغزلان، أثناء هجرتها للشمال في بداية الصيف، وهذا الصيد استمر عبر القرون العشرة التالية، ولم يتوقف إلا عندما استنزفت قطعان الغزلان بشكل كامل( ).
    إجمالي هذه الأحداث التي جرت في هذه الفترة من زيادة عدد السكان وتطورهم واستقرارهم النسبي، وتطور الأدوات التي كانوا يستخدمونها، وانتقالهم من حياة الصيد والجمع إلى حياة الزراعة وتأهيل الحيوان، جميع هذه الأحداث والتغيرات أثرت في البيئة، وغيرت من معالمها، وقضت على الكثير من الكائنات الحية، وأسهمت في تبسيط النظام البيئي.
    وفي فترة ما يسمى بالثورة النيوليتية في العصر الحجري الحديث، حيث وصفت التغيرات التي حدثت في هذا العصر بالثورة التكنولوجية والفكرية، وهذه التغيرات المتعلقة بطبيعة الحياة السائدة خاصة الاستقرار الدائم، وصنع الأدوات ذات مؤشرات بيئية، وما يهمّنا أكثر من غيره في هذا المجال، التأكيد على حدوث صيد جائر شمل معظم الحيوانات المتوافرة في هذه البيئة، كما تدل الآثار والمعطيات التي تم الحصول عليها من المواقع الأثرية المكتشفة، وصيد الغزلان لم يكن مقتصراً على منطقة أبي هريرة وإنما شمل معظم مناطق آسيا الأمامية مثل أريحا، حيث زرع سكانها القمح والشعير وقاموا بتربية الماعز والكلاب وربما القطط أيضاً واعتمدوا في طعامهم على لحوم الغزلان( ).
    لقد ساعد تحسن الظروف الجغرافية، وخصوبة التربة، وعوامل أخرى كثيرة على انتقال إنسان هذه المنطقة، إلى ممارسة الزراعة، وكانت في الفترة الأولى مشتركة مع الصيد، ولاحقاً تم التحول إلى تأهيل الحيوانات، ثم انتقل السكان إلى الزراعة المروية وشق قنوات الري لجر المياه والاستفادة منها، ومما لاشك فيه أن هذا التحول التاريخي كان له تأثيرات بيئية هامة، منها ما يتعلق بتغيير شكل سطح الأرض، ومنها ما يتعلق بقطع الغابات وتحويلها إلى أراض زراعية أو أماكن عمرانية وغير ذلك.
    في نهاية الألف التاسع قبل الميلاد دخلت بلاد الشام في عصر الزراعة الحقيقي، وانتقلت من الصيد والجمع إلى الزراعة وتدجين الحيوانات. وتشير دلائل التنقيبات الأثرية أن بلاد الشام عرفت الزراعة منذ الألف الثامن قبل الميلاد. وفيما يتعلق بالاستغلال الحيواني، يتضح بأن الصيد كان النشاط الأساسي لتأمين الغذاء اللحمي، ومن أهم الحيوانات المصطادة نذكر الثيران والغزلان والخنازير والخيليات، إضافة إلى السلاحف والعصافير، أما فيما يتعلق بالاستغلال النباتي فتدل المعطيات على وجود غطاء نباتي أكثر أهمية من الوقت الحاضر( ).
    ويعتقد أن الصيد الجائر، ونقص الموارد، وإفقار البيئة أدى إلى الانتقال من الصيد والجمع إلى الزراعة وجني المحاصيل والرعي، وإلى نشوء علاقات جديدة بين الإنسان والوسط المحيط، جعلت من الحيوانات المفترسة مصدر خطر تهدد الحيوانات الأهلية، مما دفع الإنسان إلى القضاء عليها، وهذا أدى إلى زيادة تهديد البيئة واختلال توازنها.
    وأخيرا يمكن القول: إن جميع نشاطات الإنسان وأعماله واكتشافاته، مكنت الإنسان من تحسين سيطرته على البيئة، هذه السيطرة التي اشتدت مع الزمن، كانت سيطرة ضعيفة ومقبولة في البداية، تحولت شيئاً فشيئاً إلى محكمة وشديدة أضرت بالكثير من الكائنات الحية و أخلت بالتوازن والاستقرار الإيكولوجي.




    الفصل السابع
    التربة والغلاف الصخري (الليثوسفير)

    - تعريف الغلاف الصخري وتعريف التربة
    - مكانة التربة في الأغلفة الجغرافية
    - أهم المشكلات التي تتعرض لها التربة
    - التلوث - التعرية - التملح - الاستنزاف
    - الجفاف والتصحر
    - الإجراءات التي يمكن اتباعها لحماية التربة
    - دور الجغرافية في حماية التربة من التلوث والتدهور




    7- الغلاف الصخري (الليثوسفير Lithosphere):
    إن دراسة الغلاف الصخري ولاسيّما دراسة التربة والعلاقات المتبادلة بين مكوناتها وعناصرها، ومكونات الأغلفة الجغرافية جميعها، الحيوي والغازي والمائي والصخري، هو من المواضيع الهامة في جغرافية البيئة من أجل تقييم خصائص التربة، والاستخدام الأمثل لها، والمشكلات التي تتعرض لها، من تلوث وتدهور واستنزاف الخ، وأسباب ذلك ونتائجه، وتأثيره في التوازن والاستقرار البيئي.
    7-1- تعريف الغلاف الصخري:
    الغلاف الصخري غلاف يشمل جميع أنواع الصخور المكونة للأرض بدأً من سطح الأرض وحتى جوفها بما في ذلك القارات وقيعان البحار والمحيطات، والغلاف الصخري يتكون من عدة طبقات وهي تشتمل على ثلاث طبقات رئيسة هي:
    1- القشرة الأرضية أو أديم الأرض Crust.
    2- الجدار الخارجي (المانتيلMantle).
    3- اللب أو القلب الخارجي Outer Core.
    4- اللب أو القلب الداخلي Inner Core.
    والقشرة الأرضية هي الطبقة الخارجية الصلبة، ويتراوح سمكها بين 8- 40 كلم، أما الجدار الخارجي فيبلغ سمكه 2900 كلم، ويصل سمك قلب الأرض إلى 2500 كلم. والطبقة الخارجية لها تركيب غرانيتي ومغطاة بطبقة من الصخور الرسوبية التي تختلف سماكتها من مكان إلى آخر، وتعرف باسم طبقة السيال (Sial) نسبة إلى عنصري السليكون (Si) والألمنيوم (Al)، ويلي هذه الطبقة طبقة السيما (Sima) نسبة إلى عنصري السليكون والمغنيزيوم (Mg)، وهي طبقة مكونة من طبقتين فرعيتين، طبقة علوية متبلورة، وأخرى غير متبلورة.
    7-2- تعريف التربة Soil:
    للتربة تعريفات كثيرة ومفاهيم متنوعة تختلف من شخص لآخر بحسب اختصاصه وعلاقته بالتربة، من الإنسان، العادي إلى الفلاح، إلى المهندس، إلى الجيولوجي، إلى الجغرافي، وبشكل عام تعد التربة خليطاً من المواد الصخرية والعضوية المفتتة، ومن الماء والهواء، وينمو عليها النبات، وتعيش فيها وعليها كائنات حية مختلفة، وعليها يعتمد الإنسان في حياته وتأمين غذائه وبناء مسكنه وغير ذلك.
    وتعريف التربة بحسب عالم التربة الروسي دوكوتشايف (Dokochaiv) تعد الجسد الرئيسي للطبيعة، وهي تتكون نتيجة علاقة معقدة ومتبادلة بين ستة عوامل هي( ):
    1- الصخر الأم.
    2- عناصر المناخ.
    3- عالم النبات والحيوان.
    4- شكل سطح الأرض.
    5- عمر المكان ودرجة النضج الذي بلغه.
    6- تأثير الإنسان ونشاطاته المختلفة (وهو عامل أضيف لاحقاً إلى العوامل السابقة).
    من خلال ما سبق يتبين أن التربة وسط معقد غير متجانس تشكل الطبقة السطحية الرقيقة من سطح الأرض تكونت خلال ألاف وملايين السنين، نتيجة علاقات متشابكة وطويلة الأمد بين الأغلفة الجغرافية، الغازي والحيوي والصخري، والتربة بدورها تؤثر في هذه الأغلفة الجغرافية، وفي الغلاف المائي أيضاً.
    والتربة وما عليها تشكل نظاماً إيكولوجياً معقداً تطورت دراسته بشكل كبير وأصبح للتربة علم خاص بها، يعرف باسم علم التربة (البيدولوجيا).
    وما يهم أكثر من غيره في هذا الكتاب هو القسم الحيوي من التربة الذي تعيش فيه النباتات ومختلف الكائنات الحية. فالكائنات الحية تعيش على القشرة الأرضية المغطاة بحبيبات التربة، والتربة هي مصدر الغذاء والماء لحياة النباتات، وهي وسط تتراكم فيه بقايا السلسلة الغذائية، وتتحلل تلك البقايا بوساطة كائنات حية دقيقة مثل البكتريا والطحالب والفطريات، والتربة هي موئل للكثير من الحيوانات التي تعيش فيها وعليها في تجمعات محددة.
    7-3- مكانة التربة في الأغلفة الجغرافية:
    نظراً إلى أهمية العلاقات والتأثيرات المتبادلة ضمن الأغلفة الجغرافية، الغازي والحيوي والمائي والصخري، وفيما بينها، وأثر ذلك في التربة، التي تقع في نقطة تلاقي هذه الأغلفة الأربعة، مما يعني أنها سوف تتداخل في كثير من خصائصها مع خصائص هذه الأغلفة( ).
    ويتضح من الشكل أن التربة مكونة من عناصر، ولها صفات متداخلة مع عناصر كل من الغلاف الغازي والصخري والحيوي والمائي، وهي تحصل على بعض عناصرها من هذه الأغلفة، وفي الوقت نفسه تفقد أو تعطي بعض هذه العناصر أثناء الدورات الطبيعية التي تحدث لهذه العناصر، مما يجعل من التربة عنصراً مهماً من عناصر التوازن الإيكولوجي، وفي بقاء الحياة واستمرارها، ولذلك فهي محور اهتمام كثير من العلوم وفي مقدمها علوم البيئة والجغرافية.
    7-4- أهم المشكلات التي تتعرض لها التربة:
    تعاني التربة في معظم مناطق العالم من مشكلات عديدة تتراوح بين العادية والخطيرة جداً، وتنعكس آثارها على العديد من جوانب الحياة، وعلى النظام الإيكولوجي بشكل عام، ويمكن أن نذكر الكثير من هذه المشكلات وأهمها:
    7-4-1- تلوث التربة:
    إن التربة كغيرها من الموارد الطبيعية، والعناصر البيئية تتعرض للتلوث بأشكال مختلفة، ومن مصادر مختلفة، وقد زادت شدة التلوث الذي تتعرض له التربة في الفترة الأخيرة باعتبارها جزءاً من التلوث البيئي بشكل عام، ولأسباب مختلفة منها، زيادة استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية، والنفايات الصناعية، والمنزلية، والتجارية، والإشعاعية، التي تنتهي إلى التربة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، من الجو أو مع المياه، وأهم مصادر تلوث التربة هي:
    أ - التلوث بالمبيدات الكيميائية:
    من المعروف أن المحاصيل الزراعية تتعرض للكثير من الآفات والحشرات الضارة، مما دفع الإنسان إلى استخدام المبيدات الكيميائية المختلفة لمعالجة هذه الآفات والحشرات الضارة والقضاء عليها، وهذا أدى بالنتيجة إلى زيادة الإنتاج الزراعي بشكل كبير، وخفف إلى حدٍ كبيرٍ من الخسائر الناجمة عن هذه الآفات، ولكن زيادة استخدام المبيدات الكيميائية كماً ونوعاً، أدى إلى تلوث التربة بشكل خطير، لاسيما إذا أخذنا بعين الحسبان التحلل والتفكك البطيء للكثير من هذه المبيدات، وتركزها في النباتات والخضار والفاكهة حيث إن نسبة معينة من المبيدات تتركز داخل النباتات والثمار وتبقى فيها وهذا ما يسمى (الأثر المتبقي)، ولا يتم التخلص منه بالغسيل ولا بالطبخ أحياناً، وبالتالي فإنه ينتقل إلى الحيوان والإنسان عبر السلسلة الغذائية.
    وقد عثر على الأثر المتبقي من المبيدات الكيميائية في المياه، والحليب، واللحوم، وفي جسم الإنسان، كما أن الكثير من الحشرات أصبحت معندة ومقاومة للمبيدات، وظاهرة الحشرات أو البكتريا المعندة المقاومة للمبيدات أصبحت معروفة سواءً في المجال الزراعي أو الطبي، ويوجد الآن مئات بل آلاف الأنواع منها، ومن الضروري العمل على معرفتها وتحديدها ومعالجتها والتخلص منها بشكل علمي و صحيح. إن استخدام المبيدات الكيميائية لمعالجة الحشرات والآفات المعندة، يعني ببساطة أن هذه المبيدات أصبحت تقضي على الإنسان، وليس على الحشرات والآفات !، وخصوصا على الأطفال الذين تقدر أعداد من يموت منهم بسبب المبيدات والمواد الكيميائية بمئات الآلاف سنويا ًخصوصا في الدول النامية.
    كما أن بعض الحشرات تكون نافعة ومفيدة في البيئة، وللتربة والقضاء عليها قد يعني القضاء على ما يسمى بالعدو الحيوي، ومن المهم أيضا الانتباه إلى هذه المسألة، والاعتماد على المعالجة الحيوية للتخلص من الآفات والحشرات والتخفيف ما أمكن من استخدام المبيدات الكيميائية خاصة تلك التي ثبت خطورتها ويحظّر من استعمالها.
    ب- التلوث بالمخصبات والأسمدة المعدنية:
    تطلب السعي لتامين المواد الغذائية الكافية للأعداد المتزايدة من البشر والسعي للحصول على إنتاجية عالية من المحصول في وحدة المساحة، تطلب ذلك اللجوء إلى تكثيف الزراعة واستخدام المزيد من المخصبات سواءً العضوية كالدبال أو غيره، أو غير العضوية كالأسمدة المعدنية والكيميائية، بشكل كبير وفي معظم دول العالم، حيث تضاعف استخدام هذه الأسمدة عدة مرات على مستوى العالم خلال فترة قصيرة من الزمن، ورغم فوائد هذه الأسمدة في زيادة الإنتاج في وحدة المساحة، إلا أنها تسببت في تلوث التربة، وتملحها والقضاء على بعض عناصرها.
    كما هو الحال في الأسمدة الفوسفاتية والنتروجينية التي تبقى آثارها في التربة لفترة طويلة من الزمن، وحدوث عدد من المشكلات البيئية والصحية غير المحسوبة، كتلوث المياه، وحدوث بعض الاضطرابات في وظائف النباتات وفي نموها، والإضرار بالصحة البشرية لأن بعض الأسمدة مضر للصحة، وقد تشكل ارتباطات فوضوية مع الآمين الموجود في البيئة، فالنترات تتفاعل مع العناصر الأخرى وقد تؤدي إلى تسمم الدم وربما الموت، أو تصبح نتروآمين وهي مسرطنة وتؤدي إلى الوفاة أيضا.
    ج- التلوث من المنشآت الصناعية ووسائل النقل:
    تسبب المصانع والمعامل ومحطات توليد الطاقة ووسائل النقل وغيرها، تلوثا كبيرا للتربة، جراء ما تقذفه هذه المصادر من مخلفات ناجمة عن العمليات الصناعية المختلفة، واحتراق الوقود فيها، وغير ذلك، ويزداد هذا التلوث بشكل خاص، في المناطق القريبة من هذه المصادر، وأهم الملوثات الناجمة عنها، المعادن الثقيلة كالرصاص، والزئبق، والزنك والنيكل، والكادميوم، وكذلك التلوث بالمعادن الأخرى كالحديد، والنحاس، والمنغنيز، والألمنيوم وغيره، وهذه الملوثات تسقط بشكل مباشر أو غير مباشر على التربة، وتسبب تلوثها وتدهورها وتقليل خصوبتها، وتغيير تركيبها الكيميائي والفيزيائي وغير ذلك.
    د - تلوث التربة بالمواد المشعة:
    تتلوث التربة بالمواد المشعة من مصادر مختلفة ومنها المفاعلات ومحطات توليد الطاقة النووية، ومن التفجيرات والتجارب النووية في الجو أو على سطح الأرض، ومن استخدام المواد المشعة في المجالات العلمية والطبية، أو جراء طمر ودفن النفايات المشعة في أماكن معروفة أو بطرق سرية خاصة في الصحاري، والمواد المشعة تصل بشكل أو بآخر إلى التربة وسطح الأرض، ومنها تنتقل إلى النباتات والحيوانات والبشر عبر السلسلة الغذائية.
    هـ - تلوث التربة بمخلفات الصرف الصحي:
    إن معظم مخلفات الصرف الصحي، سواء المنزلي أو الصناعي أو الطبي أو غيره، تلقى إلى البيئة المجاورة دون معالجة، أو تعالج بشكل أولي، وتلقى في المنخفضات أو الوديان أو الأنهار المجاورة، وأحيانا كثيرة تستخدم لري الأراضي الزراعية، وهذه المخلفات تحتوي على ملوثات ومواد ضارة كثيرة، عضوية وغير عضوية، ومنها: البول والغائط والمعادن والمواد البلاستيكية والكيميائية والبيولوجية والصناعية والطبية، وهي تسبب تغيير في خصائص التربة، وتنتقل منها وعبرها إلى الكائنات الحية المختلفة بما فيها الإنسان.
    و - تلوث التربة بالقمامة والنفايات الصلبة:
    تتكون هذه النفايات من المخلفات المنزلية، كبقايا الطعام، والألبسة، والنسيج، والبلاستيك، والزجاج، والمعادن، والبطاريات، والأخشاب، والعلب والورق، والكرتون، والجلود، وكل المواد التالفة التي يتم التخلص منها في المنزل،

  6. #6
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1
    وكذلك النفايات الصناعية والخردة وبقايا الآلات والسيارات ومخلفاتها، وكذلك المخلفات النباتية والحيوانية، والزراعية، ومخلفات الأسواق التجارية،
    والنفايات الطبية أيضا حيث توجد أنواع متنوعة من المخلفات الطبية، بعضها نفايات غير خطرة أو معدية كبقايا الطعام والورق وبعضها خطرة ومعدية ناتجة عن المرضى المصابين بالأمراض المعدية مثل مخلفات الجراحة والضماد والأفلام والصور الشعاعية وعينات التحاليل ومخلفاتها، ولا بد من فرز النفايات الطبية ووضعها في حاويات خاصة، والتخلص منها بشكل علمي وسليم.
    وبشكل عام فإن جميع هذه النفايات والمخلفات الصلبة في تزايد مستمر ولأسباب كثيرة، منها زيادة عدد السكان، وزيادة النفايات الناتجة عن كل فرد منهم، والعادات الاستهلاكية السلبية وغيرها الكثير، وعادة يتم تجميع هذه القمامة والنفايات، والتخلص منها بشكل سيئ، وعدم إتباع الوسائل العلمية الصحيحة في طمرها أو معالجتها، وأكثر ما نشاهد هذه النفايات في المناطق القريبة من المدن والتجمعات البشرية، وبالتأكيد فإن هذه النفايات تسبب تلوثا كبيرا للتربة، والمياه الجوفية، والبيئة، وتسبب مخاطر وأضرار صحية لا حصر لها.
    ز - تلوث التربة بالكائنات الحية الدقيقة الممرضة:
    تنتشر في التربة وفي أماكن مختلفة ولأسباب مختلفة الكثير من الكائنات الحية الدقيقة والجراثيم، التي قد توجد في التربة وتتكاثر فيها، أو توجد في أمعاء الإنسان، والحيوان ومنه تنتقل إلى التربة عن طريق البراز والبول والصرف الصحي، ومن التربة إلى النباتات والحيوانات والبشر من جديد، وتؤدي إلى الإصابة بعدد من الأمراض كالتيفوئيد، والكزاز، ومرض العصيات أو الانسمام الوشيقي (Botulisme)، وداء النخر العضلي أو ما يسمى الغانغرينا الغازية.
    وعلى سبيل المثال فإن الجراثيم المسببة لداء الكزاز، كثيرة الانتشار في الطبيعة وبخاصة في براز الإنسان والحيوانات كالبقر والخيل والكلاب، وعند طرحها في التربة تتحول إلى بذيرات شديدة المقاومة تنتشر في الطبيعة وتلوث التربة والحقول والنباتات، وتكثر بشكل خاص في الترب الكلسية( ).
    كما أن التربة يمكن أن تتعرض للتلوث بالمواد البترولية، والأمطار الحامضية وزيادة نسبة بعض المعادن فيها وغير ذلك.
    7-4-2- تعرية التربة ونحتها:
    إن عمليات تعرية التربة ونحتها تعد من المؤثرات الضارة جداً بالتربة والبيئة، حيث تنخفض خصوبة التربة، وتنخفض قدرتها الإنتاجية، وشدة التعرية ترتبط بعدة عوامل جغرافية منها، الوضع والظروف الجيومورفولوجية، والظروف المناخية من رياح وأمطار وحرارة وغيرها، ونوع التربة، وتركيبها، وخصائصها، ومحتواها من المواد العضوية، ولا ننسى دور الإنسان في ذلك، حيث يعد من العوامل المسببة للتعرية عندما يقوم بالرعي الجائر، ويقضي على الغطاء النباتي، ويمارس الزراعة غير الصحيحة وغير ذلك، وعمليات التعرية والنحت لها عدة أنواع بحسب مصادرها وأسبابها، ومن هذه الأنواع:
    أ- التعرية الريحية:
    تلك التعرية الناجمة عن تأثير الرياح والعواصف الريحية، التي تعري وتذري الطبقة السطحية من التربة، ويمكن أن تحدث هذه الظاهرة في مختلف المناطق ولكنها تشتد في المناطق الجافة وشبه الجافة والمكشوفة، وهي ظاهرة معروفة في الكثير من مناطق العالم، وتسبب نقل ملايين الأطنان من جزيئات التربة من مكان لآخر، خاصة إذا كانت الظروف الأخرى مساعدة لذلك مثل القضاء على الغطاء النباتي، والحراثة غير الصحيحة، والتصحر والجفاف مما يؤدي إلى إثارة الغبار وحركة الرمال والكثبان الرملية.
    ب- التعرية المائية:
    وهي التعرية التي تحدث من جراء عمل المياه، أثناء حدوث التهطال الغزير والمفاجئ خاصة، والفيضانات والسيول وغير ذلك، وأكثر ما تنتشر التعرية المائية في المناطق المكشوفة والسفوح، والمنحدرات الجبلية، والتعرية المائية هي أخطر أنواع التعرية وأكثرها انتشاراً، وهي تسبب غسل التربة وحرمانها من الكثير من العناصر المعدنية المفيدة.
    ج - التعرية الميكانيكية:
    ويمكن أن نضيف نوعاً ثالثاً من أنواع التعرية، وهي التعرية الميكانيكية، التي تتحول بالنتيجة إلى تعرية ريحية أو مائية، والسبب الرئيسي لهذه التعرية حركة الآلات الثقيلة (العملاقة أحياناً)، والآلات الزراعية، ووسائل النقل، المستخدمة في الزراعة والحفر والتنقيب والبحث عن الثروات المعدنية والباطنية واستخراجها، خاصة في المناطق الجافة والصحراوية، مما يؤدي إلى تفتيت جزيئات التربة وتحريكها، واقتلاع جذور النباتات.
    وبشكل عام فإن جميع أنواع التعرية والنحت، الريحية والمائية والميكانيكية، تحدث أضراراً كبيرة بالتربة والنبات والحيوان، وصحة الإنسان والاقتصاد والبيئة.
    7 - 4 - 3 - تملح التربة:
    إن الكثير من الترب في العالم تتعرض للتملح وإعادة التملح، وذلك يعود لأسباب متعددة منها، الظروف المناخية، والري غير الصحيح، وعدم توافر نظام مناسب لتصريف المياه الزائدة، ومستوى أو عمق المياه الجوفية. وكثيرا ما يحدث التملح أو إعادة التملح عندما ترتفع المياه الجوفية (خاصة تلك القريبة من سطح الأرض) إلى سطح الأرض بالخاصية الشعرية، ثم تتبخر هذه المياه تاركة الأملاح المذابة على سطح التربة، خاصة أملاح الصوديوم، كما يحدث التملح وإعادة التملح بسبب الري المفرط وغير الصحيح مما يؤدي إلى زيادة تراكم الأملاح على سطح التربة.
    ويقدر أن نحو نصف مساحة الأراضي المروية في العالم تعاني من التملح وإعادة التملح، مما ينعكس سلبا على خصوبتها، وقدرتها الإنتاجية، وصلاحيتها للزراعة، وخسائر اقتصادية باهظة. ومن الضروري العمل على حماية التربة من التملح وإعادة التملح عن طريق إتباع أساليب الزراعة والري الصحيحة، كالدورة الزراعية وإراحة الأرض والري بالرذاذ والتنقيط والري المحوري وعدم الري بالسيح، وإتباع طرق التصريف الصحيحة للمياه الزائدة وشق قنوات مناسبة لذلك.
    7-4-4- تصلب التربة:
    تعاني التربة من مشكلات أخرى كثيرة، ومنها ظاهرة التصلب، بسبب أساليب الزراعة غير الصحيحة، وخاصة اللجوء إلى فلاحة التربة، أو تحرك بعض الآلات (الثقيلة خاصة) فيها، عندما تكون موحلة أو غدقة مما يؤدي إلى تصلبها وتحولها إلى كتل صلبة، يصعب استصلاحها وحراثتها وتهويتها، وتتحول إلى ترب قاسية متصلبة ومتصحرة وغير صالحة للزراعة، وهذه الظاهرة تنتشر في بعض ترب ومناطق العالم.
    7-4-5- استنزاف التربة:
    إن أشكال استنزاف التربة وتخريبها متنوعة وكثيرة جداً، منها القيام بالزراعة الكثيفة واستخدام الأسمدة المعدنية والمبيدات الكيميائية بشكل مفرط، وعدم اتباع الدورات الزراعية الصحيحة، والتوسع العمراني الريفي والحضري على حساب الأراضي الزراعية أو الصالحة للزراعة، وكذلك الإنشاءات الأخرى كالجسور والطرق والمطارات والمناطق الصناعية وغيرها، أضف إلى ذلك إشغال التربة بالنفايات والقمامة الصلبة، ومخلفات الصرف الصحي، المختلفة الأنواع والمصادر، وتخريب التربة وتجريفها وتدميرها بالحروب المختلفة والمتزايدة، وكل هذه الأمور تسبب استنزافاً للتربة وخروج الكثير من مساحاتها من دائرة الترب المنتجة والمفيدة.
    7-4-6- الجفاف والتصحر:
    7-4-6-1 - تعريف الصحراء:
    قبل الحديث عن التصحر لا بد من إعطاء فكرة عن الصحراء نفسها. حيث يظن الكثيرون أن الصحراء بقعة جغرافية خالية من جميع أشكال الحياة تقريباً، خالية من المياه والحيوانات والنباتات إلا ما ندر ! ولكن هذا ليس صحيحاً، ونظرة فاحصة للصحراء تبين ذلك، فهي غنية إلى حدٍ ما بالتنوع الحيوي، ففيها الثعابين والسلاحف والسحالي والزواحف، والعنكبوت والبوم والفئران، وأنواع من النمل والقراديات، وبعض أنواع الثدييات والطيور، والكثير من الحشرات وغيرها.
    وجميع هذه الكائنات استطاعت أن تستفيد من الموارد المتاحة في الصحاري وأن تتأقلم مع الظروف السائدة فيها، ومما لا شك فيه أن لكل صحراء خصائصها وكائناتها المميزة لها التي قد لا توجد في صحاري وأماكن أخرى، وعند الحديث عن الصحاري أول ما يتبادر إلى الذهن هو حاجة هذه الصحاري للمياه، وكلما كانت المياه أوفر كلما كان الوضع أفضل، وذلك لأن المشكلات التي تعاني منها الصحاري سببها نقص المياه التي تنعكس فقراً ومرضاً على سكان هذه المناطق.
    والأمر باختصار كما يراه البعض أن أعطِ الصحراء مياهاً تعطيك الزهر والزرع، وفي هذا الأمر شيئ من الحقيقة، ولكن ليس الحقيقة كلها! فواقع الحال أكثر تعقيداً من ذلك.
    إن المياه في تصورنا مرتبطة بالحياة والحركة والعطاء، وظهور الكثير من المجتمعات، وقيام الكثير من الحضارات عبر التاريخ ارتبط بالماء، وهكذا نرى أن المياه هي إحدى أهم متطلبات الحياة.
    ولذلك يظن للوهلة الأولى أن الصحراء تحوي كل شيء لإنتاج محصول جيد فيما لو توافرت لها المياه، وإن كان هذا الأمر صحيحاً في مكان ما أو صحراء ما، فإنه ليس صحيحا في صحراء أخرى، وهذا الفهم الخاطئ لخصائص الصحراء أدى إلى خسائر فادحة في الماضي القريب والبعيد أيضاً، وأدى إلى زيادة التصحر واتساع رقعة الصحاري عندما تم جر المياه وزراعة بعض المناطق الصحراوية، كما حدث في بلدان آسيا الوسطى، وبعض البلدان العربية، وفي بعض مناطق أفريقية وغيرها.
    لأن زراعة الأماكن الجافة وشبه الجافة تؤدي إلى زيادة حدة التصحر، والمشكلة هنا لا تنحصر في جانب واحد فقط وإنما في جوانب متعددة، وتختلف باختلاف الظروف من مكان لآخر، فالصحراء كما تعاني من نقص المياه يمكن أن تعاني من زيادتها في الوقت نفسه، ليس من زيادة المياه بالتحديد وإنما من التأثيرات السلبية الناجمة عن استخدامها، التي يتعرض لها النظام البيئي في المناطق الصحراوية، وتظهر هذه التأثيرات في التملح والنحت والغسل وغيره.
    والصحاري تشكل نحو 45 % من سطح اليابسة، وقد قدم الكثير من الباحثين تعريفات معينة للصحاري والصحراء عبّرت عن تخصصاتهم العلمية المختلفة، ويمكن تعريف الصحراء بأنها عبارة عن وسط بيئي مميز، وهي مساحات من الأرض، شديدة الجفاف، ومرتفعة الحرارة، والمدى الحراري اليومي والسنوي فيها كبير، وقليلة الأمطار، وشديدة التبخر (باستثناء الصحاري الجليدية)، والصحاري هي مناطق قاحلة يتكون سطحها من خليط من الرمال والصخور والحجارة مختلفة الأحجام والأشكال.
    والصحاري تعاني من شح الرطوبة ونقص المياه السطحية مما يعيق نمو النبات، وفيها توجد أنواع معينة من النباتات والكائنات الحية التي تتحمل الجفاف، كالنباتات الحولية التي تستطيع المرور بدورة النمو من البذرة إلى النبتة خلال فترة المطر الصحراوي القصيرة التي قد لا تتجاوز عدة أيام أو أسابيع، وكذلك النباتات التي تتكيف مع الظروف الصحراوية كشجيرات الصبار والسنط والعجرم، وبعض النباتات التي تتفادى الجفاف وتتكيف معه على شكل درنات أو بصلات تحت سطح التربة.
    وكذلك الكثير من الكائنات الحية الأخرى (ذكرناها سابقاً)، ولا ننسى الجمل أو سفينة الصحراء كما يسمى، الذي يختزن الماء في جسمه لفترات طويلة، ويفقد الماء ببطء، ويختزن الدهون في جسمه لكي تمده بالطاقة اللازمة عند الحاجة، ويملك فراء وجلداً سميكاً يعمل عازلاً حرارياً، وأقدامه مهيأة للسير والحركة في الصحاري.
    7-4-6-2- تعريف التصحر:
    تعد ظاهرة التصحر مشكلة بيئية على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، وخطرها لا يقل عن خطر تلوث الماء أو الهواء أو التربة، أو القضاء على الغابات.
    فما التصحر؟ وما أسبابه؟ وكيف يمكن مواجهته؟ إنها أسئلة كثيرة في هذا المجال، سوف نحاول الإجابة عنها.
    إن التصحر هو زيادة مساحة الأراضي الصحراوية والتحول إلى ظروف أشد جفافاً، والتصحر لا يعني بالتحديد تحول هذه المنطقة أو تلك إلى صحراء قاحلة كما يفهمه البعض، وإنما أي تدنٍ أو تراجع في المردود الاقتصادي الزراعي، أو تغير في العناصر البيئية، بسبب الاستغلال المكثف لها من قبل الإنسان وبشكل سلبي يمكن أن نطلق عليه تعبير التصحر.
    لقد عرّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة التصحر بأنه تدهور في فاعلية المناطق الجافة، وشبه الجافة، ودون الرطبة، بتأثير العامل البشري السلبي. ويعد هذا التعريف الصادر عام 1991 نسخة منقحة عن صيغة التعريف الصادر عام 1977 الذي أصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتصحر. وينص هذا التعريف على وصف التصحر، بأنه قصور أو تدهور في البنية البيولوجية الكامنة للأرض، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى الشكل الصحراوي الذي تتخذه الأرض، وقد يكون التصحر فرض ظروف صحراوية على منطقة ما كانت قبل ذلك قادرة على إعالة الحياة النباتية والحيوانية، وهذا يعني الاتفاق حول اعتبار التصحر عملية تدهور حالة الأراضي مهما كانت الأسباب.
    7-4-6-3- أسباب التصحر:
    يرى البعض أن سبب التصحر هو التعرية الريحية للأراضي الرعوية الرملية، أو الأراضي البعلية, بينما يرى آخرون أن السبب هو الرعي الجائر، ويرى فريق آخر أن السبب الرئيس للتصحر هو تغير الظروف المناخية وتحول المناخ إلى الجفاف. وهنا يمكن التمييز بين الصحاري الطبيعية والصحاري المفتعلة، فالأولى جميلة وهي تحتوي على تشكيلة متنوعة من النباتات والحيوانات، أما الثانية فهي ليست جميلة، وهي بسبب ما تعرضت له أصبحت تفتقر إلى النباتات والحيوانات المتنوعة.
    ولكن كيف تنشأ الصحاري، وما أسباب التصحر ؟
    إن طبيعة التصحر يمكن أن تكون معقدة وتحدث نتيجة أسباب وآليات معقدة تتضافر في إحداث عمليات التدهور البيئي، الذي يؤدي بالنتيجة إلى حدوث التصحر. وهكذا فإن الصحاري الواسعة تنشأ في جميع قارات العالم، لعدة أسباب طبيعية وبشرية، أي ليس بفعل عوامل طبيعة فقط ولكن بسبب أعمال الإنسان ونشاطاته الخاطئة التي تحول الكثير من الأراضي المنتجة إلى فقيرة وقليلة الإنتاج، وينعكس ذلك سلبا في البيئة وعلى مختلف مكوناتها، إن أسباب التصحر كثيرة ومتنوعة ومنها:
    أ- الموقع الجغرافي، حيث تكون الصحاري داخلية، أو معزولة عن الرطوبة بسبب التضاريس والمسافة.
    ب- الظروف المناخية السائدة، المؤثرة في الكتل الهوائية والضغوط الجوية، والتي تسبب الاضطرابات الجوية وتساعد على سيطرة الجفاف.
    ج- أسلوب الإنسان المتبع في استغلال الأرض، إذ يتم زراعة الأراضي الهامشية، واستغلال أراضٍ غير قادرة أصلاً على تحمل الزراعة أو الرعي، والنظام البيئي فيها هش وغير معقد أو متوازن بدرجة كافية، وهذا الأمر يلاحظ بالدرجة الأولى في الدول النامية، والأرض غير قادرة على تحمل هذا العبء لمدة طويلة، ومع الزمن تصبح التربة سيئة التغذية ومتدهورة إلى حدِ خطير وأكثر مما يجب.
    د- استنزاف الموارد الطبيعية، بسبب تزايد أعداد السكان وتزايد حاجاتهم ومتطلباتهم من البيئة، وهذا ساعد في زيادة حدة التصحر، فقد عمل الإنسان منذ وجوده على سطح الأرض على استخدام الموارد الطبيعية والاستفادة منها، وكان عدد السكان قليلاً، واستغلال الموارد بطيئاً والآثار السلبية الناتجة عنه بسيطة، نتيجة تواضع حاجاته ومتطلباته من الطبيعة في تلك الأزمان. وإذا كان التصحر يمكن أن يحدث بسبب الظروف الطبيعية والتغيرات المناخية، فإن التصحير (كما يحلو للبعض تسميته) هو التصحر الناجم عن التأثيرات البشرية المختلفة.
    هـ - الرعي الجائر، خاصة بسبب زيادة عدد الحيوانات الرعوية عن طاقة المراعي، ولذلك فكثيراً ما صار يوصف البدوي بأنه أبو الصحراء وليس ابنها كما كان يوصف سابقاً.
    و- قطع وحرق الأشجار والنباتات الخشبية، فالغطاء النباتي هو انعكاس للظروف الطبيعية.
    ز- التعرية المائية والريحية، التي هي نتيجة وسبب في آن معاً، وتختلف شدة التصحر وخطورته بحسب شدة هذا التأثيرات وخطورتها.
    ح- غسل التربة وفقدان العناصر المفيدة فيها، جراء السيول التي تحدث أحياناً، لأن قطع وحرق الغطاء النباتي يؤدي إلى تعرية التربة وانجرافها، وبالتالي إذا هطلت الأمطار أخيراً لا تجد نباتاً أو تربة لإبقاء الماء والمحافظة عليه، لذا يحدث الفيضان، وتنجرف جزيئات التربة وتتقاذفها الريح وتغسلها المياه بعيداً.
    ط- التملح، الذي تتعرض له التربة، خاصةً بسبب أعمال الري غير الصحيحة، ويقدر أن نصف مساحة الأراضي المروية في حوض الفرات في سوريا تعاني من التملح وإعادة التملح، وكذلك الحال في بلدان عربية أخرى، ودول في مختلف قارات العالم.
    وبحسب معطيات هيئة الأمم المتحدة فإن 12 % من مساحة أفريقية شمال خط الاستواء تعاني من التعرية والنحت المائي، وأن 17 % من أراضي الشرق الأوسط تعاني من التخريب والتصحر، والسبب الرئيس لهذه الظواهر اعتماد أساليب وطرائق زراعية غير صحيحة. ويقدر أنه في السنوات الأخيرة فإن النحت والرعي الجائر والقضاء على الغطاء النباتي واستخدام الزراعة الكثيفة خاصة في المناطق القريبة من مصادر المياه، كل هذا أدى إلى حدوث خسائر كبيرة في الأقاليم الجافة وشبه الجافة في أفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها.
    7-4-6-4- الإجراءات التي يمكن إتباعها لمكافحة التصحر:
    لقد أصدر مؤتمر الأمم المتحدة للحد من انتشار التصحر، والذي عقد في نيروبي بكينيا، مجموعة كبيرة من التوصيات اشتملت على نحو 28 توصية، شملت معظم المناحي التقنية والسياسية والبشرية المتعلقة بأهم الإجراءات التي يمكن إتباعها لمكافحة التصحر والحد منه، ومن هذه التوصيات نذكر:
    1- مراقبة ومتابعة أنشطة الرعي وتجنب أخطار الرعي الجائر في الأماكن المختلفة.
    2- إعداد برامج تفصيلية لصيانة وتحسين التربة.
    3- إعداد برامج تفصيلية لصيانة وتحسين الغطاء النباتي.
    4- تحديد درجات وأماكن التدهور البيئي، من خلال استخدام صور الأقمار الصناعية، ووسائل الاستشعار عن بعد.
    5- حماية مصادر المياه السطحية، والجوفية، وزيادتها، وترشيد استخدامها.
    6- تبادل المعلومات، والاستفادة من الخبرات والتجارب الرائدة في مجال الحد من التصحر، والتعاون الدولي والإقليمي في مكافحة التصحر.
    7- العمل على وقف حركة الكثبان الرملية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك.
    8- وضع نظام رصد بيئي متكامل لمراقبة عمليات التحطيب، والتغيرات التي تتعرض لها الصحاري، ودراسة هذه التغيرات بشكل كاف ومناسب.
    9- التوسع في إنشاء المحميات الطبيعية المناسبة، وحمايتها.
    10- اختيار النباتات والأشجار المناسبة للظروف البيئية، وزرعها، وحمايتها.
    11- وضع التشريعات والقوانين البيئية، وجعل تطبيقها ممكنا على أرض الواقع
    12- إقامة المؤتمرات والندوات، ودعم وتطوير وسائل التوعية البيئية في مجال التصحر ومقاومته، وغير ذلك من التوصيات.
    7-4-7- الإجراءات التي يمكن اتباعها لحماية التربة:
    - حماية الغطاء النباتي، بما يكفل حماية التربة من التعرية والنحت والجفاف.
    - استخدام الأساليب الحديثة والمناسبة في الري، مثل الري بالتنقيط والرذاذ.
    - استصلاح الأراضي التي تعرضت للتملح، أو إعادة التملح أو التدهور أو غيره.
    - حماية التربة من التلوث بمختلف أشكاله ومصادره.
    - حماية التربة من التوسع العمراني الحضري أو الريفي، وتخطيط هذا التوسع في الاتجاه المناسب، بشكل يساعد في المحافظة على التربة الخصبة منها على الخصوص.
    - العمل على تلافي التغييرات غير الضرورية لسطح الأرض.
    7-4-8- دور الجغرافية في حماية التربة من التلوث والتدهور:
    كنا ذكرنا أن التربة وسط غير متجانس، وأنها تشكل الطبقة السطحية الرقيقة من القشرة الأرضية، التي تكونت خلال آلاف وملايين السنين نتيجة علاقة معقدة بين الأغلفة الجغرافية المختلفة: (الجوي والمائي والصخري والحيوي)، وبتأثير العمليات الفيزيائية والكيميائية والحيوية.
    والتربة أيضاً من العناصر الضرورية للحياة وشرط أساسي لأي إنتاج غذائي، وهي تؤثر وتتأثر بغيرها من العناصر الطبيعية كالماء والهواء وتؤثر في الدورات الطبيعية المختلفة. والتربة من أكثر الموارد الطبيعية التي تتعرض للتغير والتخريب والتدهور، من جراء الكثير من أنشطة الإنسان السلبية المسرفة في استخدام الأرض والقضاء على الغطاء النباتي، وزيادة حدة التعرية والتصحر وغير ذلك من التغيرات ولأسباب مختلفة.
    إن اهتمام الجغرافية بفروعها المختلفة، خاصة تلك الفروع التي لها ارتباط وعلاقة بالجغرافية التطبيقية بالتربة ومكوناتها يختلف عن اهتمام الكثير من العلوم الأخرى، لأن الجغرافية تنظر إلى الأرض نظرة محددة باعتبار الأرض هي المكان الذي يشكل موئل ووطن الإنسان والمؤثر في حياته وحياة أجياله، ولكن الإنسان بدوره يؤثر في التربة بأشكال مختلفة، فيؤدي إلى تغيير شكل سطح الأرض ومكوناتها هنا أو هناك، ويتسبب في خفض قدرتها الإنتاجية، وتخريب المكونات الجمالية للتربة وتعريضها للتلوث والتدهور والتصحر والاستنزاف.
    إن الجغرافية تقوم بدور واضح في دراسة خصائص التربة وشكل سطح الأرض، وتأثير ذلك في الإنسان ونشاطاته المختلفة، وفي الوقت نفسه تدرس أثر الأنشطة البشرية المتنوعة على استعمالات الأراضي في الظروف الجغرافية المختلفة، هذه الأنشطة التي تختلف في حدتها وشدة تأثيرها في تغيير شكل سطح الأرض، ومستوى وحجم هذا التغيير ودوره في تعديل البيئة والنظام البيئي في مكان معين.
    وهذا الدور الجغرافي يمكن أن يتم من خلال وجهة نظر جغرافية شمولية، للتعرف إلى استخدامات الأرض في المناطق الريفية أو الحضرية، وإعطاء صورة واضحة وكاملة عنها، وشرح العوامل البيئية الطبيعية أو البشرية، وأثرها في أشكال استخدام الأرض من النواحي السلبية والإيجابية، بغية معرفة خصائص الاستخدامات الموجودة، وتقرير إزالتها عندما تكون سلبية، والإبقاء عليها في حال كونها مناسبة وإيجابية، والبحث في كيفية تنميتها وتطويرها وفقاً لأسس تنموية سليمة، وذلك بالاعتماد على الخرائط التي ترصد واقع استخدام هذه الأراضي في الماضي والحاضر.
    وقد تم وضع خرائط استعمالات الأراضي للكثير من المواقع في العالم وفي الوطن العربي سواءً بالاعتماد على الطرق التقليدية القديمة، أو باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد، ونظام المعلومات الجغرافي، وذلك بهدف التخطيط السليم لاستخدامات الأرض في المستقبل، ومعرفة الأماكن التي طرأ على منظومتها الطبيعية خلل ما بسبب الاستخدام العشوائي غير المخطط للأراضي( ).
    كما أنه وعلى ضوء دراسة استعمالات الأراضي في أية منطقة يتم تقويم النتائج المترتبة على ذلك، واقتراح الإجراءات الفعالة من أجل التخطيط السليم لهذه الاستعمالات في المستقبل بحيث يكون هذا الاستخدام أكثر كفاءة للأرض ويساعد في الحصول على إنتاجية جيدة، وعدم حدوث تدهور للتربة وتأثيرات سلبية في البيئة من جراء ذلك، وهذا يتطلب دراسة جغرافية دقيقة لطبيعة الأرض وطبيعة التأثير البشري فيها.
    وبحسب (الشمراني)، فإن دراسة استعمالات الأراضي في الحضر تتميز بأنها لم تعد قاصرة على المهندسين فحسب، حيث أثبت الجغرافيون قدرتهم في إجراء الدراسات الحقلية المتعلقة بمسوح استعمالات الأراضي وتحليلها، وإعداد الخرائط التفصيلية اللازمة لها إلى جانب الإسهام في التخطيط المستقبلي لاستعمالات الأراضي في المدن والريف على حدٍ سواء. وتجدر الإشارة إلى أن دراسة استعمالات الأراضي في المدن والريف معاً تعد من أهم العوامل التي دفعت بعلم الجغرافية ليصبح في مقدمة العلوم التطبيقية، ذلك أن الخرائط الناجمة عن دراسة استعمالات الأراضي أصبحت ضرورية ولا غنى عنها في عمليات التخطيط للنمو الحضري( ).
    وتشكل التربة وسطاً معيشياً مناسباً لعددٍ كبيرٍ من الكائنات الحية الدقيقة، والكائنات الحية الأخرى ويختلف دور كل ٍمن هذه الكائنات وعلاقتها بالبيئة والإنسان، وهنا يظهر أيضاً دور الجغرافية وأهميتها في دراسة العلاقة بين التربة وعناصرها وبين صحة الإنسان، وهذا ما تقوم به وتتصدى له الجغرافية البيئية والطبية بفروعهما المختلفة.
    والجغرافية تدرس ما يسمى بالتغذية الاسترجاعية للأرض - وهي أن الأرض تعمل وفق نظام مفتوح، لكل فعل فيه رد فعل - وقد تكون التغذية الاسترجاعية مدمرة للمنظومة البيئية، وهي ترتبط بعدة عوامل تعد في صميم الدراسة الجغرافية، ومن هذه العوامل( ):
    1- النمو السريع للسكان.
    2- الزراعة التي تتجاوز حدودها المتاحة من قبل البيئة.
    3- الرعي الجائر.
    4- الحرق الجائر للأنواع الخشبية من النباتات للحصول على الوقود.
    5- غياب فترات الراحة، وعدم إتاحة الفرصة للنباتات كي تستعيد نموها.
    كما أن للجغرافية دور هام في دراسة الوضع المعاصر والوضع السابق للتربة، والتنبؤ بمدى كفايتها في المستقبل لتأمين الغذاء والكساء والمسكن للأعداد المتزايدة من السكان، وهو دور لا يضاهى وينبع من معرفة أهمية التربة ومعرفة أهم التغيرات التي تتعرض لها، من تلوث وتدهور يرتبط بالظروف الجغرافية المختلفة، فإذا علمنا أن مساحة الأراضي في العالم تبلغ نحو 13392 مليون هكتار ومساحة الأراضي الصالحة للاستغلال تبلغ نحو 8608 مليون هكتار، بينما مساحة الأراضي المزروعة فعلاً فلا تتجاوز 1.5 مليون هكتار، وكل مولود جديد يحتاج إلى نحو 0.5 هكتار لتأمين حاجته من المواد الغذائية، ويحتاج إلى نحو 800 متر من أجل السكن والطرق. ومع استمرار زيادة عدد السكان فهذا يعني تناقص حصة الفرد من هذه الأراضي.
    كما أن التربة تتعرض للتلوث بطرائق وأشكال مختلفة، بسبب زيادة استخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة المعدنية، وزيادة الفضلات المنزلية والنفايات الصناعية والمواد الإشعاعية وغيرها، وهذا التلوث يؤدي إلى حدوث عواقب سلبية على الكائنات المختلفة، وإلى التأثير في صحة الإنسان، وهذا ما يجب أخذه بالحسبان عند القيام بأية دراسة تتعلق بذلك.
    وتعد التربة أو المظهر العام لها، أو المنظر الطبيعي للمكان، مجالاً للسكن والعمل، ومجالاً للراحة وتجدد نشاط الإنسان، لأن طرائق استخدام المكان وتنظيمه مهمة جداً، وفترات الراحة والاستجمام لها دور كبير جداً في زيادة القدرة الإنتاجية للإنسان، وفي نشر المعرفة، وتحسين الحالة الصحية والتقليل من التعرض للمرض، وتخفيف الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ذلك، وهذه كلها من الأهداف التي تسعى الجغرافيا لدراستها وتحقيقها، وتحقيق التوازن بين حاجات الإنسان وإمكانات التربة والطبيعة.





    الفصل الثامن
    الغلاف الجوي (الاتموسفير)

    - تعريف الغلاف الجوي وأهميته
    - تركيب الغلاف الجوي وبنيته
    - تلوث الغلاف الجوي
    - المصادر الطبيعية لتلوث الغلاف الجوي
    - المصادر البشرية لتلوث الغلاف الجوي
    - غاز الأوزون في الغلاف الجوي
    - عامل البيت الزجاجي
    - الضبخان
    - الأمطار الحمضية
    - إجراءات حماية الغلاف الجوي
    - دور الجغرافية في حماية الغلاف الجوي



    8- الغلاف الجوي (Atmosphere):
    8-1- تعريف الغلاف الجوي:
    الغلاف الجوي هو طبقة، أو هالة شفافة تحيط بالكرة الأرضية بما فيها من يابس وماء إحاطة تامة، ويعرف أحيانا بالغلاف الغازي أو الهوائي، لأنه يضم الهواء الذي يحوي مختلف أنواع الغازات، وتمتد من سطح الأرض وإلى ارتفاع غير محدد بدقة، و (الغلاف الغازي) الأتموسفير، مصطلح مأخوذ من كلمتين يونانيتين هما، Atmos وتعني هواء، و Sphaira وتعني كرة أو غلاف.
    ويرجح أن الغلاف الجوي تكون أثناء تكوين الأرض، إلا أن مكوناته قد تعرضت للتغير عدة مرات خلال الأزمنة الجيولوجية، وكانت هذه المكونات في البداية غير صالحة للحياة، وشيئا فشيئا، خاصة بعد تكون غاز الأكسجين وغاز الأوزون وغيره من الغازات أصبحت الحياة ممكنة.
    8-2- أهمية الغلاف الجوي:
    خلق الله سبحانه وتعالى الكون كله بما فيه من مجرات ونجوم وكواكب، ونظمه بهذه الطريقة الرائعة التي تدل على عظيم قدرته وحكمته، ولكل مكون أو عنصر من عناصر الكون وظيفة ودور، وتتجلى أهمية الغلاف الغازي في الكثير من الأمور التي نعرفها، وربما الكثير منها التي لم تتيسر معرفتها لنا بعد، وللغلاف الجوي ومكوناته دور مهم في جميع العمليات والظواهر التي تحدث في الغلاف الجغرافي، ومن أهميته ما يلي:
    1- يشكل درعاً واقياً، يحمي الكائنات الحية من الأشعة فوق البنفسجية وغيرها من الأشعة الكونية الضارة.
    2- يشكل درعاً واقياً، يحمي الأرض والكائنات الحية من شظايا الشهب والنيازك والمذنبات.
    3- يشكل منظماً حرارياً، ينظم توزيع الحرارة على سطح الأرض بين الليل والنهار، وبين فصول السنة.
    4- يشكل منظماً ضوئياً، ينظم انتشار وتوزع الضوء على سطح الأرض.
    5- يعطي السماء لونها الأزرق، المعروف بالسماوي، وهذا يرتبط بالجزيئات والعناصر الموجودة في الغلاف الجوي.
    6- بفضل الغلاف الجوي تتشكل الغيوم والرياح والأمطار وغيرها من ظواهر الطقس المعروفة.
    7- يحوي الهواء المحمل بالأكسجين الضروري للحياة.
    8-3- تركيب الغلاف الجوي (الغازي) ومكوناته:
    يتركب الغلاف الجوي من خليط من الغازات قيم بعضها ثابتة، وقيم بعضها الآخر متغيرة من فترة لأخرى أو مكان لآخر، ومن هذه الغازات النتروجين والأكسجين والأرغون وثاني وأول أكسيد الكربون والماء بحالاته الثلاث السائلة والغازية والصلبة، والنيون والميتان والأوزون، وعدد كبير من الغازات والجزيئات الأخرى، والجدول (3) يوضح بعض هذه الغازات ونسبتها في الغلاف الجوي.
    ويتبين من الجدول أن أربعة فقط من الغازات الموجودة في الغلاف الجوي تشكل ما نسبته 99 % من حجم الهواء الجوي، بينما جميع الغازات الأخرى تشكل أقل من1 % منه، وتسمى أحيانا بالغازات النادرة أو النزرة، وجميع الغازات مهما كانت نسبتها كبيرة أو صغيرة ذات أهمية بالغة في الغلاف الجوي، ووجودها يساعد في حفظ التوازن والاستقرار البيئي، وقد تؤدي التغيرات المصطنعة التي تتعرض لها إلى اختلال هذا التوازن وحدوث مخاطر بيئية معينة.
    النسبة المئوية % الوزن الذري الرمز اسم الغاز تسلسل
    78.0 28.02 N2 النتروجين 1
    20.09 32.0 O2 الأكسجين 2
    0.9 39.88 Ar الأرغون 3
    0.03 44.0 CO2 ثاني أكسيد الكربون 4
    0.0018 20.18 Ne النيون 5
    0.0005 4.0 He الهليوم 6
    0.00005 2.02 H2 الهيدروجين 7
    0.00006 48.0 O3 الأوزون 8
    الجدول (3) أهم الغازات في الغلاف الجوي
    8-4- بنية الغلاف الجوي (الشاقولية أو العمودية):
    يقسم الغلاف الغازي بحسب بنيته العمودية، الممتد من سطح الأرض وحتى ارتفاع نحو 1000 كيلو متر إلى عدد من الطبقات الرئيسية، وعدد من الطبقات الفرعية أو الثانوية التي تفصل بينها، ولكل طبقة من هذه الطبقات الرئيسية أو الثانوية، خصائص وميزات سواء من حيث الارتفاع أو درجة الحرارة أو الضغط أو الغازات الموجودة فيها الخ، وأهم هذه الطبقات وخصائصها هي:
    1- طبقة التروبوسفير (Troposphere):
    أهم ميزات هذه الطبقة ما يلي:
    - تشكل الجزء الأسفل من الغلاف الغازي، وارتفاعها الوسطي من 10 - 12 كلم.
    - تحدث فيها مختلف ظواهر الطقس (النوء)، لذلك تسمى أحيانا بالطبقة النوئية.
    - تحوي نحو 80 % من كتلة الجو العامة.
    - تنخفض درجات الحرارة فيها مع الارتفاع بمعدل 6مْ / كلم، لتصبح 60 تحت الصفر عند سقفها العلوي تقريباً.
    - يوجد فيها معظم بخار الماء، وتتشكل فيها مختلف أنواع السحب.
    2- طبقة الستراتوسفير Stratosphere)):
    أهم ميزات هذه الطبقة ما يلي:
    - تلي طبقة التروبوسفير في الارتفاع، وترتفع من 40 - 50 كلم.
    - يوجد فيها التركيز الأعظمي لغاز الأوزون O3، (طبقة الأوزون).
    - درجة الحرارة فيها ثابتة تقريبا وتزداد مع الارتفاع لتبلغ صفر مْ، عند سقفها العلوي.
    3- طبقة الميزوسفير Mesosphere)):
    تسمى أحيانا بالطبقة الوسطى، وأهم ميزاتها ما يلي:
    - أقصى ارتفاع لها 70 - 80 كلم.
    - فيها تبدأ عملية تأين الهواء، بسبب النشاط الإشعاعي الكوني والأرضي وتتكون أيونات مختلفة ذات شحنات موجبة أو سالبة.
    - فيها تحدث ظاهرة الشفق القطبي أو الهالة القطبية Northern Light.
    - تتناقص درجات الحرارة مع الارتفاع بشكل كبير لتبلغ عند سقفها العلوي 90 مْ، تحت الصفر، وهي أقل درجة حرارة معروفة في الغلاف الجوي، ويعتقد أن ذلك بسبب عدم وجود غاز الأوزون، وغياب دوره.
    - لها دور مهم في حماية سطح الأرض من الأشعة الكونية الضارة.
    4- طبقة الإيونوسفير (Ionosphere):
    أهم ميزات هذه الطبقة ما يلي:
    - هنا تحدث عملية تأين الهواء بشكل كامل، خاصة على ارتفاع بين 100- 300 كلم، وتحدث هذه العملية بسبب ارتطام الأشعة السينية والأشعة فوق البنفسجية بجزيئات الهواء عند هذا الارتفاع.
    - لها دور مهم في رد موجات الراديو إلى الأرض، و تسمى بالطبقة المتأينة، أو طبقة الأثير.
    - كثافة الهواء منخفضة، والهواء شديد التخلل.
    - ارتفاعها يتجاوز 500 كلم.
    - ترتفع درجة حرارة هذه الطبقة إلى أكثر من 1000 مْ، عند حافتها العليا.
    5- والبعض يضيف طبقات أخرى إلى الغلاف الجوي، أصبحت بعض المعلومات عنها معروفة ومتداولة، ومنها طبقة الإيكسوسفير، وتقع على ارتفاع يصل إلى 1000 كلم، وتسمى بطبقة التشتت، حيث تتبدد وتتشتت الجزيئات والغازات في الغلاف الجوي. وكذلك طبقة الماغنيتوسفير، وهي ترتفع أكثر من 1000 كلم، وتكون الجزيئات فيها مشحونة كهربائيا وممغنطة، ولذلك تسمى بالطبقة المغناطيسية، والشكل (22) يوضح هذه الطبقات وارتفاعها في الغلاف الجوي( ).
    وتوجد عدة طبقات انتقالية فيما بين الطبقات الرئيسة في الغلاف الجوي، ومن هذه الطبقات، طبقة التروبوبوز بين طبقتي التروبوسفير والستراتوسفير، وطبقة الستراتوبوز بين طبقتي الستراتوسفير والميزوسفير، وطبقة الميزوبوز بين طبقتي الميزوسفير والأيونوسفير.
    8-5- تلوث الغلاف الجوي:
    يمكن تعريف تلوث الغلاف الغازي بأنه وجود مواد غازية أو صلبة أو سائلة أو جزيئية، بكميات وتراكيز أكثر من الحالة الطبيعية، ولفترات طويلة، مما يؤدي إلى إحداث خلل في النظام البيئي، وأضرار بصحة الإنسان وغيره من الكائنات الحية، وتلوث الهواء يقاس بعدة أشكال منها، الميكروغرام أو الميلي غرام في المتر المكعب، أو الوزن (أي غرام أو كلغ أو طن) على وحدة المساحة (م2 أو كلم2 أو هكتار)، أو جزء في المليون ppm، أو جزء في البليون (المليار) ppb، أو جزء في التريليون ppt.
    8-5-1- مصادر تلوث الغلاف الغازي:
    تصنف هذه المصادر في نوعين رئيسيين هما المصادر الطبيعية، والمصادر البشرية، وإن هذه المصادر تشمل قائمة كبيرة من الملوثات ذات المنشأ الطبيعي في الجو أو الأرض، أو ذات المنشأ البشري أثناء عمليات الاستخراج أو التصنيع أو النقل أو الأنشطة المختلفة،
    وأهم هذه المصادر:
    8-5-1-1- المصادر الطبيعية:
    وتشمل جميع مصادر التلوث الناتجة عن ظروف طبيعية لا دخل للإنسان بها، ومن هذه المصادر نذكر:
    أ - البراكين:
    البراكين ظاهرة معروفة منذ القدم، وهي من الظاهرات الطبيعية المروعة، وقد رافقت تكون الأرض وتشكل سطحها، وكان لها دور مهم ومؤثر في انتشار الحياة وتوزعها عليها، وتقسم إلى عدة أنواع فمنها براكين عنيفة, وأخرى هادئة، أو خامدة، وحاليا فإن معظم البراكين في العالم هي خامدة (أكثر من 4000)، وبعضها نشط (800 تقريبا) يثور بين الحين والآخر، وتتراوح شدتها بين العنيف والهادئ، ومعظم البراكين توجد في نصف الكرة الأرضية الشمالي، وأهم مناطق توزع البراكين في العالم هي:
    - براكين حزام النار الذي يحيط بسواحل المحيط الهادي.
    - براكين في المحيط الهادي نفسه (منها جزر هاواي).
    - براكين الحزام المتوسطي الأوروأسيوي الممتد من المحيط الأطلسي إلى جنوب أوروبا إلى المحيط الهادي، (منها براكين فيزوف - إتنا - أرارات).
    - براكين نطاق الصدع العربي الأفريقي الممتد في شرق أفريقيا وغرب شبه الجزيرة العربية (منها بركان كلمنجارو).
    والتوزع الجغرافي للبراكين في العالم، يتفق إلى حد كبير مع التوزع الجغرافي للزلازل، مع فارق مهم بينهما وهو أن الزلازل تحدث بشكل مفاجئ ولم يتم التمكن من التنبؤ بوقوعها بشكل تام حتى الآن، بينما البراكين لا تحدث بشكل مفاجئ، ويوجد الكثير من الأدلة على احتمال حدوث الانفجار البركاني منها، الهزات الأرضية، والارتفاع المفاجئ لدرجة حرارة الأبخرة المنطلقة من فوهة البركان، وتغير منسوب المياه الجوفية وغير ذلك.
    والبراكين تطلق أثناء ثورانها إضافة إلى اللافا البركانية التي تختلف في مظهرها وخصائصها، كميات كبيرة من الأبخرة والغازات والمواد الصلبة والرماد البركاني إلى الهواء، وأهم المواد المنطلقة، بخار الماء، وثاني أكسيد الكربون، والنتروجين، والكبريت، والكلور وغيره، والجدول (4) يبين أهم الغازات المنطلقة من البراكين ونسبتها المئوية.
    الرمز النسبة % نوع الغاز تسلسل
    H2O 70 % بخار الماء 1
    CO2 14 % ثاني أكسيد الكربون 2
    SO2 6.5 % ثاني أكسيد الكبريت 3
    Nx 6 % النتروجين 4
    الجدول (4) أهم الغازات المنطلقة من البراكين
    والمقذوفات والمواد البركانية تؤدي إلى تلوث الغلاف الجوي، وتقليل نسبة الشفافية الجوية، وعرقلة وصول الأشعة الشمسية إلى سطح الأرض، وحدوث تغيرات مناخية، وزيادة نسبة الغازات السامة، ونقص الأكسجين مما ينعكس سلبا على حياة الكائنات الحية، وقد يؤدي إلى موتها، خاصة في مناطق ثوران البراكين، وحدوث خسائر اقتصادية وإيكولوجية لا حصر لها، بل إن ثوران بركان واحد هو بركان كراكاتو في أندونيسيا عام 1883 م أدى إلى حدوث ما يشبه الشتاء النووي، ودارت مقذوفاته دورة كاملة حول الكرة الأرضية.
    ب - الحرائق الطبيعية:
    وهذه الحرائق تحدث بشكل طبيعي من جراء انطلاق أي شرارة لأي سبب لاسيما في الفصل الحار والجاف، وقد يؤدي ذلك إلى اشتعال حرائق كبيرة في الغابات والمراعي، وتشكل هذه الحرائق خطراً كبيرا على الأنظمة البيئية الطبيعية، وتؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الملوثات، خاصة غاز أول أكسيد الكربون، وحدوث تأثيرات سلبية في التربة والماء والمناخ والتنوع البيولوجي وغير ذلك.
    ج - البكتريا والجراثيم:
    إن وجود البكتريا والجراثيم والأحياء الدقيقة في الهواء قد يكون عرضياً ونسبياً باختلاف الظروف المناسبة لذلك، وهي توجد على هيئة خلايا حرة أو طليقة أو مختلطة مع الغبار أو غيره، وعموماً فإن البكتريا والجراثيم والفطريات توجد بشكل دائم في البيئة، في الهواء والتربة والماء، وخاصة في الأماكن المغلقة، أو الملوثة. والبكتريا كائنات صغيرة كثيرة الأنواع منها ما يعيش حرا ومنها ما يعيش طفيلياً، وهي من الكائنات وحيدة الخلية، ومن الصعب تصنيفها، ووجود البكتريا والجراثيم يؤدي إلى الإصابة بأمراض بيئية مختلفة منها، الكوليرا والجمرة الخبيثة والطاعون والدرن وغيره( ).
    د - الغبار والعواصف الغبارية:
    المقصود هنا الغبار الناتج عن حركة الرياح مختلفة الشدة والسرعة والاتجاه والاستمرارية، والناتج عن عملية نحت التربة وتعريتها، ونقلها على شكل عواصف غبارية خاصة في المناطق الصحراوية والجافة وشبه الجافة، وجزيئات الغبار تختلف في نوعها وحجمها وتأثيرها، وجزيئات الغبار تنتشر إلى مسافات بعيدة أفقيا وعمودياً، وعادةً تنتشر ظاهرة الغبار والعواصف الغبارية بكثرة في أماكن وفترات زمنية محددة، وتعاني الكثير من المناطق الريفية والحضرية في العالم من ظاهرة الغبار والعواصف الغبارية، خاصة تلك القريبة من الصحاري، أو تقع على حدودها.
    ومن المعروف أن جزيئات الغبار يمكن أن تشكل نويات تساعد في تكاثف بخار الماء وحدوث الغيوم والتهطال إذا توافرت الظروف الجوية المناسبة لذلك. ولكن الغبار والعواصف الغبارية يسبب تلوث الهواء، ويؤدي إلى حدوث نتائج سلبية كثيرة منها:
    1- تغير عامل الشفافية الجوية والنتائج المترتبة على ذلك.
    2- تقليل مدى الرؤية إلى حد كبير أحيانا، وربما انعدامها.
    3- تقليل كمية الأشعة الشمسية الواصلة إلى سطح الأرض
    4- التأثير السلبي على طرق السيارات، والخطوط الحديدية، وعلى الموانئ الجوية والبحرية.
    5- عرقلة عمليات النقل البري والبحري والجوي، وارتفاع نسبة الحوادث المرورية.
    6- تساعد في حدوث التصحر وزيادة حدته، والتأثير السلبي في الغطاء النباتي والحيواني.
    7- تؤدي إلى إصابة السكان بالأمراض التنفسية، والجسدية، والنفسية، والعصبية وغيرها.
    8- تؤدي إلى خفض القدرة الإنتاجية للأرض والنباتات والحيوانات والبشر أيضاً.
    9- تسبب تلوث الملابس والمنازل والمتاجر والأسواق والشوارع والسيارات وغيرها.
    10- قد تؤدي إلى الهجرة من هذه المناطق، وهذا يسبب نتائج سلبية أخرى.
    11- حدوث خسائر اقتصادية كبيرة بشكل مباشر من جراء الغبار والعواصف الغبارية، أو بشكل غير مباشر من جراء الأموال والأعمال المخصصة لمعالجة هذه الظاهرة.
    12- يؤدي الغبار والعواصف الغبارية إلى التأثير السلبي على كافة الأنظمة الإيكولوجية (البيئية) خاصة المحلية.
    هـ - التلوث بالأملاح:
    وهذه الأملاح تتبخر من السباخ والترب المالحة، ومن البحار والمحيطات وغيرها، وتتركز في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي، وتعد هذه الأملاح من المواد الملوثة للبيئة والضارة، وتزيد من عملية نحت المعادن وخطوط نقل الطاقة المعدنية وتآكلها، و نحت المعادن الموجودة في العمارات والمنشآت المختلفة وتآكلها وصدئها ولاسيما في المناطق الساحلية، والمناطق التي توجد الأملاح في أجوائها، وفي بخار الماء والهواء.
    و- غبار الطلع:
    يكثر غبار الطلع في فترة إزهار الأشجار والنباتات في فصل الربيع غالباً، وتختلف كثافة غبار الطلع والتأثيرات الناتجة عنه باختلاف الغطاء النباتي ونوعيته، وبالطبع فإن لغبار الطلع وظيفة إيجابية مهمة في تلقيح النباتات، ولكنه قد يشكل حالة جوية سديمية تعرف بعبوق الشجر، وتؤدي إلى آثار بيئية سلبية، وتأثيرات فيزيولوجية في جسم الإنسان، والتهاب العيون والبلعوم، وبعض الأمراض التحسسية والتنفسية.
    ز - التلوث الإشعاعي:
    إن المواد المشعة توجد في الطبيعة بشكل دائم، ولها مصادر متعددة منها، الأشعة الكونية الموجودة في الفراغ الكوني، والأشعة الأرضية الموجودة في صخور القشرة الأرضية كاليورانيوم، والأشعة الموجودة بالقرب من سطح الأرض كالرادون والكربون المشع، وهذه الأشعة المختلفة تنتقل إلى الماء والغذاء وتصل إلى جسم الإنسان، وقد تكون بمعدلات مقبولة وغير خطرة على صحة الإنسان، وقد تتجاوز المعدلات المقبولة والمناسبة للصحة البشرية.
    8-5-1-2- المصادر البشرية:
    إن المصادر البشرية الملوثة للغلاف الجوي كثيرة ومتنوعة جدا، والسبب المباشر والرئيس لها هو الإنسان والمجتمع البشري وأنشطته المختلفة في الصناعة والزراعة وغيرها، وأهم هذه المصادر هي:
    أ - الصناعة:
    تعد الصناعة من أهم مصادر تلوث الغلاف الغازي، وتختلف الملوثات الناتجة عن الصناعة، من حيث كميتها ونوعيتها ودرجة تأثيرها، باختلاف نوع المنشأة الصناعية والمواد الأولية المستخدمة فيها، والمواد المصنعة، وموقع المنشأة وحجمها، ونوع الآلات التقنية وعمرها ومدى تطورها وصيانتها وغير ذلك، ومن هذه الصناعات الملوثة للغلاف الغازي:
    - الصناعات التعدينية:
    ولها أنواع كثيرة ومتنوعة، وجميعها تؤدي إلى تلوث الهواء والبيئة بملوثات مختلفة، ومن هذه الصناعات مثلاً، صناعة صهر الحديد (وبحسب نوفيكوف 1987)، فإن صناعة طن واحد من الحديد الزهر تطلق إلى الهواء 4.5 كلغ من جزيئات الغبار، و2.7 كلغ من أكسيد الكبريت، ونصف كلغ من المنغنيز، وكميات أخرى من الفوسفور والزرنيخ والرصاص وغيرها.
    - صناعة الأسمنت ومواد البناء:
    وهذه الصناعات يرافقها انطلاق كثيف للغبار الذي يلوث الهواء والمناطق المحيطة بهذه الصناعة، وهي تنتشر في معظم دول العالم، ويتسع انتشارها بشكل كبير في الدول النامية، بسبب عزوف الدول المتقدمة عنها، لأنها من الصناعات الملوثة للبيئة، والضارة بصحة الإنسان.
    - الصناعات الكيميائية والبتروكيميائية:
    وهي صناعات ملوثة للبيئة وللغلاف الجوي بشكل كبير، وينتج عنها ملوثات مختلفة عضوية وغير عضوية مثل، أكاسيد الكربون والكبريت والنتروجين، وكبريت الهيدروجين، والنشادر والكلور والفلور وغير ذلك من الملوثات، وبعضها ضار وسام وذو رائحة كريهة، يشعر بها الإنسان مباشرة عند اقترابه من هذه المصانع، ولاسيما مصانع تكرير البترول.
    ب - وسائل النقل:
    أصبح من المعروف أن وسائل النقل والمواصلات لها دور إيجابي مفيد ومهم في خدمة البشرية وتطورها، ومن فوائد وسائل النقل وإيجابياتها:
    - أنها أسهمت في تسريع التطور البشري.
    - اختصرت الأزمان والمسافات، حيث نقلت البشر والبضائع من مكان إلى مكان بسرعات قياسية لم يكن يتخيلها الإنسان في السابق.
    - أسهمت في التقليل من تلف المواد الغذائية المنقولة.
    - أسهمت في حوار الحضارات، وتبادل الأفكار بين الشعوب.
    وغير ذلك من الفوائد، لكن وسائل النقل بالمقابل تسببت في الكثير من المعاناة والمشكلات البيئية والبشرية ومن هذه المشكلات:
    - تعد المصدر الأول للحوادث التي تسبب وفاة ألاف الأشخاص سنويا، وإصابة الآلاف أيضا بعاهات وتشوهات مختلفة.
    - تعد المصدر الأول للتلوث بالضجيج، خاصة في المدن، والكبرى والمزدحمة منها على وجه الخصوص حيث تزيد شدة الضوضاء عن 80 ديسبل.
    - تعد من المصادر الهامة لتلوث الهواء والغلاف الجوي، خاصة في المدن. حيث يقدر أن نحو 60 % من ملوثات الهواء في أجواء المدن سببه وسائل النقل.
    - أهم الملوثات والمواد المنطلقة من عوادم السيارات هي: أول وثاني أكسيد الكربون، وأكاسيد النتروجين، والهيدروجين، وبخار الماء، والرصاص، ومواد كثيرة أخرى مثل الميتان والبروبان والايتيلين، وبعض هذه الملوثات سامة وخطيرة وتضر بالبيئة والإنسان.
    - تستهلك وسائل النقل الكثير من الأكسجين، وهي تنافس الإنسان وغيره من الكائنات الحية في ذلك، وذلك بسبب احتراق الوقود في محركاتها وإطلاق الملوثات خاصةCO – CO2.
    - تختلف نسب الملوثات المنطلقة من عوادم السيارات ونوعيتها، باختلاف عوامل كثيرة ومنها:
    أ - نوعية الوقود المستخدم (البنزين، المازوت أو الديزل، الغاز الطبيعي، الوقود الكحولي أو غيره).
    ب- نوعية محرك السيارة ونموذجه.
    ج- عمر المحرك ونظام عمله.
    د - مدى القيام بالصيانة الدورية للمحرك.
    ه- - نوعية الطرق ودرجتها.
    و - الظروف التضاريسية ومدى مناسبتها لعمل السيارات.
    ومن المهم القيام بالعديد من الإجراءات التي من شأنها التخفيف من التلوث الناجم عن عوادم السيارات، بما في ذلك تحسين نوعية الوقود والمحركات والطرقات والقوانين وغيرها.
    ج - التلوث الإشعاعي:
    إن المواد المشعة تعد من المصادر الرئيسية لتلوث الهواء، وهي في تزايد مستمر، ومعه تتزايد المخاطر الناجمة عنها، وهذا ناجم عن زيادة مصادر هذا التلوث خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين وهو ما وصف بالعصر النووي أو عصر الذرة، والذرة (Atom) مؤلفة من نواة (Nucleus) ومن عدد من الالكترونات المحيطة بها، و تتألف النواة من بروتونات ونيوترونات، والبروتون عبارة عن جسيم كتلته أكبر من كتلة الالكترون بألفي مرة، وشحنته موجبة، وهي تساوي شحنة الالكترون السالبة، بينما النيوترونات لا تحمل شحنة كهربائية.
    ومن دون الدخول في تفاصيل الحديث عن الذرة والنواة يمكن القول: إن كل نواة تحتوي العدد نفسه من البروتونات، ولكنها تحتوي أعداداً مختلفة من النيوترونات، أي أن العدد الذري للعنصر لا يتغير، بينما عدده الكتلي يتغير، وهذا ما يسمى بالنظائر، والنظائر القابلة للتفكك أو الانشطار تكون نشطة إشعاعيا، وتعرف باسم النظائر المشعة، وتختلف المدة التي تحتاجها النظائر المشعة لكي تتحول إلى عناصر غير مشعة، وقد استخدم للتعبير عن ذلك مصطلح نصف العمر، وهو الزمن اللازم لكي تفقد المادة نصف نشاطها الإشعاعي، وهذا يختلف من نظير مشع إلى آخر ويتراوح من الثانية إلى آلاف السنين، والعناصر المشعة الاصطناعية يتم الحصول عليها عن طريق القيام بتفاعلات نووية خاصة تدعى بتفاعلات الرجم.
    وأهم مصادر التلوث الإشعاعي:
    1- التفجيرات الذرية واختبارات الأسلحة النووية:
    أجرت الدول النووية ألاف الاختبارات والتجارب النووية، بعضها معروف ومعلن عنه قبل أو بعد الاختبار، وبعضها يتم بطريقة سرية في الجو، أو تحت سطح الأرض، أو في المحيطات، وينجم عن هذه التجارب انتشار العديد من المواد المشعة مثل الكربون المشع 14، والسيزيوم 137، والسترونثيوم وغيره، وهذا الأمر استمر حتى عام 1963 حيث تم الإعلان عن الاتفاقية الدولية لحظر التجارب النووية، ولكن الكثير من دول العالم لم توقع هذه الاتفاقية، ولم تلتزم بحظر التجارب النووية، واستمرت في أنشطتها النووية، مما شكل ويشكل خطرا كبيرا على الإنسان وعلى البيئة ومكوناتها الحية.
    2- حوادث المفاعلات النووية:
    إن حوادث المفاعلات النووية كثيرة ومتنوعة، ومختلفة في أسبابها ومصادرها، وفي العواقب والآثار الناجمة عنها، وغالبا تكون المعلومات عنها قليلة ومتضاربة، وتحاط بالسرية والكتمان. والجدول (5) يبين أهم الحوادث التي تعرضت لها المفاعلات النووية في العالم، وتاريخ حدوثها وبعض الآثار الناتجة عنها( ).
    3- الاستخدامات الطبية والعلمية وغيرها:
    تستخدم المواد المشعة في التشخيص والعلاج الطبي، كالتصوير الشعاعي و الومضاني، وفي الطب النووي وغيره، كما تستخدم المواد المشعة في البحوث والتجارب العلمية من أجل تطوير طرائق الاستفادة من النواة والذرة وآلياتها في المجالات المختلفة، كما تستخدم المواد المشعة في عمليات حفظ الطعام وغير ذلك.
    الجدول (5) أهم حوادث المفاعلات النووية في العالم
    نوع الحادث، ومكان وقوعه أهم النتائج المترتبة عنه تاريخ وقوع الحادث تسلسل
    تسرب نووي من مفاعل بالقرب من مدينة كيشتيم في الأورال (الاتحاد السوفييتي). نوفمبر1957 1
    حريق في مفاعل وندسكيل في بريطانيا، أدى إلى إطلاق مواد مشعة إلى البيئة المحيطة بلغ تركيزها 400 ضعف عن الحالة العادية، وفاة 39شخص وإصابة 200 بالإشعاع اكتوبر 1958 2
    حادث غواصة نووية سوفيتية، أدى إلى وفاة 8 من طاقم الغواصة، بينهم قائدها. يوليو 1961 3
    حادث تسرب إشعاعي في لوس انجلوس بالولايات المتحدة 1965 4
    حادث انصهار أحد مفاعلات تبريد الغاز في مفاعل سانت لورنت صاحبه انتشار مواد مشعة. أكتوبر 1969 5
    حادث انفجار في مفاعل ذري في شتيفشينكو في بحر كاسبن في الاتحاد السوفييتي. 1974 6
    حادث في مجمع نووي في لولمين بألمانيا الشرقية 1975 7
    انصهار جزئي لقلب المفاعل النووي بالقرب من مدينة ميدل تاون (جزيرة الأميال الثلاثة) في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية، نجم عنه تسرب المواد المشعة إلى البيئة والمياه، وتسبب بخسائر بيئية واقتصادية كبيرة. مارس 1979 8
    حادث في مفاعل تخصيب اليورانيوم، في تينسي بالولايات المتحدة الأمريكية، تسبب بأضرار لنحو 1000 شخص 1979 9
    حادث في مفاعل ذري في مقاطعة تسوروجا باليابان، تعرض قرابة 45 عامل للإشعاع. ابريل 1981 10
    حادث تسرب نفايات ذرية من مفاعل سيلافيلد في انكلترا (وندسكيل سابقاً). 1983 11
    حادث تسرب إشعاعي من المفاعل النووي في ويستفاليا بألمانيا. 1985 12
    حادث انفجار في مفاعل شكوتوفو - 22في الاتحاد السوفييتي، أدى إلى وفاة 10 أشخاص، ووفاة وإصابة المئات لاحقاً. 1985 13
    نوع الحادث، ومكان وقوعه أهم النتائج المترتبة عنه تاريخ وقوع الحادث تسلسل
    حادث انفجار في مفاعل بمدينة أوكلاهوما الأمريكية، تسبب في حدوث تلوث إشعاعي. 1986 14
    حادث مفاعل تشرنوبيل في أوكرانيا بالاتحاد السوفييتي، من نتائجه المباشرة وفاة 31 شخص، ونقل المئات إلى المشافي، وإجلاء 100 ألف من المدينة، ونتائج غير مباشرة يكتشف عنها باستمرار. ابريل 1986 15
    حادث تسرب من مولد سيزيوم كان يستخدم للأغراض الطبية في ولاية غويانا بالبرازيل، تسبب في تعرض 250 شخص للإشعاع، وخسائر اقتصادية كبيرة. 1987 16
    حادث تسرب إشعاعي من محطة سوستوفوي يور بالقرب من مدينة سان بطرس بورغ في روسيا. 1992 17
    حادث تسرب إشعاعي جديد من محطة تشرنوبيل. 1995 18
    - نتائج استخدم المواد المشعة وعواقبها:
    إن المواد المشعة تؤثر سلبا في الإنسان وغيره من الكائنات الحية، ويرتبط تأثير المواد المشعة في الكائنات الحية بعدة عوامل منها:
    - درجة الإشعاع.
    - نوعية الكائن الحي.
    - مقدرة الكائن الحي على تحمل المواد المشعة.
    - المدة التي يتعرض خلالها الكائن الحي للإشعاع.
    والتلوث الإشعاعي الذي يصيب الإنسان أو غيره من الكائنات الحية، يمكن أن يحدث بسبب التماس المباشر مع المواد المشعة (تلوث خارجي)، أو يحدث بسبب تناول شراب أو طعام ملوث إشعاعياً، أو استنشاق الهواء الملوث إشعاعياً (تلوث داخلي).
    وتأتي خطورة المواد المشعة كا لسترونثيوم 89 و90 واليود والسيزيوم وغيره، كونها تدخل إلى جسم الإنسان من دون شعور منه، كذلك كونها ذات صفة تراكمية، حيث تنتقل إلى الإنسان والكائنات الحية النباتية والحيوانية مع زيادة التركيز في كل مرحلة من مراحل انتقالها عبر السلسلة الغذائية، وتسبب أمراضا مختلفة منها السرطانية والمعوية والجلدية وحدوث خلل في النظام البيئي ككل. والتلوث الإشعاعي يؤدي إلى حدوث تغييرات بيولوجية وكيميائية في الخلايا الحية تؤثر على الأحماض النووية المسؤولة عن الانقسام الخلوي مما يؤدي إلى تلف الخلية أو موتها، والإشعاع يكون تأثيره مباشراً في من يتعرض له، أو غير مباشر على الأجيال، وهو ما يعرف بالتأثير الوراثي( ).
    - الإجراءات التي يمكن القيام بها للحماية من التلوث الإشعاعي:
    إن تحقيق إجراءات الحماية من التلوث الإشعاعي وتنفيذها، والتخلص السليم من النفايات الإشعاعية ليس بالأمر الهين، ولكنه من الأمور الضرورية والمهمة جدا لحماية البيئة وحماية البشرية من مخاطرها التي لا رجعة فيها في معظم الأحيان، ومن هذه الإجراءات:
    - التخلص السليم من النفايات المشعة السائلة والصلبة.
    - تبادل المعلومات بين الدول والمنظمات والهيئات عن المواد المشعة.
    - تبادل الخبرات الفنية بين دول العالم.
    - استخدام وسائل تقنية متطورة للكشف عن تسرب المواد المشعة، والإعلان عن ذلك ومكافحته.
    - تحديد تراكيز الإشعاع المسموح بها في كل نظام بيئي (ماء، هواء، تربة، غذاء الخ).
    - الاستعداد والتدريب لمواجهة أية مخاطر إشعاعية محتملة.
    د - الزراعة:
    إن الزراعة تؤدي في كثير من مجالاتها والأنشطة المتعلقة بها إلى تلوث الغلاف الجوي، ومثل هذا التلوث ينجم عن استخدام الأسمدة المعدنية النتروجينية والفوسفورية والمركبة، ومن استخدام المبيدات الكيميائية المختلفة ورش المزروعات بها للقضاء على الحشرات والآفات أو الأعشاب الضارة، كما أن منشآت تربية الحيوانات والطيور والدواجن، وروث هذه الكائنات ومخلفاتها، يؤدي إلى إطلاق غاز النشادر والأمونيا وغيره إلى الغلاف الجوي، كما أن مخلفات المحاصيل الزراعية، وحرق هذه المخلفات، والنفايات المرتبطة بها، والعمليات أو المصانع والمعامل المخصصة لتصنيع هذه المحاصيل الزراعية، سواء في المناطق الزراعية أو القريبة أو البعيدة عنها، جميع هذه الأمور تسبب تلوث الهواء.
    هـ - الحرائق المفتعلة:
    والمقصود هنا الحرائق الناجمة عن الإنسان ونشاطاته، سواء بشكل مقصود ولأسباب معينة، أو بشكل غير مقصود، ومن هذه الحرائق بشكل عام حرائق الغابات في مناطق كثيرة من العالم، وخاصة في المناطق الاستوائية، وغابات حوض البحر المتوسط، التي تحرق لأسباب مختلفة، منها تحويل أخشابها إلى وقود الخشب، واستخدامها في التدفئة والطهي خاصة في الأماكن التي لا تتوافر فيها مصادر أخرى للوقود، أو تحويل أراضي الغابات إلى أراض زراعية، أو مراع، أو مناطق عمرانية وسكنية، وهذه الحرائق تؤدي إلى إطلاق الكثير من الغازات والملوثات إلى الغلاف الجوي منها غازات أول أكسيد الكربون CO، والدخان.
    وفي كثير من الأحيان والأماكن يجري حرق النفايات والقمامة، بشكل خاطئ وفي العراء أو الهواء الطلق، ويؤدي ذلك إلى إطلاق كميات كبيرة من غازات الكربون (CO – CO2)، والكبريت والنتروجين، ومن الهيدروكربونات والجزيئات الدقيقة، وهذه المواد تلوث الهواء، ويضاف إليها ما يسببه تخمر القمامة والنفايات الصلبة الذي يسمح بنشاط البكتريا وتحللها الهوائي أو غير الهوائي، مما يسبب انطلاق غازات مثل النشادر والميتان والكربون والهيدروجين وغيره.
    ولا يمكن أن ننسى الحرائق التي تتعرض لها آبار البترول والمنشآت البترولية، كما حدث في حرب الخليج الأولى والثانية، واحتلال العراق، وهذه الكوارث النفطية بلا شك ذات تأثير كبير في تلوث الغلاف الجوي، وقد أدت إلى سقوط الأمطار الحمضية السوداء فوق الخليج العربي ووصلت حتى مناطق شرق سوريا.
    وجميع هذه الحرائق والملوثات تزيد من فاعلية عامل البيت الزجاجي، وتؤثر في مدى الشفافية الجوية، وفي مظاهر الطقس والمناخ، وتؤدي بالنتيجة إلى التأثير السلبي في صحة الإنسان وغيره من الكائنات الحية.
    8-6- أهم الآثار والظاهرات المرتبطة بتلوث الغلاف الجوي:
    إن تأثير التلوث في الغلاف الجوي والكائنات الحية يختلف باختلاف عدة أمور منها:
    - اختلاف نوعية الملوثات.
    - اختلاف التركيب الكيميائي والتفاعلات المشتركة للملوثات.
    - اختلاف كمية الملوثات.
    - اختلاف مدة بقائها في الجو.
    - اختلاف أماكن تركيزها.
    ويرتبط بتلوث الغلاف الجوي عدد من الظاهرات، مثل ثقب الأوزون، والضبخان، وعامل البيت الزجاجي (الدفيئة) وكذلك الأمطار الحمضية، وسوف نتعرف إلى هذه الظاهرات.
    8-6-1- تأثير تلوث الغلاف الجوي في غاز الأوزون:
    يتكون غاز الأوزون من اتحاد ثلاث ذرات أكسجين، وله لون أزرق خافت أو باهت، وله رائحة مميزة يشعر بها الإنسان عند توافر الأوزون بشكل مناسب في الهواء النظيف (العليل)، ونسبته قليلة في الغلاف الجوي لا تتعدى 0.00006 % من حجم الهواء الجوي، أو تبلغ نحو (6× 10)- 5 % من حجم الغلاف الجوي، ومع ذلك فإن هذا الغاز على درجة كبيرة من الأهمية، ويشكل الدرع الواقي للحياة على سطح الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، وغاز الأوزون ينتشر في كامل الغلاف الجوي، ولكن التركيز ألأعظمي له يوجد في طبقة الستراتوسفير خاصة على ارتفاع بين 20 - 30 كلم.
    ومن المفيد الإشارة إلى أن الأوزون عندما يتوافر في حدوده المناسبة يكون مفيدا وذا تأثير إيجابي على الإنسان والكائنات الحية، وعلى العكس فإن زيادته أو نقصانه لهما تأثير سلبي على البيئة والإنسان، وكميته المناسبة والمثالية للإنسان بحدود 15 - 20 ملغ / م3، والتركيز المسموح به يصل إلى 100 ملغ / م3.
    وقد بينت الكثير من الدراسات والأبحاث أن غاز الأوزون يتعرض للتناقص والتخريب، وأنه يوجد ثقب في طبقة الأوزون Ozone Hole، فوق منطقة القطب الجنوبي، ويحدث هذا الثقب في فصل الربيع بشكل خاص. ويعتقد أن ثقبا مشابها يحدث فوق القطب الشمالي في فترات مختلفة من السنة، وإذا كان غاز الأوزون قد تم اكتشافه نحو عام 1880م، وعلم من فوائده ومحاسنه ما علم، فإنه بعد نحو مائة عام فقط تبين وجود ثقب كبير فيه، مما سمح ويسمح للأشعة فوق البنفسجية من المرور والوصول إلى سطح الأرض، وتعريض الكائنات الحية عليها للخطر والمرض، وبينت الدراسات أن أسباب تخريب طبقة الأوزون كثيرة ومتعددة، ومن هذه الأسباب( ):
    1 - التلوث بغاز الكلوروفلوروكربون (ك ف ك CFC)، أو ما يسمى با لفريون 11 و 12.
    2 - الطائرات النفاثة التي تنفث من عوادمها مواد تؤدي إلى تدمير طبقة الأوزون.
    3 - صواريخ الفضاء التي تطلق مواد تساهم في تخريب الأوزون.
    4 - تجارب التفجيرات النووية، خاصة التي تجرى في الغلاف الجوي.
    5 - أكاسيد النتروجين الناتجة من صناعة واستخدام الأسمدة الآزوتية وغيرها من الصناعات
    إن التلوث بغاز الكلوروفلوروكربون (ك ف ك CFC)، أو ما يسمى بالفريون 11 و 12 وهي مادة تستخدم في صناعة الثلاجات والمكيفات، وكغازات دافعة ومذيبة في علب العطور ومثبت الشعر، وعلب الآيرسول التي تحتوي بعض المبيدات الحشرية، وفي صناعة الاسفنج الصناعي والألياف الصناعية، وهذا الغاز له متوسط عمر طويل، يتراوح بين 75 - 100سنة، ويقدر أن كل ذرة من الكلوروفلوروكربون، يمكنها تحطيم مائة ألف جزيء من الأوزون قبل أن تفقد فاعليتها.
    وكما هو واضح فإن جميع هذه المصادر تتسبب في إطلاق أكاسيد الآزوت والكلور والميتان وبخار الماء وغيره، وهذه المواد وتحت تأثير الأشعة فوق البنفسجية (hv) يحدث بينها وبين غاز الأوزون تفاعلات كيمياضوئية تؤدي إلى تدميره وتخريب طبقته، ومن هذه التفاعلات نذكر:
    تفاعل الأوزون بتأثير الأشعة فوق البنفسجية Ox + O2 O3 ® hv
    أما تفاعل الأوزون مع الأكسجين: O3 + O ® O2 + O2
    تفاعل الأوزون مع النتروجين: O3 + NO ® NO2 + O2
    تفاعل الأوزون مع الهيدروجين: O3 + 2OH ® H2O + O2
    تفاعل الأوزون مع الكلور: O3 + CL® CLO + O2
    وجميع هذه التفاعلات تتم بوجود الأشعة فوق البنفسجية (hv).
    وأصبح من المعروف أن تخريب طبقة الأوزون له انعكاسات سلبية كبيرة على المناخ العالمي، لأن للأوزون دور مهم في تنظيم الحرارة الواصلة إلى سطح الأرض، وعلى النباتات وخاصة الفيتوبلانكتون أو العوالق النباتية، وعلى المحاصيل الزراعية وتقليل قدرتها الإنتاجية، وعلى الكائنات الحية بما فيها الإنسان وإصابته ببعض الأمراض وأهمها السرطانات، والتهاب وحساسية العيون والأغشية المخاطية، والتأثير السلبي على التحف الفنية والآوابد التاريخية، وعلى البيئة بشكل عام.
    وأهم الإجراءات التي يمكن اتباعها لحماية طبقة الأوزون، هي الالتزام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية طبقة الأوزون، وتقليل انبعاث الملوثات المخربة له، وخاصة الكلوروفلوروكربون، واستخدام مواد بديلة عنها لا تسبب مخاطر بيئية محتملة أو ممكنة أو معروفة.
    8-6-2- الاحتباس الحراري - عامل البيت الزجاجي(Green House Effect):
    إن الغلاف الجوي له دور يشبه دور البيت الزجاجي، في حبس الحرارة بالقرب من سطح الأرض، ولكن في حدود معينة، وزيادة حجز الحرارة ومنع انطلاقها أو عودتها إلى الفضاء يؤدي إلى حدوث عواقب سلبية، ويقدر أن كمية ثاني أكسيد الكربون المتصاعد إلى الغلاف الجوي تتزايد بمعدلات تصل إلى 3000 مليون طن سنوياً( ).
    وقد تزايدت كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي من 260 جزء بالمليون (PPM) قبل الثورة الصناعية إلى نحو 320 (PPM) في منتصف الستينيات من القرن العشرين، وأصبحت نحو 390 - 400 (PPM) عام 2000 م، ونتج هذا بالدرجة الأولى بسبب تزايد الأنشطة البشرية الصناعية وغيرها.
    إن النشاط البشري المصطنع من العوامل المؤثرة في دورة ثاني أكسيد الكربون حيث ينتج سنويا بنتيجة عمليات النشاط الاقتصادي 15 – 25 طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في السنة، وتزيد هذه الكمية بمعدل 100 – 200 مرة عن الكمية المتشكلة طبيعيا والبالغة 0.15×10 طن/ سنة، وبشكل عادي يتشكل في عملية الدورة البيوكيميائية حوالي 267×10 طن / السنة من هذا الغاز عن طريق تنفس النباتات والإنسان والكائنات الدقيقة والحيوانات الخ( ).
    وتعود ظاهرة الاحتباس الحراري إلى زيادة نسبة الغازات الملوثة للغلاف الجوي بخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون، هذه الغازات والجزيئات تمتص جزءاً من حرارة الشمس، وتسمح لأشعة الشمس بالنفاذ والوصول إلى سطح الأرض، ولكنها تمنع عودة هذه الأشعة إلى الغلاف الكوني، مما يؤدي إلى زيادة درجة حرارة الغلاف الجوي القريب من سطح الأرض.
    إن ارتفاع درجة حرارة الأرض عملية بطيئة لا تلحظ بسرعة، ويقدر أن درجة حرارة كوكب الأرض قد تزايدت بمقدار نصف إلى واحد درجة مئوية في القرن العشرين، وهذه الزيادة في حال استمرارها فإنها ستؤدي إلى عواقب بيئية خطيرة، وحتى الآن فإن هذه العواقب غير معروفة أو محددة بدقة، وهي مثار جدل ومحط أبحاث الكثير من مراكز البحث العلمي العالمية، ولكن يعتقد أن ارتفاع درجة حرارة الأرض سيؤدي إلى ذوبان الجليديات في المناطق

  7. #7
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1

    Thumbs up


    القطبية، وبالتالي ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات وغرق الكثير من المناطق الساحلية المنخفضة، والقضاء على السكان وعلى الكائنات الحية في هذه المناطق، وكذلك حدوث تغير في ظروف الطقس والمناخ، لأن زيادة درجة الحرارة يسبب ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية وهذا يؤدي إلى زيادة التبخر، وزيادة سرعة الرياح، وقد تتعرض المناطق المطيرة للجفاف، وعلى العكس تتعرض المناطق الجافة للأمطار والأعاصير والفيضانات.
    وفي كل ذلك يجب أن لا نتجاهل مسألة الترابط الوثيق بين الغلاف الجوي والبحار والمحيطات التي تشكل منظومة مترابطة تنظم عملية توزيع غاز ثاني أكسيد الكربون بينهما وتوازن دورة هذا الغاز بشكل عام.
    8-6-3- ظاهرة الضبخان (Smog):
    وهي من الظواهر المرتبطة بتلوث الغلاف الجوي، وهو اتحاد الضباب مع الدخان، وتحدث هذه الظاهرة بسبب زيادة نويات التكاثف في الهواء، مما يزيد من حدوث الغيوم والضباب خاصة في المدن الكبرى والصناعية، وهو ما يمكن تسميته بضبخان المدن Urban Smog، حيث تنطلق المكونات العضوية المتطايرة (VOCS) من مصادر مختلفة كالمصانع ووسائل النقل وغيرها، خاصة من جراء احتراق الوقود وانطلاق أكاسيد النتروجين التي تتفاعل مع الأكسجين الموجود في الهواء وتكون ثاني أكسيد النتروجين (NO + O® NO2).
    ومن المعروف أن الظروف الجوية تساعد في حدوث الضبخان وتكرار حدوثه، خاصة في حالة حدوث ركود جوي أو انقلاب حراري، مما يسبب تجمع الملوثات أسفل طبقة الانقلاب الحراري، وعدم حدوث تحرك أو تبادل هوائي فيحدث الضبخان. وتكون الآثار والعواقب الناجمة عنه مختلفة، بحسب مكوناته، والملوثات الموجودة فيه، والتفاعلات التي تحدثها، فالضبخان الناجم عن أكسيد النتروجين مهيج للجهاز التنفسي للإنسان، ويمتص الطاقة الشمسية على هيئة ضوء الشمس، ويتفاعل مع مكونات الهواء، ويؤدي إلى تفاعلات قد تتسبب في زيادة غاز الأوزون بالقرب من سطح الأرض، وهذا يؤدي إلى تدمير الأنسجة البشرية، وحدوث أضرار تنفسية، وحدوث آلام صدرية وغيرها، أما الضبخان الناجم عن وجود مواد كيميائية فيسبب آلاماً في الرأس، وغثياناً، وتهيج العيون والأنف، والملوثات الناجمة عن حرق الوقود في محركات السيارات تسبب الشعور بالدوخة، والتعب والارتخاء، والصداع، والخناق الصدري الخ، وآثار الضبخان لا تقتصر على الإنسان ولكنها تتعداها إلى الكائنات الحية الأخرى، وإلى المحاصيل الزراعية، وما ينتج عن ذلك من آثار سلبية على البيئة والحياة بشكل عام.
    ويوجد نوعان من الضبخان هما، الضبخان الصيفي، الذي يحدث في فصل الصيف مثل ضبخان لوس انجلوس، والضبخان الشتوي، الذي يحدث في فصل الشتاء، مثل ضبخان لندن.
    وحوادث الضبخان كثيرة في العالم، ولكن بعض المناطق أو المدن اشتهرت أكثر من غيرها بحدوث الضبخان، وفي الجدول (6) نوضح أهم هذه الحوادث وأزمان حدوثها وأماكنها والآثار الناجمة عنها.
    إن حالة الضبخان تحدث ويتكرر حدوثها في الكثير من مدن العالم الأخرى كطهران وأثينا وسان فرانسيسكو وسيدني ومكسيكو سيتي ومدن أخرى، ولكن أشعة الشمس عند سطوعها تبعثر هذه السحابة الدخانية، ما لم تكن شدة السحابة والظروف المناخية غير مناسبة، وعلى سبيل المثال فإن السحابة الدخانية التي تعرضت لها مدينة القاهرة عام 1999 وتكررت عام 2000 م، وسببها الملوثات والدخان والأتربة المثارة، وحرق المخلفات الزراعية ولاسيما قش الأرز، أو مخلفات زراعة القصب وسط الحقول القريبة من القاهرة، وحرق القمامة، حيث يتولد في منطقة القاهرة الكبرى يوميا 12500 طن من القمامة، وفيها نحو 1300000مركبة تشكل نحو 46 % من إجمالي المركبات في مصر كلها. وطبعا كل هذه العوامل والأسباب أسهمت في حدوث الضبخان، ومن الضروري العمل على التخفيف من وطأة التلوث لكي لا تتكرر هذه الظاهرة، وتحدث نتائج لا يحمد عقباها لا سمح الله.
    الجدول (6) أهم حوادث الضبخان في العالم والآثار الناجمة عنها
    الآثار والعواقب الناتجة عن الحادثة الزمان المكان تسلسل
    وفاة 63 شخصاً 1930 بلجيكا 1
    وفاة 17 شخصاً، وإصابة الكثيرين بأمراض مختلفة وغثيان واحتقان والتهاب في العيون وضيق تنفس الخ.. 1948 دونورا في أمريكا 2
    إصابات تنفسية وأعراض مصاحبة للضبخان أدت إلى وفاة 22 شخصاً. 1950 بوزاريكا في المكسيك 3
    تناقص مدى الرؤية، ارتفاع الرطوبة النسبية إلى 100 %، انخفاض درجات الحرارة إلى – 15 مْ، سكون جوي تام وهذا أدى إلى وفاة 4000 شخص مباشرة و8000 خلال شهرين، وإصابة نحو مائة ألف شخص بأمراض تنفسية 1952 لندن في انكلترا 4
    انتشار ضباب أسود، تلوث الآثار التاريخية القديمة في منطقة الأكروبول والبارتنيون. 1956 اليونان 5
    زيادة الإصابة بالنزلات الشعبية، وضيق تنفس واختناقات. 1966 طوكيو 6
    إصابة 10 % من سكان المدينة إصابات مختلفة كالرشح والسعال وضيق التنفس وغيره. 1966 نيويورك 7
    أضرار بالسكان والمباني وتلوث جوي كبير 1967 الروهر في ألمانيا 8
    حدوث إصابات تنفسية وأضرار صحية مختلفة وأضرار بالسكان والمباني، وتلوث جوي كبير 1999+2000 القاهرة 9
    8-6-4- ظاهرة الأمطار الحمضية Acid Rains:
    ظاهرة المطر الحمضي تعني سقوط أمطار أو ثلوج تحوي مواد حمضية، والمواد الحمضية قد تسقط بشكل جاف من الغلاف الجوي إلى سطح الأرض وإلى المسطحات المائية، والسبب الرئيسي لسقوط الأمطار الحامضية هو تلوث الهواء بغازات ثاني أكسيد الكبريت SO2 وثاني أكسيد الكربون CO2، ومركبات الكبريت SOx، ومركبات النتروجين NOx، والأحماض العضوية. وهذه الملوثات تنطلق من المنشآت الصناعية المختلفة خاصة جراء حرق الوقود في هذه المنشآت وغيرها، وعند تكاثف بخار الماء في الجو فإن غاز ثاني أكسيد الكبريت يتفاعل مع الأكسجين الجوي تحت تأثير الأشعة الشمسية، حيث يتحول إلى ثالث أكسيد الكبريت SO2، ثم يتفاعل ويؤدي إلى تشكل حمض الكبريت على الشكل التالي:
    SO2 +1\ 2O2 ®SO3
    SO3 + H2O ®H2SO4
    وزيادة حموضة الأمطار أو المياه أو غيرها يعني زيادة معدل الرقم الهيدروجيني أو عامل (PH)، الذي تتراوح قيمته بين صفر و14، وكلما تناقص المعدل عن 7 يعني زيادة الحموضة، وأكبر من 7 يعني زيادة القلوية، وأصبح واضحاً أن تأثير الإنسان والنشاطات البشرية المختلفة هي السبب الرئيسي في حدوث الأمطار الحمضية، والتي تؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الملوثات إلى الغلاف الجوي، الذي يقوم بدور وعاء أو مكان للتفاعل الكيميائي لمجموعة كبيرة من المواد، التي تعاد بالنتيجة إلى التربة أو المياه السطحية.
    ويعتبر المطر الحامضي من المظاهر الناتجة عن قيام الغلاف الجوي بتنظيف نفسه، وانتشار المطر الحمضي يرتبط إلى حدٍ كبير بالظروف المناخية السائدة، وخاصة اتجاه الرياح السائدة، التي تنقل أكاسيد الكبريت والنتروجين وغيرها إلى مسافات كبيرة، وأحيانا كثيرة إلى خارج حدود الدولة المسببة لها، كما هو الحال في الأمطار الحمضية الهاطلة في جنوب شرق كندا ومصدرها الولايات المتحدة، والأمطار الهاطلة في البلدان لاسكندنافية ومصدرها دول أوروبا الغربية الصناعية.

    الآثار الناتجة عن الأمطار الحمضية:
    إن الآثار الناتجة عن الأمطار الحمضية كثيرة ومتنوعة، وتشمل مناطق كثيرة وواسعة من العالم، وتلحق الأذى بالكثير من الأنظمة البيئية ومكوناتها، فالأمطار الحمضية تسبب ظاهرة تحمض البحيرات في كندا والولايات المتحدة والدول لاسكندنافية وغيرها، والكثير من هذه البحيرات أصبحت تعاني من التحمض ومن خلل النظام البيئي فيها، وأصبحت شبه ميتة وخالية من الأسماك ولاسيما الأسماك الصغيرة، ومن الكثير من الكائنات الحية. وتعد الأمطار الحمضية التي تسقط في فصل الربيع (فصل هطول الأمطار والثلوج) مشكلة بيئية خطيرة لأنها تؤدي إلى انتقال سريع وبعيد للمواد الحمضية المتجمعة في مياه الأمطار والثلوج وانتقالها إلى التربة والمياه السطحية والجوفية.
    وتؤدي الأمطار الحمضية التي تهطل على سطح التربة، إلى تدني القدرة الإنتاجية للتربة، وانخفاض خصوبتها، وإحداث تأثير سلبي في قدرتها على امتصاص المواد المغذية، وعلى سرعة تحلل المواد العضوية وتفتتها، كما أنه في الأوساط الحمضية تنخفض القدرة الإنتاجية للبكتريا المثبتة للآزوت. وبشكل عام فإن زيادة تحمض التربة يؤدي إلى تغيير خصائصها الفيزيائية والكيميائية، وإلى غسل بعض المعادن الثقيلة والمفيدة فيها مثل الكالسيوم والبوتاسيوم وحرمان التربة منها، في حين قد تؤدي إلى زيادة تركيز بعض المواد والمعادن الأخرى السامة والضارة بالتربة مثل الألمنيوم والمنغنيز. مع الإشارة إلى أنه يمكن تعديل حموضة التربة بإضافة كربونات الكالسيوم إليها CaCO3 مما يساعد في إعادة تحسين خواص التربة وخصوبتها.
    وتسبب الأمطار الحمضية، خفض قدرة النباتات على النمو وتعرضها للمرض والموت، والكثير من النباتات والأشجار والغابات في مناطق واسعة من العالم تتعرض للمرض والهلاك، وقد تعرض نحو 100 ألف هكتار من الغابات دائمة الخضرة في وسط أوروبة للموت كليا بسبب الأمطار الحمضية، ومما لا شك فيه أن تضرر الغطاء النباتي يسبب خسائر اقتصادية، وإيكولوجية، وصحية، ووراثية جينية، وجمالية وغيرها مما لا يقدر بثمن. كما أن الأمطار الحمضية تسبب تخريش الكثير من الأوابد والمعالم الأثرية والتاريخية والنصب التذكارية وتخريبها، ولاسيما تلك المصنوعة من الرخام أو الحجارة أو المعادن التي تتخرش وتتهشم بفعل تأثير المواد الحمضية.
    وتؤثر الأمطار الحمضية في النبات والحيوان والإنسان من خلال تناول مياه الشرب أو المواد الغذائية التي تحوي مواد حمضية، وتسبب تهيج الجهاز التنفسي والعيون والجلد، وتسبب ضيق التنفس والربو واحتقان البلعوم وغير ذلك، وكذلك التأثير على الطيور والدواجن وعلى بيوضها المعرضة للتلوث بالأمراض الحمضية، وعلى الكائنات الحية البرية.
    8-6-5- تأثير التلوث الجوي في صحة الإنسان:
    من المعروف أن الإنسان لا يستطيع العيش من دون هواء أكثر من ثلاث دقائق، وبدون ماء ثلاثة أيام، وبدون طعام ثلاثة أسابيع، ويستنشق الإنسان وسطيا 35 رطلا من الهواء في اليوم، وهذا يعادل نحو ستة أضعاف ما يستهلكه من طعام وشراب خلال نفس المدة، وإذا كان الإنسان لا يستطيع العيش من دون الهواء، فهو يحتاج إلى الهواء النظيف، وليس إلى الهواء الملوث. لأن استنشاق الهواء الملوث بغاز أول أكسيد الكربون CO مثلا يؤدي إلى تناقص قدرة الدم على نقل الأكسجين في الدورة الدموية، بسبب تكون ما يسمى كروبوكس هيموغلوبين الدم، الذي يسبب تقليل عمليات الأكسدة في أنسجة الجسم. والنتائج الصحية المترتبة على تلوث الهواء كثيرة جدا، وقد أوردنا الحديث عن الكثير منها أثناء الحديث عن الظاهرات المرتبطة بتلوث الهواء (عامل البيت الزجاجي، الضبخان، الأمطار الحمضية، غاز الأوزون).
    8-6-6- تأثير التلوث الجوي في الغطاء النباتي والحيواني:
    الكثير من الملوثات الموجودة في الغلاف الجوي تتساقط على سطح التربة، وعلى النباتات، وفي المياه، سواء بشكل رطب مع الأمطار والثلوج، أو بشكل جاف، وتنتقل بشكل أو بآخر إلى الحيوانات الأليفة والبرية والمائية، وذلك بطرق مختلفة ولاسيما عن طريق الطعام والشراب، وتؤثر سلبا في صحتها، وتؤدي إلى موتها أو مرضها وتدني قدرتها الإنتاجية. كما تعد الكثير من النباتات حساسة للتلوث الجوي، ويؤثر التلوث الجوي في عملية التركيب الضوئي وعملية النتح النباتي، وقد تتعرض النباتات للتقزم وتغير ألوانها وسقوط أوراقها ومرضها أو تدني قدرتها الإنتاجية بشكل يتناسب مع ما تتعرض له من تلوث في الكم والنوع، مما قد يؤدي إلى موتها بالنتيجة وحدوث خسائر اقتصادية وبيئية كبيرة من جراء ذلك.
    8-6-7- تأثير التلوث الجوي في المعالم الأثرية والتاريخية:
    إن الكثير من المعالم والآوابد التاريخية والنصب التذكارية والروائع الفنية والثقافية والدينية، التي صنعتها الأيدي البشرية المبدعة عبر آلاف السنين، لدى مختلف الحضارات، بما في ذلك الحضارة العربية والإسلامية، هذه المعالم تتعرض للتخريب والتشويه الناجم عن تلوث الهواء بملوثات مختلفة، وبخاصة تلك الملوثات الحمضية، ومن هذه الآثار التي تعرضت للتأثير السلبي نذكر قصر تاج محل في الهند، والنصب التذكارية في أثينا وغيرها من مدن اليونان، والروائع الفنية في مدينة فينيسيا الإيطالية، وغيرها من مناطق العالم حيث لم تسلم أيّ منها من التلوث وآثاره السيئة.
    8-7- إجراءات حماية الغلاف الجوي:
    إن الإجراءات التي يمكن القيام بها من أجل حماية الغلاف الجوي، وتخفيف حدة الآثار السلبية الناتجة عنه كثيرة جداً، وتتعلق بالدول والشعوب والأفراد والمنظمات والجمعيات والهيئات الدولية والإقليمية والمحلية، الرسمية والشعبية، ومستوى وعيها البيئي واهتمامها بالبيئة وحاضرها ومستقبلها، وبالأجيال الحالية والقادمة، مستفيدة من خبرات الأجيال السابقة وتجاربها الإيجابية والسلبية، ومن كل تجربة أو خبرة أو طريقة ناجعة في حماية البيئة حدثت في أي مكان من العالم، وأهم هذه الإجراءات:
    1- الموافقة والتوقيع والمشاركة في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية البيئة والغلاف الجوي.
    2- سن القوانين والتشريعات الصارمة، التي تمنع تلوث البيئة، وتحاسب من يقوم بذلك.
    3- بناء المناطق الصناعية، بعيدا عن المدن والأماكن العمرانية والسكنية، وأخذ كافة الاحتياطات الممكنة لبناء هذه المناطق في الأماكن المناسبة لها.
    4- التقليل ما أمكن من استخدام مصادر الطاقة الملوثة للبيئة (الفحم والبترول والغاز)، والبحث عن مصادر للطاقة النظيفة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، والنووية.
    5- استخدام الوسائل التكنولوجية المتطورة لضبط التلوث، والتخفيف من كمية الملوثات المقذوفة من المصانع وغيرها من المصادر الملوثة للهواء.
    6- حماية المناطق والمساحات الخضراء من القطع والحرق، وإعادة تحريج المناطق المتضررة.
    7- معالجة المخلفات الصلبة والسائلة والغازية بالطرق والأساليب العلمية الصحيحة قبل إطلاقها إلى الغلاف الجوي. وغير ذلك من الإجراءات.
    8-8- دور الجغرافية في حماية الغلاف الجوي من التلوث:
    تدرس الجغرافية تركيب الغلاف الجوي وبنيته الشاقولية، وأهميته، ومصادر تلوثه ونتائجه، وغير ذلك من التغيرات التي يتعرض لها باعتبار الظروف الجوية أحد أهم العوامل المحددة لمقدار تركيز الملوثات في الغلاف الجوي، كما أن للملوثات دور مهم في تحديد قيم العناصر الجوية، وبالتالي تحديد المعالم المناخية للمناخ ألأصغري والمناخ العام. والجغرافيا تهتم بالغلاف الجوي باعتباره أحد الأغلفة الجغرافية الهامة، وهو يتألف من خليط ميكانيكي من الغازات والعناصر الجوية التي تختلف في كميتها ودرجة ثباتها، ويعد الغلاف الجوي من الموارد الطبيعية الأساسية والمتجددة، ومكوناته هي أساس الحياة واستمرارها وتوازنها.
    إن التلوث الجوي يعد من أهم مجالات البحث الجغرافي، والجغرافي يمكنه القيام بدراسة جوانب متخصصة في مشكلة التلوث تعد من صميم الدراسات الجغرافية، ولاسيما الجغرافية التطبيقية، ويمكن أن تفيد منها العلوم الأخرى، فهناك أشكال متعددة لما يمكن أن يسهم به الجغرافي في هذا الصدد، وذلك من خلال دراسته لاتجاهات الرياح وسرعتها، ودراسة التوطن الصناعي، وكثافة المرور، وغير ذلك من الجوانب التي يستطيع الجغرافي أن يسهم بها في دراسة مشكلة تلوث الجو، وتقديم دراسة شمولية متكاملة لأبعاد المشكلة البيئية الناتجة عن تلوث الجو وتغير عناصره.
    إن دراسة تلوث الغلاف الجوي باعتباره أحد الأغلفة الجغرافية، ودراسة الآثار الناجمة عن هذا التلوث على الأنظمة الجغرافية المختلفة، وعلى صحة الإنسان باعتباره أحد أهم العناصر الحية في البيئة، وعلى المكونات التاريخية والروائع الفنية والثقافية التي أبدعتها الأيدي البشرية خلال الزمن، ودراسة مصادر الملوثات، سواء تلك المصادر الطبيعية كالحرائق الطبيعية، وثوران البراكين، والزلازل، والأعاصير، والفيضانات، والعواصف الغبارية وغيرها، أو الناجمة عن مصادر بشرية مصطنعة، كوسائل النقل، والصناعة والزراعة، وحرائق الغابات، والملوثات الإشعاعية، وغيرها، وتحديد أماكن انتشارها، وآلية انتقالها وسرعتها.
    وعلى سبيل المثال دراسة انتقال الملوثات المسببة للأمطار الحمضية (من الولايات المتحدة الأمريكية إلى كندا، أومن بلدان أوروبة الغربية إلى أوروبة الشرقية والدول الاسكندنافية)، أو(انتقال المواد المشعة كما حدث إثر حادثة المفاعل النووي في تشرنوبيل سنة 1986حيث تحركت في معظم الاتجاهات)، وأسباب ذلك وتأثيراته الجغرافية والبيئية المختلفة، كل هذا يعد من صميم عمل الباحث الجغرافي وإن لم يكن حكراً عليه وحده بأي شكل من الأشكال. وبحسب (ميلانوفا، ريابتشيكوف) فإنه من المهم جداً دراسة مشاكل تلوث الجو من مدخل جغرافي، وذلك لأن تلوث الجو يؤدي من جانب أول إلى تغير جميع عناصر المركب الطبيعي، ومن جانب آخر فإن طبيعة التلوث وشدته تتعلق بخصائص الشروط الطبيعية( ).
    كما أن الجغرافية تدرس التغيرات المناخية التي حدثت خلال الأحقاب الجيولوجية المتعاقبة، كارتفاع درجة الحرارة في الهولوسين أو حدوث العصور الجليدية، وكذلك دراسة تلك التغيرات المناخية ذات الصفة الدورية - كل 20 أو 40 أو 100 سنة- والتي تمثل انعكاساً لعوامل فلكية معينة. كما تدرس تأثير زيادة التأثيرات البشرية المصطنعة في مختلف عناصر الغلاف الجوي خاصة الأوزون (O3)، والأيونات، وبالأخص محتوى طبقة التروبوسفير من هذه العناصر، حيث تؤدي إلى خلل في محتوى الهواء من هذه العناصر.
    والجغرافية تهتم أيضاَ بدراسة درجة الاحترار العالمي (عامل الدفيئة)، والتي ازدادت بوضوح في الفترة الأخيرة من القرن العشرين، وكان انبعاث الكربون هو السبب الرئيس في ذلك، حيث إن تركيز أكاسيد الكربون في الغلاف الجوي بلغ أعلى مستوى له، وبالرغم من صعوبة تحديد تأثير ذلك على تغير المناخ العالمي فإن الكثير من العلماء والهيئات العلمية العالمية رأت أن مثل هذا التأثير محتمل بشكل جدي وكبير.
    والجغرافية يمكنها أن تسهم بشكل كبير في دراسة مصادر وأسباب الاحترار العالمي، ودراسة وتحليل النتائج والآثار المترتبة على ذلك، ومن هذه النتائج مثلا، احتمال ذوبان الكثير من الجليديات، وارتفاع مستوى مياه البحار بمعدل يتراوح بين 15 - 95 سم حتى نهاية القرن الحالي (القرن 21)، وهذا سيؤدي إلى حدوث طغيان مياه البحار على السواحل مما يجعل ملايين الناس من سكان الجزر البحرية والمناطق المنخفضة لاجئين بيئيين، ويسبب تأثيرات مختلفة في الحياة البرية والمائية.
    ويعتقد أن زيادة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو قد يؤدي إلى حدوث تطرف دراماتيكي في حالة الطقس، وحدوث العواصف والأعاصير وتعطيل ملحوظ في الأنظمة البيئية العالمية، مما يسهم في تسريع انتقال الأمراض المعدية كالملاريا والكوليرا وربما ظهور أمراض وأوبئة جديدة لم تكن معروفة سابقا، والتغير المناخي يؤدي إلى حدوث تفاقم في مشكلة نقص المياه في المناطق الجافة وزيادة حدة التصحر، كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك حدوث ضعف وتراجع في القدرة الإنتاجية الزراعية في الكثير من البلدان ولاسيما تلك البلدان الأكثر فقراً في العالم.
    إن استمرار زيادة تركيز غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وخاصة ثاني أكسيد الكربون سيؤدي ليس فقط إلى حدوث تغيرات مناخية، وإنما إلى حدوث تغيرات في البيئة عامة مثل هطول المزيد من الأمطار في العروض العليا، وتزحزح نطاقات الغابات ذات الأوراق الدائمة الخضرة نحو الشمال، وبالتالي حدوث الفيضانات وزيادة نحت التربة وتعريتها وحدوث خلل معين في جميع الأنظمة الجغرافية الطبيعية.







    الفصل التاسع
    الغلاف المائي (الهيدروسفير)

    - مصادر المياه وتوزعها في الغلاف المائي
    - أهمية الغلاف المائي
    - خصائص المياه
    - مصادر تلوث المياه
    - الآثار الناتجة عن تلوث المياه
    - المشكلة المائية في الوطن العربي
    - الإجراءات التي يمكن اتباعها للمحافظة على المياه وحمايتها
    - دور الجغرافية في حماية الموارد المائية وترشيد استغلالها













    9 - الغلاف المائي (الهيدروسفير Hydrosphere):
    9-1- مصادر المياه وتوزعها في الغلاف المائي:
    إن المصدر الرئيس للمياه في الطبيعة هو الدورة المائية المتجددة، المتمثلة في التبخر والتكاثف والتهطال، ويشغل الماء أكبر حيز في الغلاف الحيوي، وأكبر مادة موجودة فيه، وهذا ما دفع البعض إلى اقتراح تسمية الكرة المائية بدلاً من الكرة الأرضية، وكمية المياه الموجودة في الغلاف المائي تقدر بنحو1.5 مليار كلم3، ومعظمها يوجد في المحيطات العالمية التي تشغل نحو72 % من مساحة الكرة الأرضية، وفيها نحو94 % من إجمالي المياه الموجودة في الغلاف المائي عامة، وهي مياه مالحة، يليها المياه الجوفية المالحة والعذبة، ومياه الجليديات، والمياه العذبة في كامل الغلاف المائي تتراوح بين 2- 3 % فقط منه، وهي موزعة بشكل غير متساو على سطح الكرة الأرضية، حيث يحتوي نهر الأمازون وحده على 10- 15 % من إجمالي المياه العذبة في العالم، وحوض نهر الكونغو- زائير يضم أكثر من 50 % من مياه القارة الأفريقية بينما لا يعيش فيه سوى نحو10 % من سكانها، وكل هذا يزيد مشكلة نقص المياه حدة وخطورة، والجدول (7) يوضح توزع المياه في الغلاف المائي.
    الجدول ( 7) توزع المياه في الغلاف المائي
    النسبة % الحجم/ألف كلم3 نوع المياه تسلسل
    93.96 1370323 مياه المحيطات العالمية 1
    4.12 60000 المياه الجوفية (الباطنية) 2
    0.27 4000 المياه الجوفية البينية 3
    1.65 24000 مياه الجليديات المتجمدة 4
    0.019 280 مياه البحيرات 5
    0.006 85 مياه التربة 6
    0.001 14 بخار الماء 7
    0.0001 1.2 مياه الأنهار 8
    100 % 1.454.703 المجموع
    9-2- أهمية الغلاف المائي:
    يعد الماء أحد أهم الموارد الطبيعية، فهو نبض الحياة على الأرض، وبدون المياه العذبة الصالحة للاستخدامات المختلفة لا يمكن أن يتم أي تطور زراعي، أو صناعي، أو حياة بشرية مستقرة متطورة باستمرار، فالماء يعد من أهم الثروات الطبيعية التي وهبها الله سبحانه وتعالى للبشرية، ويدل على هذه الحقيقة الهامة قوله تعالى: )أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ[ (الأنبياء 30).
    والدلائل على أهمية الماء كثيرة جداً ويصعب إحصائها، ومن هذه الدلائل:
    1- ذكر الماء في جميع الكتب السماوية، وفي القرآن الكريم أكثر من (64) آية ذكر فيها الماء.
    2- الماء هو المادة الوحيدة على سطح الكرة الأرضية، التي تتمتع بالديناميكية، وتوجد بحالات ثلاث، سائلة وغازية وصلبة.
    3- ضروري لكافة الكائنات الحية، النبات والحيوان والإنسان.
    4- برغم كل التقدم التقني الذي بلغته البشرية فإنه حتى الآن لم يتم التوصل إلى صناعة أو تركيب سائل يشبه الماء الطبيعي في خصائصه، أو يعوض عنه.
    5- الإنسان لا يستطيع العيش من دون ماء أكثر من ثلاثة أيام، وهو يحتاج من 2- 3 لتر ماء للشرب يومياً، ومئات اللترات، بل الآلاف في الاستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية وغيرها.
    6- نقص المياه بنسبة 15% في جسم الإنسان تعرضه للخطر وربما الموت.
    7- نشأت معظم الحضارات القديمة بجانب مصادر المياه.
    8- يشكل الماء نحو 80 % من دم الإنسان.
    9- يشكل الماء نحو 80 % من وزن الكثير من أنواع الخضار والفاكهة.
    10- يشكل الماء نحو 70 % من وزن اللحم.
    11- يشغل نحو 75 % من مساحة الكرة الأرضية.
    12- باختصار الماء أرخص موجود وأغلى مفقود.
    9-3- استخدامات المياه والخصائص الفيزيائية والكيميائية لها:
    يمكن تعريف الماء بأنه سائل شفاف يتميز بخصائص فيزيائية وكيمائية، وليس له طعم ولا لون ولا رائحة، عندما يكون نظيفاً، وفي الحالة الطبيعية له، ولكن تغير هذه الصفات، يعني أن الماء تعرض للتلوث، و لتغير خصائصه كلها أو بعضها بشكل أو بآخر، ومن أهم خصائص الماء نذكر:
    1 - الخصائص الفيزيائية ومنها:
    أ - اللون، المياه النظيفة شفافة لا لون لها.
    ب- العكر، أو العكارة، وتتعلق بالمواد العالقة الموجودة في الماء.
    ج- الطعم، المياه النظيفة لا طعم لها وقد يتغير طعم الماء بسبب تعرضه لمؤثرات خارجية.
    د- الرائحة، المياه النظيفة العادية لا رائحة لها، ووجود الرائحة دليل على التلوث.
    هـ- درجة الحرارة، درجة حرارة المياه العادية المقبولة للشرب تتراوح بين 8 - 11 مْ.
    2 - الخصائص الكيميائية ومنها:
    أ - درجة القلوية أو الحموضة، وتسمى بالعامل الهيدروجيني، أو الباهاء (PH)، والرقم الهيدروجيني ينحصر بين (0- 14) والقياسي يساوي 7، أقل من 7 يعني زيادة الحموضة، وأكثر من 7 يعني زيادة القلوية. والمياه المفضلة للشرب تكون درجتها من 7 - 8.5.
    ب - الأكسجين الحيوي المستهلك (B O D)، وهو الأكسجين الذي تستهلكه الكائنات الحية الدقيقة في المياه، ويقاس في درجة حرارة ثابتة هي 20 مْ، وخلال خمسة أيام، وتغير كميته يرتبط بعدة عوامل.
    ج - الأكسجين الذائب أو المنحل (D O)، ووجوده في الماء ضروري لاستمرار حياة الكائنات الحية المائية، ومعدل تركيزه في مياه الأنهار يجب أن لا تقل عن (5) ملغ في اللتر، و ترتبط مصادره وكميته بعدة عوامل أيضاً.
    د - خصائص كيميائية أخرى مثل وجود المعادن كالحديد والنحاس، وعناصر أخرى بكميات ومعدلات محددة لكل منها.
    3 - خصائص المياه الصالحة للشرب:
    من أهم خصائص المياه الصالحة للشرب أن يكون:
    1- عديم الطعم والرائحة واللون.
    2- خالياً من الجراثيم والبكتريا والفطريات والكائنات الدقيقة وغيرها.
    3- خالياً من المواد الصلبة والعالقة.
    4- أن تكون درجة الحموضة والقلوية مناسبة. والجدول ( 8) يبين مواصفات الماء الصالح للشرب( ).
    الجدول (8) مواصفات الماء الصالح للشرب (ملجم/لتر).
    أعلى حد مسموح ملجم / لتر الحد المناسب ملجم / لتر اسم المادة
    1500 500 المواد الصلبة
    1.0 0.10 الحديد
    1.5 0.05 النحاس
    0.50 0.05 المنجنيز
    15.0 5.0 الخارصين
    200 75 الكالسيوم
    150 30 الماغنسيوم
    400 200 الكبريتات
    600 200 الكلوريدات
    9.2 7 - 8.5 الأس الهيدروجيني (PH)
    00 100 الفينولات
    500 مجموع المواد المسببة للعسر (كربونات الكالسيوم)
    أقل من 1 في ملتر البكتريا
    4 - استخدامات المياه:
    إن مجالات استخدام المياه كثيرة ومتنوعة، وهي تختلف من بلد لآخر ومكان لآخر، تبعاً لعدة عوامل منها، مدى توفر المياه، وأنماط التنمية السائدة، الاقتصادية والاجتماعية، ومن هذه المجالات:
    أ - في الأغراض المنزلية، كالشرب والطبخ والغسيل الخ، وتقدر نسبتها بنحو 8 % من المياه العذبة المستهلكة في العالم.
    ب - في الزراعة، وتعد الزراعة من أكثر الأنشطة الاقتصادية استهلاكاً للمياه، وتستهلك نحو70 % من إجمالي المياه المستهلكة في مختلف المجالات على مستوى العالم.
    ج - في الصناعة، الماء عنصر ضروري لمعظم أشكال الصناعة، التي لا يمكن أن تقوم وتتطور بدون توافر الماء، والصناعة تستهلك نحو 25 % من المياه المستهلكة على مستوى العالم.
    د - في توليد الطاقة، من المحطات الهيدروحرارية في السدود المائية.
    هـ - في الصيد النهري والبحري.
    و - وسيلة للنقل عبر الأنهار والبحار والمحيطات.
    ز - في السياحة والاستجمام والرياضة كالتزلج والسباحة وغير ذلك.
    ح - في الاستشفاء والمعالجة الطبية من بعض الأمراض، وبخاصة المياه المعدنية.
    9-4- مصادر تلوث الماء:
    على الرغم من أهمية المياه، وحاجة كل كائن حي لها، فقد انقضت فترة طويلة من الزمن، والناس لا يبالون ولا يهتمون بهذه الثروة العظيمة، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه من هدر وتلوث، مما جعل العالم بأسره يواجه هذه الأيام أزمة العجز المائي الناتج عن نقص المياه من جهة، وتلوثها من جهة أخرى.
    ويمكن تعريف تلوث الماء بأنه: تغيّر في الخصائص والصفات الفيزيائية أو الكيميائية أو غيرها مما يجعل الماء غير صالح للاستخدامات المرجوة منه، في الشرب أو الاستخدامات المنزلية، أو الصناعة، أو الزراعة، أو غيرها، سواءً أكان هذا التلوث من مصادر ولأسباب طبيعية، أم من مصادر ولأسباب بشرية.
    9-4-1- المصادر الطبيعية ومنها:
    أ - السيول:
    تحدث السيول بعد هطول الأمطار أو عقب ذوبان الثلوج، وذلك باختلاف الموقع، ويكون خطر هذه السيول وشدتها أكبر في المناطق الجبلية والمناطق الجافة وشبه الجافة، وهذه السيول تحمل معها الطمي والحصى والمواد العضوية وغير العضوية، وبعض الكائنات الحية أو النباتات العالقة في هذه السيول، مما يؤدي إلى تلوث المياه المعرضة للسيول كالأنهار أو البحيرات أو غيرها من المسطحات والمصادر المائية، وتصبح هذه المياه عكرة وملونة بألوان المجروفات والمواد التي تحملها، وغالبا ما يكون اللون الأحمر الناجم عن التربة التي يشتد تأثير السيول والجريان المائي فيها، بسبب القضاء على الغطاء النباتي وتخريبه، والتلوث بالسيول بالطبع يؤثر سلبا في نوعية المياه وخصائصها ويجعلها غير صالحة لبعض الاستخدامات المعتادة.
    ب - البراكين:
    تعد البراكين من المصادر الطبيعية لتلوث المياه، عندما تثور في المياه، أو بالقرب من مصادر المياه، وتنتهي الكثير من مقذوفاتها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى المسطحات المائية، ومن هذه المقذوفات أكاسيد الكربون والنتروجين والكبريت، والرماد البركاني وغيره، كما يعد الغبار والجزيئات المعلقة في الهواء مصدرا من مصادر تلوث المياه، حيث تنقلها الرياح من مكان لآخر، وتسقط فوق المسطحات المائية، إما بشكل جاف بحسب أنواعها وأحجامها، أو بشكل رطب مع مياه الأمطار أو الثلوج، وتحمل معها هذه الجزيئات والملوثات إلى المياه، كما هو الحال في الأمطار الحمضية مثلا.
    9-4-2- المصادر البشرية ومنها:
    أ - التلوث بمخلفات الصرف الصحي المنزلي:
    وهذا التلوث ناجم عن صرف المخلفات البشرية إلى المياه عبر شبكة الصرف الصحي، وتشمل مخلفات المنازل والفنادق والمشافي والمطاعم وجميع المؤسسات أو المنشآت المشابهة لها، وهذه المخلفات تحوي بشكل عام مخلفات البشر في الحمامات ودورات المياه والمطابخ وأعمال الشطف والتنظيف، وما ينتج عنها من غائط وبول وصابون ومنظفات وبقايا الطعام، وأعداد كبيرة من الجراثيم والبكتريا والفيروسات والخمائر والفطور وغيرها. ومعظم هذه المخلفات هي بقايا ومواد عضوية، وبعضها غير عضوية ومعدنية وكيميائية وغيرها، وهذه المواد تختلف في كميتها ونوعها وتأثيرها باختلاف عدة أمور منها، طبيعة حياة السكان، ومستواهم الحضاري، ووعيهم البيئي، ومدى توافر المياه وطرق الاستفادة منها.
    ومن المعروف أن زيادة أعداد السكان، وتحسن مستوى المعيشة، وتوافر شبكات المياه العذبة، ومجاري الصرف الصحي للتخلص من المياه العادمة المنزلية، زاد من كميات المياه المستهلكة والملوثة، التي تلقى إلى المياه والبيئة دون معالجة تذكر، ومما يزيد الأمر سوءاً صرف مياه الصرف الصناعي في نفس شبكات الصرف الصحي، ولا يجري الفصل بين الصرف الصحي المنزلي والصرف الصحي الصناعي، وفي كلا الحالتين فإن هذه المخلفات تسبب أضرارا كبيرة بالمياه وتلوثها، وإصابة الإنسان وغيره من الكائنات الحية بأمراض كثيرة.
    ب - التلوث بالمخلفات الصناعية:
    لأن معظم الصناعات تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، من أجل تبريد المحركات، وتصنيع المواد الأولية وتحويلها إلى مواد مصنعة، فقد قامت معظم هذه الصناعات بالقرب من مصادر المياه، و بالتالي فإن هذه المصانع تلقي بمخلفاتها إلى هذه المصادر المائية، وتختلف هذه المصانع في مدى حاجتها للمياه، وفي كمية الملوثات الملقية منها إلى المياه أيضا، باختلاف عدة عوامل منها، نوع الصناعة، ونوع المواد الأولية المستخدمة وكميتها، ونوع المواد المصنعة وكميتها، وأساليب الإنتاج، ومدى اعتماد الدورات الصناعية المغلقة، والاستفادة من التقدم التقني، ووسائل التكنولوجيا النظيفة بيئياً.
    وأهم الصناعات الملوثة للمياه، صناعة الورق، وصناعة المواد الكيميائية، والبلاستيكية، وتصنيع ودبغ الجلود والفراء والأصواف، والأصباغ والدهانات وغيرها الكثير، وجل هذه الصناعات تسبب في إلقاء كميات كبيرة من الملوثات العضوية وغير العضوية والمعدنية والكيميائية، والكثير منها مواد سامة وتحتاج إلى فترة طويلة جدا للتحلل والتفكك، وأخطر هذه الملوثات، ما يسمى بالمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق والكادميوم وغيره. لقد غدت المصادر المائية في الكثير من مناطق العلم تئن تحت وطأة التلوث سواء في العالم المتقدم، أو النامي أو المتخلف، مثل البحر المتوسط، وبحر البلطيق، والبحر الأحمر، والخليج العربي، وقس على ذلك الأنهار الكبيرة والصغيرة في العالم، كنهر الراين الذي تلقى إليه الكثير من المخلفات الصناعية في جميع دول أوروبا الغربية التي يمر بها، ونهر بوتاماك الذي تلقى إليه مخلفات مدينة واشنطن، وكذلك تلوث البحيرات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى بحيرة البايكال في سيبريا بشرق روسيا والتي كانت توصف بأنها أعذب بحيرة في العالم لم تخل من التلوث الصناعي، وبخاصة مخلفات صناعة الورق.
    ج - التلوث بالمخلفات الزراعية:
    إن الكثير من المخلفات الزراعية تصرف إلى شبكات الصرف الصحي أو المنزلي، أو إلى شبكات منفصلة،تنتهي أو تصل في كثير من الأحيان إلى المصادر المائية وتسبب تلوثها، ومثل هذا التلوث ينجم أيضا عن المخصبات والأسمدة المعدنية، كأسمدة اليوريا أو الآزوتية أوالفوسفورية أوالمركبة، وكذلك من جراء استخدام الأسمدة العضوية (الدبال) وما فيها من مواد يمكن أن تنتقل إلى المياه، ومن استخدام المبيدات الكيميائية المختلفة ورش المزروعات بها للقضاء على الحشرات والآفات أو الأعشاب الضارة، كما أن منشآت تربية الحيوانات والطيور والدواجن وزرائبها، وما ينتج عنها من روث ومخلفات مختلفة، كل هذه المخلفات والملوثات يمكن أن تنتقل إلى المياه وتسبب تلوثها وتغيير صفاتها وجعلها غير صالحة للكثير من الاستخدامات.
    د - تلوث المياه بالمواد المشعة:
    إن مصادر تلوث المياه بالمواد المشعة كثيرة ومتنوعة، وهي نفسها التي تلوث الغلاف الغازي، والتربة والنبات، ومن هذه المصادر نذكر:
    - التجارب النووية، ولاسيما في أعماق البحار والمحيطات.
    - نفايات مفاعلات الطاقة النووية، ولاسيما السائلة التي تلقى إلى الأنهار أو البحار أو البحيرات.
    - النفايات الناجمة عن الكوارث النووية، في المفاعلات الذرية، أو الغواصات النووية أو غيرها.
    - النفايات التي يمكن أن تتسرب أثناء نقل النفايات النووية، وبخاصة عبر المياه.
    - النفايات التي يمكن أن تتسرب من مستودعات وأماكن تخزين المواد أو النفايات النووية.
    - دفن النفايات النووية، والتخلص منها بوضعها في حاويات خاصة وإلقائها في أعماق البحار والمحيطات، سواء تمت هذه العملية بشكل علني، أو بشكل سري وهذا ما يحدث غالبا، وتصبح هذه الحاويات بمثابة قنابل موقوتة معرضة للعطب أو الانفجار في أي لحظة.
    هـ - التلوث الحراري:
    يمكن تعريف هذا التلوث بأنه تغيير، أو زيادة درجة حرارة المياه أكثر من الحرارة الطبيعية والمعتادة، مما يؤدي إلى تغيير خصائص المياه، وإحداث تأثيرات سلبية في النظام البيئي لهذه المياه، وأضرار بالكائنات الحية التي تعيش فيها، أو تتغذى أو تشرب منها.
    والسبب الرئيسي لهذا التلوث الحراري إلقاء المياه الحارة المستخدمة في تبريد المحطات الحرارية، وتبريد الآلات في المصانع المختلفة القائمة على ضفاف الأنهار والبحيرات، أو على شواطئ البحار والمحيطات، وهذه المحطات والمصانع تحتاج كميات كبيرة من المياه لتبريد آلاتها، ثم تصرفها إلى المصادر المائية وقد ارتفعت درجة حرارتها بشكل كبير، وتظهر المناطق الملوثة حراريا بشكل واضح بقياس درجة حرارتها، أو من خلال صور الاستشعار عن بعد حيث تظهر على شكل بقع مميزة، أو من خلال تأثيرها في الكائنات الحية وبخاصة الأسماك.
    و - التلوث بالمخلفات الطبية السائلة:
    وهي مياه الصرف الصحي من المشافي، والمؤسسات والمرافق الطبية، وهذه المخلفات تحوي الكثير من الفيروسات، والمكروبات الممرضة، والسوائل الكيميائية الخطيرة، والمخلفات الدوائية والصيدلانية، والمخلفات المشعة، والمعادن الثقيلة وغيرها، وأخطر هذه المخلفات تلك المستخدمة في علاج أمراض أورام السرطانات، لأن هذه المخلفات قد تسبب إحداث طفرات وتشوهات للكائنات الحية، وحدوث مشكلات في معالجة هذه النفايات.
    ولا ننسى أخيرا أن المياه يمكن أن تتلوث بملوثات أخرى كثيرة منها، التلوث بالقمامة والنفايات الصلبة، التي تلقى في المياه وكثيرا ما نشاهد بالعين المجردة أكياس النايلون، وقطع البلاستيك، والخشب، وبقايا الطعام، والنباتات، وجثث الكائنات الحية النافقة وغيرها تطفو على سطح المياه، بينما ما خفي منها- في الأعماق - أعظم.
    ز - تلوث المياه (وبخاصة البحار والمحيطات) بالنفط:
    أصبح النفط عصب الحياة الحديثة، ويستخدم في معظم أنحاء الكرة الأرضية في البر والبحر، ويكاد لا يسلم مكان من وجوده أو وجود مشتقاته المستخدمة في مجال الطاقة والصناعة، وهي تنتقل بشكل أو بآخر إلى الأنهار والبحيرات، والمسطحات المائية العذبة والمالحة، وتسبب تلوثها بهذا القدر أو ذاك، ولكن هذا التلوث يشكل ظاهرة مثيرة للانتباه في البحار والمحيطات العالمية، بحكم حجم كمية البترول المستخرج منها أو المنقول عبرها، ويقدر أن كمية النفط التي تلقى سنوياً في مياه البحار والمحيطات العالمية تبلغ قرابة 10 مليون طن، وهذا عائد إلى زيادة كمية النفط المنقول عبر البحار والمحيطات، والمقدر بأكثر من 3000 مليون طن في السنة، حيث إن قرابة 80 % من النفط العالمي ينقل عبر البحار والمحيطات في أكثر من 7000 ناقلة، إضافة إلى الأنابيب المارة عبر البحار والمحيطات، والشكل (28) يبين الطرق الرئيسة لنقل النفط وحجمها. وأسباب تلوث المياه بشكل عام، ومياه البحار والمحيطات بشكل خاص، بالنفط كثيرة أهمها:
    1 - حوادث ناقلات النفط:
    يتجلى خطر حوادث ناقلات النفط من تزايد كمية النفط المنقول فيها، وتزايد حمولتها، فقد كان وسطي حمولة الناقلة منها في خمسينيات القرن العشرين 15 ألف طن فقط، أما حالياً فإن متوسط حمولة الكثير من هذه الناقلات يزيد عن 200 ألف طن !، أما أسباب هذه الحوادث فمختلفة، وأهمها الجنوح في أماكن ضحلة المياه، والاصطدام، والانفجار، والحرائق، والأعطال الخ، والجدول ( 9) يبين أهم حوادث الناقلات، ومكان الحادث وتاريخه، وكمية النفط المتسرب.
    2 - حوادث منصات وآبار النفط البحرية:
    إن عمليات التنقيب عن البترول واستخراجه من البحار والمحيطات، حيث يقدر البترول المستخرج منها بنحو 15 %، من إنتاج النفط العالمي، إضافة إلى عمليات تحميل وتفريغ النفط مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تسرب النفط، بشكل مباشر أو غير مباشر، ومثل هذه الحوادث التي حصل فيها تسرب النفط من الآبار، أو المنصات البحرية كثيرة، في الخليج العربي، وخليج المكسيك، وبحر الشمال وفي غير مكان من العالم.
    3 - تسرب النفط أثناء تنظيف ناقلات النفط في أعماق البحار أو بالقرب من الموانئ.
    4 - تسرب النفط مع مياه الصابورة (مياه التوازن)، التي تحمل بها الباخرة عندما تكون فارغة من أجل المحافظة على توازنها أثناء عودتها إلى أماكن التحميل.
    5 - تسرب النفط من معامل ومحطات تكرير النفط، ومن محطات التزود بالوقود، ومحطات أو ورش صيانة المحركات الخ....
    6 - تسرب النفط من أنابيب نقل النفط التي قد تتعرض لحوادث في اليابسة أو البحار.
    7 - الانسكاب المتعمد للنفط، حيث إنه في بعض الحالات قد يتعمد صاحب الناقلة أو قبطانها، إلى تفريغ حمولة الناقلة لإنقاذها من الغرق هي وطاقمها، وقد تكون الناقلة قديمة وتحتاج إلى صيانة ومصاريف، فيتم إغراقها بحملتها للحصول على تعويضات ومكاسب من شركات التأمين.
    9-5- الآثار الناتجة عن تلوث المياه:
    نستطيع التمييز بين عدة آثار وعواقب ناجمة عن تلوث المياه، وهذه الآثار ترتبط بكل نوع من أنواع التلوث المذكورة سابقا، وبالطبع هذه التأثيرات تنتقل من كائن حي إلى آخر عن طريق السلسلة الغذائية، من التربة إلى النبات ومن النبات إلى الحيوان والإنسان، ومن المياه إلى النباتات المائية (الفيتوبلانكتون)، وإلى الأسماك والرخويات والقشريات، ومنها تنتقل إلى الإنسان الذي يتغذى بها، ويمكن إيجاز تلك الآثار بالأمور التالية.
    - إن مخلفات الصرف الصحي المنزلي مثلا، تضر بالكائنات الحية المائية، وتنتقل إلى الإنسان وتسبب له أمراضا مختلفة منها السرطان والكوليرا والتيفوس.
    - أما مخلفات الصرف الصناعي والتلوث الصناعي، وبخاصة المعادن الثقيلة التي تعد من أكثر المخلفات الصناعية خطرا بسبب قدرتها الاستقلابية، وزيادة تركيزها في أجسام الكائنات الحية، ومنها الزئبق، وتناوله من قبل الإنسان يسبب له التسمم والإصابة بمرض ميناماتا - نسبة إلى خليج ميناماتا في اليابان - وهذا المرض يصيب الجهاز العصبي للإنسان ويسبب له اضطرابات عصبية حركية وبصرية، وربما يؤدي إلى وفاته بالنتيجة.
    تاريخ وقوع الحادث كمية النفط المتسرب / طن المكان المتأثر بالتلوث اسم الناقلة تسلسل
    مارس 1967 50000 شواطئ فرنسا وبريطانيا توري كانيون 1
    ديسمبر 1972 120000 خليج عمان سي ستار 2
    يناير 1975 84000 البرتغال يعقوب مياسك 3
    مايو 1976 100000 اسبانيا أور كيولز 4
    فبراير 1977 99000 هاواي هاويين باتريون 5
    مارس 1978 228000 فرنسا آموكو قاديس 6
    نوفمبر 1979 95000 تركيا آندي بندنتا 7
    فبراير 1980 102000 اليونان ارنيس سيرنادا 8
    أغسطس 1983 256000 جنوب إفريقيا كاستيللو سولفر 9
    ديسمبر 1985 71000 إيران نوفا 10
    مارس 1993 85000 جزر شيكلاند البريطانية برير 11
    - 1516000 - المجموع -
    - وتأثير المواد المشعة الموجودة في المياه، ينتقل إلى الكائنات الحية، ومن ثم إلى الإنسان إما عن طريق اللمس والتماس أثناء السباحة أو الصيد في المياه، أو عن طريق التنفس واستنشاق المواد المشعة، أو عن طريق الطعام وتناول لحوم الأسماك والقشريات والرخويات الملوثة بالإشعاع.
    - أما التلوث الحراري للمياه فإنه يؤدي إلى نقص كمية الأكسجين الذائب أو المنحل في المياه، وهذا يؤثر سلبا في حياة معظم الكائنات الحية المائية، التي تحتاج إلى فترة معينة للتكيف
    الجدول (9) أهم حوادث الناقلات التي تسببت في تدفق النفط في مياه البحار( ).

    مع التلوث الحراري، وقد لا تستطيع التكيف فتهاجر أو تموت، وهذا ينطبق على الأسماك التي لا تتحمل درجات حرارة أعلى من 35 مْ، وعلى سمك الترويت بالدرجة الأولى الذي لا يستطيع العيش في درجات حرارة أعلى من 25 مْ.
    وبشكل عام فإن التلوث الحراري للمياه يؤدي إلى حدوث خلل في دورة تكاثر الكائنات الحية، وفي السلسلة الغذائية، وفي توازن واستقرار النظام البيئي المائي.

    أما الآثار أو العواقب الناتجة عن تلوث مياه البحار والمحيطات بالنفط، فهي كثيرة أيضاً ويمكن إجمالها في الأمور التالية:
    - عرقلة أو إعاقة مياه البحار والمحيطات عن القيام بدورها في حفظ التوازن البيئي، حيث إن هذه المحيطات في الأحوال العادية تمتص ثاني أكسيد الكربون (CO2)، وتمتص ذلك 50 % من كمية الأشعة الشمسية الواصلة إلى سطح الأرض، وهي تطلق الأكسجين (O2)، وتقوم النباتات المائية بعملية التركيب الضوئي، وعندما تتلوث هذه المحيطات بالنفط، فإن النفط يشكل طبقة رقيقة فوق سطح المياه، وهذه الطبقة تعيق امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وامتصاص الأشعة الشمسية، وتعيق إطلاق الأكسجين والقيام بعملية التركيب الضوئي، وعرقلة كل هذه الأمور يؤدي إلى حدوث خلل في التوازن البيئي، وحدوث تغييرات مناخية وغير ذلك.
    - النفط الذي يلوث المياه، يعمل في نفس الوقت كمذيب لبعض المواد التي تلقى في المياه مثل المبيدات الكيميائية والمنظفات وغيرها وبالتالي زيادة تركيز هذه الملوثات وزيادة مخاطرها.
    - كما يمكن أن تحدث بعض التفاعلات الكيماضوئية لبقعة الزيت الطافية، وذلك بفعل الأشعة الشمسية ووجود الأكسجين والمعادن الثقيلة وغيرها مما يؤدي إلى تأكسد هذه المركبات وتغير خصائصها.
    - التلوث النفطي، يخرب الحالة البيئية والبيولوجية والجمالية والسياحية للشواطئ، ويعرقل إمكانية الاستفادة منها.
    - التلوث النفطي، يعرض الكائنات الحية البحرية، وخاصة الأسماك للهجرة أو المرض أو الموت، وبسبب تعرضها للتلوث فإن تناولها من قبل الإنسان قد يسبب له المرض والأذى.
    - يزداد خطر التلوث بالنفط عند اختلاطه مع ملوثات أخرى كمخلفات الصرف الصحي المنزلي والصناعي والتجاري، وكذلك النفايات السامة والمشعة وغيرها، وتتفاعل هذه الملوثات وتؤدي إلى مخاطر وأخطار بيئية وصحية لا يحمد عقباها.
    9-6- لمحة عن المشكلة المائية في الوطن العربي والعالم:
    لقد دأبت جميع الدراسات والأبحاث على التحذير من تفاقم أزمة المياه في الوطن العربي لأسباب متعددة ونذكر منها:
    1- الظروف المناخية القاسية، حيث أن 70 – 80 % من مساحة الوطن العربي تقع في المناطق الجافة وشبه الجافة.
    2- الوطن العربي يقع في منطقة تتميز بارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض الرطوبة النسبية، وزيادة التبخر من المسطحات المائية، ومن الأراضي الزراعية المروية، حيث تكون كمية التبخر أكبر من الأمطار في معظم أراضي الوطن العربي.
    3- الوطن العربي يفتقر عموما إلى شبكات مائية كبيرة وأنهار دائمة الجريان.
    4- الأنهار الكبرى التي تجري في الوطن العربي كالنيل ودجلة والفرات تستمد منابعها ومعظم مياهها من خارج أراضيه وهذا الأمر يؤثر سلبا على الأمن المائي العربي.
    5- النمو السكاني المتزايد، والطرائق التقليدية في استخدام المياه في الوطن العربي، مما يزيد من حدة هذه المشكلة، ويؤدي إلى انخفاض حصة المواطن العربي من المياه العذبة المتاحة باستمرار.
    6- إن الدول العربية في معظمها تعاني، من نقص مصادر المياه الجارية المتجددة، وكذلك المياه الجوفية التي لا تكفي لتأمين حاجات المواطنين من مياه الشرب والمياه اللازمة للزراعة والصناعة والاستخدامات الأخرى.
    ويقدر إجمالي الموارد المائية المتجددة المتاحة في الوطن العربي بنحو 340 مليار متر مكعب في السنة، وتتجدد هذه الموارد المائية بفعل الأمطار التي تهطل بشكل مختلف من منطقة إلى أخرى وبشكلٍ غير منتظم.
    وبحسب التقديرات العالمية فإن حاجة الفرد من المياه، تبلغ 1700 متر مكعب في السنة، وهذه الكمية غير متوافرة في أي بلد عربي، باستثناء العراق الذي يقترب من هذا الرقم قليلا، أي نحو 1650 متر مكعب للفرد في السنة، ويعاني من نقص المياه كل من لبنان، والمغرب، وسورية، وسلطنة عمان، حيث يتراوح نصيب الفرد من المياه فيها، بين 1000 إلى 1700 متر مكعب في السنة، أي أن هذه البلدان العربية الخمسة فقط هي فوق خط الفقر المائي. بينما جميع البلدان العربية الأخرى تعاني من ندرة المياه، أي أن حصة الفرد فيها من المياه أقل من 1000 متر مكعب وهي تحت خط الفقر المائي.
    ومن المتوقع زيادة العجز المائي العربي لأسباب كثيرة منها زيادة عدد السكان، واستنزاف المياه في الزراعة، وتلوث المياه، وعدم كفاية التنسيق والتعاون العربي في هذا المجال، وعدم كفاية المشاريع المائية المقامة كالسدود وقنوات الري، وعدم اتباع الطرائق السليمة في الري مثل الري بالتنقيط والرذاذ، أضف إلى ذلك الأطماع الأجنبية وسرقة المياه العربية من قبل إسرائيل وغير ذلك من الأسباب.
    وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ففي مصر مثلا يتناقص نصيب الفرد من المياه سنة بعد أخرى، فقد بلغ 1150 مترا مكعبا عام 1986، وأصبح 942 م3 عام 1994، وحوالي 800 م3 عام 2000، وهذا أقل من حد الفقر البالغ 1000 متر مكعب كما ذكرنا سابقا، ويقدر أن احتياجات مصر المائية سوف تقفز من 70 مليار متر مكعب عام 2000 إلى 140 مليار عام 2030 م بسبب زيادة عدد السكان في هذه الفترة.
    وليس من الصعب إدراك أن تأمين هذه المياه ليس أمرا سهلا أو متاحاً. إن أغلب مصادر المياه القليلة أصلا في الوطن العربي يتم استخدامها بسرعة أكبر بكثير من قدرتها على التجدد، واختلال التوازن بين الموارد المائية المتاحة والطلب المتزايد عليها هو من أخطر التحديات التي تواجه الوطن العربي.
    هذا ولا يتجاوز متوسط حصة الفرد العربي من المياه في مختلف المجالات 730 مترا مكعبا في السنة، وهذا المعدل هو دون حد الفقر المائي، وهو منخفض جدا بالمقارنة مع وسطي ما يستهلكه الفرد في العالم والبالغ نحو 13000 م3، بينما يبلغ نحو 18500 متر مكعب في الولايات المتحدة الأمريكية، ونحو 23000 في أمريكا اللاتينية، ومع زيادة العجز المائي العربي كما هو متوقع فإن ذلك سيؤدي من دون أدنى شك إلى عواقب بيئية خطيرة، تنعكس سلبا على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والصحية وعلى مختلف مناحي الحياة الأخرى.
    وإذا كانت الموارد المائية السطحية تشكل نحو 85 % من مجموع الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي، يصل منها نحو 60 % من خارج الوطن العربي. فإن المياه الجوفية تشكل نحو 15 % فقط من الموارد المائية المتاحة في الوطن العربي، وفي الوطن العربي توجد أحواض مائية جوفية إقليمية يبلغ عددها نحو 25 حوضا مائيا، منها أحواض واسعة الانتشار، يمتد بعضها إلى خارج الوطن العربي، وتشكل مخزونا مائيا مهماً، وتلجأ بعض الحكومات العربية إلى سحب كميات كبيرة من مياه هذه الأحواض الجوفية، كما حدث في ليبيا حيث تم تنفيذ مشروع النهر الصناعي العظيم، الذي يهدف إلى مد مدن الساحل الليبي مثل طرابلس الغرب وبنغازي وطبرق بالمياه العذبة، والمصدر الأساسي لهذه المياه العذبة هو المياه الجوفية داخل الصحراء الليبية الجنوبية، ويقدر أن المخزون من هذه المياه يكفي لتلبية حاجات ليبيا من الماء لمدة تتراوح بين 50 و100 سنة.
    كما أن البلاد العربية تحاول تامين حاجتها من المياه بطرق مختلفة منها:
    - بناء السدود المختلفة الأحجام والأهداف.
    - وقد اتجهت بعض البلدان العربية إلى معالجة مياه الصرف الصحي واستغلالها في الزراعة.
    - وكذلك تحلية مياه البحر والاستفادة منها خاصة في بعض بلدان الخليج العربي.
    - ترشيد استخدام المياه، واتباع طرق علمية صحيحة في استخدام مصادر المياه.
    - رفع أسعار المياه، وتنظيم آلية الحصول عليها وفرض ضرائب وعقوبات على من يلوثها.
    - البحث عن مصادر جديدة، والكشف عن المياه الجوفية، ومعرفة كميتها وتخطيط الاستفادة منها.
    وعلى المستوى العالمي:
    فإن المياه العذبة تشكل نسبة ضئيلة من مجموع المياه الموجودة على سطح الكرة الأرضية، ولا تزيد هذه النسبة عن 3 % منها، ومعظم هذه المياه مخزونة في الكتل الجليدية في المناطق القطبية، وهذا يعني أن المياه العذبة ليست متوافرة بين يدي البشر. ونحو 97 % من مياه الكرة الأرضية موجودة في مياه البحار والمحيطات وهي مياه مالحة، لذلك فإن مياه الينابيع والأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، هي أهم موارد المياه العذبة، وأحيانا فإن استغلال هذه المياه لا يخلو من الصعوبات، فالكثير من أنهار العالم لا يستغل بشكل جيد، وتضيع مياهها في البحار أو الغابات أو الأدغال دون أن تتحقق الفائدة المرجوة منها، في وقت تعاني البشرية من نقص حاد في كمية المياه العذبة الصالحة للشرب والاستخدامات البشرية الأخرى.
    وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن أكثر من مليار شخص في العالم يعانون نقصاً حاداً في مياه الشرب النظيفة، كما أن حوالي نصف سكان العالم لا يزالون يفتقرون إلى المياه الكافية لتوفير النظافة والصحة العامة وتعزيزها.
    وبحسب بعض التقديرات فإنه في عام 2025 م، سوف يواجه نحو ثلثي عدد سكان العالم أزمات خطيرة من جراء نقص المياه النظيفة التي يحتاجونها، وتعود هذه الأزمات إلى عدة أسباب أهمها تزايد الطلب على مصادر المياه العذبة بفعل تزايد أعداد السكان الكبير، وكذلك بسبب تلوث المياه، وزيادة الحاجة إليها في القطاع الزراعي والصناعي وغير ذلك.
    وفي القرن العشرين تزايدت نسبة استهلاك المياه بشكل كبير، ويقدر أن هذه الزيادة سوف تستمر في هذا القرن، وسيؤدي ذلك إلى تفاقم حدة التنافس على المياه بين مختلف قطاعات الحياة المنزلية والزراعية والصناعية، وتشير الدراسات إلى أن حاجة العالم إلى المياه العذبة المستخدمة في هذه القطاعات سوف تفوق بحلول عام 2025 م كمية المياه المتوافرة بنسبة 5 %، وسوف يزداد هذا الوضع المأساوي تفاقماً بسبب التغيرات المناخية التي يمكن أن تتعرض لها بعض مناطق العالم من جفاف أو من فيضانات مدمرة.
    وفي الفترة الأخيرة، وبسبب الحاجة المتزايدة للمياه، فقد باتت النزاعات على مصادر المياه فتيلا يهدد بتفجير صراعات وحروب محلية وإقليمية، في الكثير من مناطق العالم، خصوصا على المياه المشتركة بين عدة دول، ويتوقع الكثيرون أن يكون الماء لا النفط ولا السياسة محور الحروب والصراعات في هذا القرن، ولكن البعض لا يرى ذلك، ويقترح أو يعول على أن تكون مشاكل المياه سببا للحوار والتعاون بين الدول والشعوب، ونحن نأمل ونتمنى ذلك. وقد بحثت قضايا المياه في عشرات الندوات والمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية، منها مثلاً المؤتمر العالمي حول المياه والبيئة الذي عقد في عام 1992 في مدينة دبلن في ايرلندا، وكذلك المؤتمر الوزاري الدولي حول مياه الشرب وتعزيز الصحة العامة في هولندا عام 1994، والمؤتمر الأوروبي المتوسطي الأول حول الإدارة المحلية للمياه عام 1996 وقد أكدت هذه المؤتمرات على الأهمية القصوى للمياه وضرورة ترشيد استخدامها وحمايتها وإظهار قيمتها، وحقوق الأجيال القادمة فيها.
    9-7- الإجراءات التي يمكن اتباعها للمحافظة على المياه وحمايتها:
    تعتمد دول العالم أساليب مختلفة في المحافظة على المياه العذبة وحمايتها، من هذه الأساليب:
    - بناء السدود والخزانات المائية، إن إنشاء السدود والخزانات المائية يتيح التحكم بالفيضانات وتخزين المياه لاستخدامها حسب الحاجة، وقد أقيمت مئات الآلاف من السدود في أنحاء مختلفة من العالم وأسفر بناء هذه السدود عن منافع عديدة منها توفير مياه الشرب والري والطاقة الكهربية وتربية الأسماك وغير ذلك، ولكن من جهة أخرى فإن بناء السدود يؤثر سلبا على بعض النظم البيئية المهمة، وعلى كمية الطمي التي يجلبها النهر مما يؤثر سلبا على الزراعة كما حدث في وادي النيل بعد بناء السد العالي في مصر.
    - تسعير المياه، وفرض ضرائب على المستهلك، وعلى الملوث للمياه بشكل يتناسب مع تأثيره في المياه من ناحية الكم والكيف.
    - إتباع أساليب الري السليم والصحيح، الذي يعتمد على طرق تقنية حديثة، مثل الري بالتنقيط والرش والرذاذ وغيرها، مما يؤدي إلى توفير الماء والجهد، فالري بالتنقيط مثلا يؤدي إلى خفض كمية المياه المستخدمة بنسبة تتراوح بين 25 – 85 %، بعكس الري بالطرق التقليدية التي تؤدي إلى استنزاف المياه السطحية والجوفية وخفض القدرة الإنتاجية للتربة وربما تعرضها للتملح أو التصحر أو التلوث.
    - تحديد حاجة الفرد الدنيا من المياه.
    - إعادة استخدام المياه المستعملة في الصناعة أو الزراعة أو الصرف الصحي بعد معالجتها وتخليصها من الملوثات المختلفة التي لحقت بها.
    - عقد الاتفاقات الدولية، التي تنظم أساليب استخدام المياه المشتركة بين الدول وتطبيقها، والاستفادة منها في المجالات المختلفة كالشرب والصيد والري والملاحة، بشكل عادل وعقلاني ضمن إطار الشرعية الدولية.
    - تحلية مياه البحر، يمكن اللجوء إلى تحلية مياه البحر لتأمين إمدادات كافية من المياه اللازمة للشرب بشكل خاص، التي تساعد في دفع التطور الحضري والاقتصادي قدما إلى الأمام، كما هو الحال في دول الخليج العربي التي أقامت عدداً كبيراً من محطات التحلية.
    أخيراً يمكن القول: إن مسألة توفير المياه الصالحة للشرب والاستخدامات الأخرى أصبحت من التحديات الرئيسة التي تواجه سكان العالم في الريف والمدن، وشبح شح المياه وتلوثها يهدد البشرية جمعاء، ولكن الشعوب الفقيرة هي أكثر من يتأثر بنقص المياه وتلوثها، ويجب إتباع كافة السبل والوسائل الممكنة من أجل حماية المياه من الهدر والتلوث.
    9-8- دور الجغرافية في حماية الموارد المائية وترشيد استغلالها:
    تعكف الجغرافية على دراسة المياه دراسة شمولية متكاملة، حيث تدرس الغلاف المائي كله، وتوزع المياه وكميتها المالحة والعذبة، واحتياطي المياه ومدى كفايتها، ودراسة التوازن المائي، ومصادر المياه والدورة المائية - الكبرى والصغرى - ومعرفة أي تغير تتعرض له هذه الدورة، وارتباطها بكافة عناصر الغلاف الجغرافي (Geosphere) وانعكاس ذلك على الدورات الطبيعية الأخرى، وبالتالي على جميع مظاهر الحياة، والجغرافية تسهم في دراسة العلاقة المعقدة بين الغلاف المائي و مختلف عناصر الوسط المحيط، الحية والجامدة، ومدى تأثير الإنسان في الدورة المائية من خلال عمليات الري المختلفة، وتحويل مجاري الأنهار وبناء السدود والخزانات المائية الضخمة وغير ذلك، وتسهم في دراسة الأحواض المائية النهرية بما في ذلك تلك الأحواض المشتركة بين الدول وحل النزاعات المتعلقة بذلك، وتدرس العلاقة بين توزع المياه وتوزع السكان، وضمان الإدارة المتكاملة للأراضي والمياه.
    وتقوم الجغرافية بدراسة العوامل الجغرافية الطبيعية والبشرية المعاصرة، التي أدت إلى حدوث تغير في النظام الجغرافي للأحواض النهرية، وحدوث جفاف دائم، أو مؤقت للأنهار الكبيرة أو الصغيرة أو فروعها أو البحيرات في أي مكان من العالم، ودراسة سبل وطرائق تأهيل هذه المصادر المائية وإعادتها إلى وضعها الطبيعي. كجفاف بحر آرال في آسيا الوسطى، حيث يعد من الأمثلة الواضحة لحدوث خللٍ بيئيٍ بلغ حد الكارثة، والسبب في ذلك الاستخدام غير الصحيح لمياه نهري سرداريا وأموداريا مما أدى إلى تناقص ثم انعدام المياه التي تغذي هذا البحر.
    وكذلك دراسة تغير مستوى البحر الميت وأثر العوامل الطبيعية والبشرية في التغيرات الإيكولوجية التي يتعرض لها هذا البحر، كتناقص مساحته من 1000 كم2 إلى نحو 700 كم2 خلال فترة قصيرة، وكذلك دراسة التأثيرات والعواقب البيئية السلبية التي يمكن أن تحدث من جراء تنفيذ أي من المشاريع المقترحة لوصل البحر الميت بالبحر المتوسط أو البحر الأحمر. وقس على ذلك في سورية حيث تعرضت الكثير من الأنهار كنهر بردى وبحيرتي العتيبة والهيجانة، ونهر قويق وغيره، إلى جفاف دائم أو مؤقت، وإلى خلل بارز في التوازن البيئي لهذه المصادر المائية.
    ويظهر دور الجغرافيين الجلي على سبيل المثال، في حماية الطبيعة بشكل عام والمياه بشكل خاص عندما تم الأخذ برأيهم عام 1986 في الاتحاد السوفييتي (السابق)، في وقف عملية تحويل مجارى الأنهار من المناطق الشمالية إلى المناطق الجنوبية، بحيث ترك القرار النهائي للجغرافيين في هذا الشأن.
    إن الأنهار الصغيرة دائمة الجريان تتراوح أطوالها عادة من بضعة كيلو مترات إلى بضعة عشرات الكيلومترات، ومساحة حوض كل منها لا تتجاوز 2000 كم2، وهذه الأنهار هي من أكثر الأشكال المائية انتشاراً على سطح اليابسة، وهي تغطي مساحات واسعة من الجبال والهضاب والسهول، ومعظم الأنهار الصغيرة تشكل الجزء العلوي في نظام الجريان النهري، وهي بهذا تشكل الأساس في البيوسينوز( ).
    وتعد الأنهار الصغيرة من الموارد الطبيعية الهامة، و لها دور حاسم في تطور النظام الجغرافي (الطبيعي والاجتماعي) وتوازنه، وعلى ضفاف الأنهار الصغيرة عاش في الماضي ويعيش الآن أكبر عدد من السكان سواءً في الريف أو في المدن، وهؤلاء من أقدم العصور يستخدمون مياهها لتأمين حاجاتهم من مياه الشرب والغسيل والسقاية والاستجمام والسباحة والصيد والاستخدامات الأخرى.
    إن الأنهار الصغيرة من العوامل المهمة المؤثرة في عمليات انجراف التربة ونقل الطمي والرسوبيات، وهي تؤثر وتتأثر بالعوامل المناخية والبيولوجية والجيولوجية والجيومورفولوجية وغيرها، ولها دور مهم في حياة كل إنسان وكل مجتمع وفي حياة الكثير من الكائنات الحية، وهي تؤثر في المنظومة البيئية عامة، لذلك فليس من قبيل المصادفة أن تلقى المشكلات التي تعاني منها هذه الأنهار كالاستنزاف والجفاف والتلوث المزيد من الاهتمام من قبل قطاع واسع جدا من السكان العاديين ومن العلماء والمختصين بما في ذلك الجغرافيين.






    الفصل العاشر
    التلوث الفيزيائي (البارامتري)

    - التلوث الفيزيائي شكل من أشكال التلوث البيئي
    - أنواع التلوث الفيزيائي
    - التلوث الضوضائي (تعريفه - مستوياته - مصادره)
    - الآثار الناتجة عن الضوضاء
    - الإجراءات التي يمكن اتباعها للحد من الضوضاء
    - التلوث الإشعاعي
    - التلوث الكهرومغناطيسي
    - التلوث الحراري
    - التلوث الضوئي
    - التلوث الداخلي


    10- التلوث الفيزيائي (البارامتري)
    10-1- التلوث الفيزيائي شكل من أشكال التلوث البيئي:
    يعد التلوث الفيزيائي من أهم عوامل التأثير الضار في البيئة وفي الحضارة المعاصرة، وهو نتاج تقني (بشري) بالدرجة الأولى، ويرتبط بتغير (بارامتر) القيم الفيزيائية (الطبيعية) المعتادة في البيئة، كالتغير الراديوي والإشعاعي والحراري والضوئي والكهرومغناطيسي والضوضائي، وزيادة تركيز هذه القيم الفيزيائية عن معدلها الطبيعي المسموح به، والذي تأقلمت معه مختلف الكائنات الحية.
    وفي هذا العصر أصبح الإنسان يعاني من بعض أو كل أشكال التلوث الفيزيائي في كل مكان وزمان، وأصبح مرغماَ شاء أو أبى بالتعرض لهذا التلوث، وخطر التلوث الفيزيائي على الإنسان لا يقل عن خطر تلوث الهواء أو الماء أو التربة، ولأنه وبحسب تعريف منظمة الصحة العالمية فإن الصحة السليمة، تعني التلاؤم بين جسم الإنسان وبيئته بحيث تؤدي كل أعضائه وأجهزته وظائفها بكفاية وبانسجام تام مع هذه البيئة( ).
    كما أن الصحة تشمل أيضا، النواحي الفيزيولوجية، والاجتماعية، والروحية، وعندما يؤثر التلوث الفيزيائي بأشكاله المختلفة، سلبا في أي ناحية من هذه النواحي، فإنه يصبح خطراً على البيئة وعناصرها، وعلى حياة الإنسان الذي يعد أهم عنصر من عناصر البيئة، لكل هذا يعتبر التلوث الفيزيائي بمختلف أنواعه شكلاً من أشكال التلوث البيئي بشكل عام.
    10-2 - أنواع التلوث الفيزيائي:
    10-2-1- التلوث الضوضائي (الصوتي - الضجيج):
    10-2-1-1- تعريف الضوضاء أو الضجيج:
    أصبح الضجيج السمة المميزة للعصر الحاضر، إذ يصادفه الإنسان أينما كان وعلى مدار الساعة، حيث يرافق الإنسان في نومه وقومه وعلى مدار الساعة، وطبعاً يجب التمييز بين الصوت وبين الضجيج، والشكل (29) يبين شدة الضوضاء وبعض الأصوات المعروفة، وتحديد المسموح وغير المسموح منها.
    ويمكن تعريف الضوضاء بأنها شكل من أشكال التلوث الفيزيائي (البارامتري)، وهي أصوات متداخلة غير متناسقة وغير مرغوب فيها تسبب ضررا وإزعاجا لمن يتعرض لها، وهي تقاس بوحدة قياس عالمية تسمى ديسبل) db)، وتقاس بأجهزة قياس خاصة، منها جهاز الصونومتر.
    10-2-1-2- مستويات الضوضاء وتأثير كل منها:
    تم التمييز بين عدة مستويات من الضوضاء بحسب علاقتها بالسمع وتأثيرها في الإنسان، وقد ميز غاديك بين أربعة مستويات للضوضاء المؤثرة في الإنسان وهي:
    1- ضوضاء شدتها من 40 - 50 ديسبل، وهي تؤدي إلى ردود فعل نفسية بصورة قلق وتوتر بخاصة لدى الأطفال وطلبة المدارس.
    2- ضوضاء شدتها 60- 80 ديسبل، ولها تأثيرات سيئة في الجملة العصبية.
    3- ضوضاء شدتها 90 - 110 ديسبل، و تؤدي إلى انخفاض شدة السمع.
    4- ضوضاء شدتها أكثر من 120 ديسبل، وتسبب ألماً للجهاز السمعي وانعكاسات خطيرة على الجهاز القلبي الوعائي( ).
    10 - 2 - 1 - 3 - مصادر الضوضاء وتشمل:
    1- ضوضاء وسائل النقل ومنها:
    أ - ضوضاء وسائل النقل البرية:
    وتشمل السيارات بمختلف أنواعها العامة والخاصة، الكبيرة والصغيرة، وكذلك القطارات وعربات السكك الحديدية، والدراجات النارية وغيرها، وإذا علمنا أن عدد السيارات الخاصة والعامة في العالم يزيد حاليا عن 600 مليون سيارة أدركنا حجم الكارثة التي تعاني منها البيئة والمجتمع البشري، خاصة في المدن إذ تسبب السيارات نحو 75 % من الضوضاء في المدن، ويعاني أكثر من 60 % من سكان المدن - بالأخص في الأحياء المركزية والشوارع الرئيسية في مدن العالم الكبرى - من التأثيرات السلبية للضوضاء، لأسباب كثيرة منها القضاء على الغطاء الشجري، لأن الأشجار تشكل حاجزاً يخفف كثيرا من شدة الضوضاء كما يبين الشكل (32)، كما يقدر أن شدة الضوضاء في بعض مدن الشرق الأوسط تزيد عن 100 ديسبل، وشدة الضوضاء تتزايد بشكل مستمر، ولا توجد أدلة على تراجع أو انخفاض حدتها، بل بالعكس تزداد شدتها وانتشارها لتصل إلى المناطق الريفية والسياحية. وكذلك فإن القطارات وعربات السكك الحديدية والدراجات النارية كلها تتسبب في المزيد من الضجيج، علماً أن شدة ضوضاء وسائل النقل ترتبط بشكل عام بنوع العربة أو السيارة وعمرها ووزنها وحجمها وحمولتها ونوع الوقود المستخدم فيها وغير ذلك.

    مكونات الجهاز: 1 - ميكرفون 2 - ضبط التدرج 3 - لوحة القراءة 4 - صمام يشير إلى الاستعداد القياسي 5 - مفتاح اختيار المدى 6 - مفتاح طلب القيمة القصوى 7 - اختيار الثابت الزمني 8 - اختيار الموازنة 9 - مفتاح الانتظار 10 - مفتاح التشغيل والإيقاف 11 - علامة حالة البطارية 12 - مدخل البطارية 13 - ثقب لتثبيت الجهاز على القدم.

    ب - ضوضاء وسائل النقل الجوية:
    وتشمل ضوضاء الطائرات بمختلف أنواعها الحربية والمدنية، خاصة أثناء اختراق حاجز الصوت، وعمليات الإقلاع والهبوط في المطارات، وهذا يرتبط بنوع الطائرة ونموذجها ومستوى الطيران ومكان المطار، ونظراً إلى خطورة ذلك فإن الكثير من دول العالم حددت قوانين ناظمة لبناء المطارات، وبشكل تكون بعيدة عن المدن بمسافة تزيد عن 30 كلم، وتحيط بها أحزمة حماية محددة الاستخدامات، ويوجد فيها أجهزة لقياس شدة الضوضاء، والمشكلة المتعلقة بموقع المطارات هي توسع المدن عمرانيا كما في مدينة دمشق مثلا أو مدينة جدة وزحفهما باتجاه المطار.
    أضف إلى ذلك الضوضاء الناجمة عن إطلاق وإقلاع الصواريخ الحاملة للمركبات الفضائية والأقمار الصناعية التي قد تبلغ شدة الضوضاء الناجمة عنها 150 ديسبل.
    2- ضوضاء المنشآت الصناعية:
    تعد المنشآت الصناعية من المصادر المهمة للضوضاء، وتنجم عن عمل المحركات وحركة الآلات، وعمليات الطرق والطحن والضغط والقطع والثقب والتصادم، وأحيانا تزيد شدتها عن 100 ديسبل، وتشكل خطراً كبيراً ولاسيما على عمال هذه المنشآت، وقد تم حصر أكثر من 500 مهنة في العالم يتعرض أصحابها إلى التلوث الضوضائي.
    3- ضوضاء المنزل والجوار:
    وهي ناجمة عن الأجهزة الكهربية في المنزل، التي تغلغلت بشكل عاصف في حياة الإنسان مؤخراً، وتختلف شدة الضوضاء الناجمة عنها باختلاف أنواعها وفترة استخدامها ووعي سكان المنزل لخطورة الضوضاء الناجمة عنها، كما أن بكاء الأطفال والاحتفالات وربما المشاجرات، وعمليات الإصلاح والترميم، وحركة الناس في المحال التجارية، والباعة الجوالين، والفهم الخاطئ لمعنى الحرية داخل المنزل أوفي الجوار المحيط به.
    4- الضوضاء الخلفية (الخفية):
    وهي الضوضاء التي تصل إلى الإنسان أينما كان، ومصادرها غير محددة بدقة، ومن أنواعها:
    أ - ضوضاء الارتجاج أو الاهتزاز، ومن مصادرها وسائل النقل خاصة قطارات الأنفاق، وكذلك الأجهزة الصناعية والهندسية والكهربائية، ولها على الإنسان تأثيرات سلبية مباشرة أو غير مباشرة، واضحة أو مجهولة.
    ب - الضوضاء تحت الصوتية، أو دون السمعية، وهي الترددات الصوتية الأدنى من سماع الأذن البشرية (أي دون 20 هرتز)، ومصادرها متنوعة، إما طبيعية كالزلازل أو العواصف أو الأنواء البحرية، أو صنعية كأجهزة التكييف، ووسائل النقل، والآلات الثقيلة، وهذه الضوضاء تحت الصوتية تؤذي الجسم كله، العين والقفص الصدري، والعمود الفقري، والأذن، والأيدي والأذرع والأصابع، وتسبب الإرهاق العصبي والوهن والتعب خاصة لدى سكان المدن( ).
    ج - الضوضاء فوق الصوتية، وهي الضوضاء الناجمة عن الترددات الصوتية العالية (أكثر من 20 ألف هرتز)، ومصادرها بالدرجة الأولى الموجات فوق الصوتية المستخدمة في المجالات الطبية (الايكو، الدوبلر الخ)، أو في المجالات الصناعية، وهذه الضوضاء تؤدي إلى الإصابة بأعراض مختلفة منها الطنين والصداع والتعب والغثيان وغيره( ).
    10-2-1-4- الآثار الناتجة عن الضوضاء:
    الضوضاء ليست شرا معاصراً فقط، ولكن الإنسان ومنذ القدم كان يشتكي من الضوضاء، وقد عدها دانتي في الكوميديا الإلهية من اختراع الشيطان، وقد استخدمها الصينيون القدماء وسيلة للإعدام، واستخدمت في الحروب لإخافة الأعداء، واستخدمت من قبل النازية وإسرائيل وربما غيرهم وسيلة لتعذيب المساجين وانتزاع المعلومات منهم، ويقدر أن أكثر من (30 %) من سكان العالم، أي أكثر من ملياري نسمة يعانون من الضوضاء، خاصة سكان المدن، وأكثر من (60 %) منهم يعانون من شدة الضوضاء، خاصة المدن الكبيرة ومدن العواصم، وقد بين تقرير لوكالة حماية البيئة الأمريكية، أن المدن الأمريكية أصبحت تعاني من الضوضاء لدرجة أن الناس الذين يقطنون في المناطق المكتظة بالسكان يسمعون أسوأ مما يظنون، والكثير منهم يعانون من فقدان جزئي للسمع( ).
    والضوضاء تعطل المشاعر الحساسة والتأمل المريح، والتفكير السليم وغير ذلك، حتى إن هذه الظاهرة المزعجة قد جاءت في القرآن الكريم بالرفض والاستهجان، قال تعالى: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) (لقمان 19)، ويروى أن الرسول (ص) كان إذا عطس يخفض صوته ويغطي وجهه بثوبه أو بيده، وأنه كان يكره العطسة الشديدة في المسجد، وأدلى الفقهاء المسلمون بدلوهم في هذا المجال مما يدل على أن التربية الإسلامية كانت سباقة في معالجة هذه المشكلة( ).
    ومن الآثار المختلفة للضوضاء يمكن أن نذكر ما يلي:
    1- تأثير الضوضاء في حاسة السمع:
    تؤثر الضوضاء سلبا في حاسة السمع وهي إحدى الحواس الخمس التي ميز الله سبحانه وتعالى بها الإنسان، وبفضل السمع يصبح الإنسان كائناً اجتماعياً، لأنه بدون السمع لا يتمكن الإنسان (لاسيما الذي يولد أصماً)، من التطور الروحي والفكري، لأنه لا يملك وسيلة الاتصال السمعي بالعالم الخارجي، والضوضاء تؤثر في حاسة السمع وتؤدي بها إلى التشوش أو الضعف أو الفقدان المؤقت أو الكلي، والتأثير السلبي بالحواس الأخرى لدى الإنسان، وهذا يختلف باختلاف عدة عوامل تتعلق بالضوضاء وشدتها من جهة، وبالإنسان وعمره وحالته الصحية من جهة أخرى، لأن كل إنسان يستقبل الضوضاء بشكل مختلف باختلاف بنيته الجسدية والروحية وغير ذلك والجدول (10) يوضح تأثير الضوضاء في جهاز السمع (الأذن)( ).
    2 - تأثير الضوضاء في الحالة النفسية:
    تؤدي الضوضاء إلى تأثيرات نفسية سيئة، منها: الاكتئاب، والقلق، والتوتر، وعدم النوم، والتشنج، والغضب، واضطرابات عصبية وفكرية وغيرها، وهذا بالطبع يرتبط بشدة الضوضاء، ومصدرها، وزمن حدوثها، ومدتها، ونوع المعلومات التي تحملها، وكذلك جنس الإنسان وحالته الصحية وغير ذلك.
    الجدول (10) تأثير الضوضاء في جهاز السمع.
    التأثير على جهاز السمع نوع الصوت شدة الضوضاء(ديسبل) تسلسل
    عتبة السمع هدوء تام 0 1
    تأثير إيجابي ومحبب وشوشة، حفيف أوراق الشجر 10 2
    = = = في منزل مريح 20 3
    معدل شدة الصوت ليلا حديث هادئ 30 4
    = = = نهارا حديث عادي 40 5
    ضوضاء مرهقة حديث في مؤسسة 50 6
    = = حديث قوي 60 7
    = = ضوضاء الشارع مع حركة عادية 70 8
    = = ضوضاء جهاز المخرطة 80 9
    بداية تشوش جهاز السمع ضوضاء الاوتستراد مع حركة كثيفة 90 10
    تشوش جهاز السمع ضوضاء في أنفاق المترو أثناء مروره 100 11
    بداية تخريب جهاز السمع ضوضاء طائرة نفاثة 110 12
    بداية المرض رعد قوي، إطلاق صاروخ 120 13
    تأثير تدميري ضوضاء موسيقا كهربائية شديدة 130 14
    الإحساس بالألم ضوضاء إقلاع طائرة نفاثة 140 15
    ألم يصعب تحمله ضوضاء إقلاع طائرة نفاثة فوق صوتية 150 16

    3 - تأثير الضوضاء في الحالة الصحية:
    تؤدي الضوضاء إلى تأثيرات صحية وجسدية مختلفة منها: ارتفاع ضغط الدم، وتغير في إيقاع ضربات القلب، وحدوث تغير في حركة العين، واتساع حدقتها، وتغير في التنفس، وفي عمل المعدة والأمعاء والعضلات وفي الساعة البيولوجية (الداخلية) في الإنسان.
    وقد ثبت بأن أصوات حفيف أوراق الأشجار وتغريد الطيور وخرير مياه الجداول والشلالات وهدير البحار، والموسيقى الهادئة، تؤثر بشكل صحي وعلاجي في الجهاز العصبي، ووظائف غدد الإفراز الداخلي( ).
    4 - تأثير الضوضاء في القدرة الإنتاجية:
    الضوضاء تؤثر سلبا في كفاءة الإنسان وقدرته على العمل والأداء وتؤدي إلى الوقوع في الأخطاء وعدم القدرة على التركيز، والصعوبة في إتقان العمل وإتمامه بشكل جيد، وتدني الإنتاج، وبالتالي حدوث خسائر اقتصادية كبيرة، إن الأصوات غير المحببة أو غير المنتظرة والمفاجئة، تعرقل وتعيق إنجاز العمل بشكل جيد، وتؤدي الضوضاء المتواصلة إلى خفض القدرة الإنتاجية بمقدار يتراوح بين 20 - 60 %. وللضوضاء تأثيرات سلبية تتعلق بالتشويش أثناء الحديث العادي، أو خلال نقل المعلومات وتبادلها بين الناس، مما يؤثر سلباً في لغة التخاطب والتفاهم بين الناس. ولا شك أن للضوضاء تأثيرات سلبية أخرى كثيرة منها: القلق والتوتر والغضب والارتباك وغير ذلك.
    ه- - الإجراءات التي يمكن القيام بها للحد من التلوث الضوضائي:
    في هذا العصر لا يمكن القضاء على الضوضاء ؟؟ ولكن يمكن التخفيف من حدتها ومن آثارها السلبية على البيئة والإنسان من خلال القيام بمجموعة من الإجراءات الهندسية، والتقنية، والتنظيمية، والتربوية، والإدارية، والقانونية وغيرها.
    ومن هذه الإجراءات نذكر:
    1- تنظيم حركة المرور ومراقبة عمل وأداء المحركات في السيارات وتحسين أدائها.
    2- التخطيط العمراني والهندسي الجيد للأبنية والمنشآت المختلفة، وأخذ مسألة الضوضاء بالحسبان، بما في ذلك استخدام أو بناء حواجز الضجيج الزجاجية، أو الأسمنتية، أو المعدنية، أو المختلطة.
    3- نشر الوعي البيئي والتعريف بأخطار الضوضاء، والاستفادة من الوسائل التربوية، والإعلامية، والتثقيفية، والأنشطة المختلفة المتاحة في ذلك.
    4- توسيع الشوارع، وزيادة المساحات الخضراء.
    5- إجراءات تتعلق بالمطارات وإبعادها عن المدن وتنظيم المناطق المحيطة بها.
    6- تنظيم مواقع خاصة للمناطق الصناعية والحرف والورش الصناعية، وعزل الآلات في المعامل والمصانع وتثبيتها بالطرق الهندسية المناسبة.
    7- إصدار القوانين والتشريعات البيئية المتعلقة بالتلوث الضوضائي، وتطبيقها بشكل حازم.
    10-2-2- التلوث الإشعاعي:
    سوف نتحدث هنا عن التلوث الإشعاعي باعتباره شكلاً من أشكال التلوث الفيزيائي ناجم عن زيادة النشاط الإشعاعي في البيئة، ومصادره متنوعة وكثيرة منها(§):
    أ - التفجيرات الذرية واختبارات الأسلحة النووية.
    ب- حوادث المفاعلات النووية.
    ج- الاستخدامات الطبية والعلمية وغيرها.
    والمواد المشعة تؤثر سلبا في الإنسان وغيره من الكائنات الحية، ويرتبط تأثير المواد المشعة في الكائنات الحية بعدة عوامل منها، درجة الإشعاع، نوعية الكائن الحي، مقدرة الكائن الحي على تحمل المواد المشعة، وأخيرا المدة التي يتعرض خلالها الكائن الحي للإشعاع.
    والتلوث الإشعاعي الذي يصيب الإنسان أو غيره من الكائنات الحية، يمكن أن يحدث بسبب التماس المباشر مع المواد المشعة، أو يحدث بسبب تناول شراب أو طعام ملوث إشعاعياً، أو استنشاق الهواء الملوث إشعاعياً، ويمكن تصنيف مجموعة كبيرة من مصادر الإشعاع الذي يتعرض له الإنسان.
    وتأتي خطورة المواد المشعة، من كونها ذات صفة تراكمية، حيث تنتقل إلى الإنسان والكائنات الحية النباتية والحيوانية مع زيادة التركيز في كل مرحلة من مراحل انتقالها عبر السلسلة الغذائية، وتسبب أمراضا مختلفة منها السرطانية والمعوية والجلدية وحدوث خلل في النظام البيئي ككل.
    والتلوث الإشعاعي يؤدي إلى حدوث تغييرات بيولوجية وكيميائية في الخلايا الحية تؤثر على الأحماض النووية المسؤولة عن الانقسام الخلوي، مما يؤدي إلى تلف الخلية أو موتها، والإشعاع يكون تأثيره مباشر لمن يتعرض له، أو غير مباشر على الأجيال وهو ما يعرف بالتأثير الوراثي.
    10-2-3- التلوث الكهرومغناطيسي:
    إن الإنسان ومنذ تكونه جنينا في بطن أمه يقع تحت تأثير الإشعاع الكهرومغناطيسي الناجم عن تغير الصفات الكهرومغناطيسية في المنازل، وأماكن العمل وفي البيئة بشكل عام.
    و مصادر التلوث الكهرومغناطيسي كثيرة جدا، منها الأجهزة الكهربائية المنزلية (الجوال والتلفاز والراديو والثلاجة والمكروييف)، وغير المنزلية، والرقمية، والطبية، وأنظمة الإدارة والتوجيه الالكترونية في كثير من الأماكن، إضافة إلى خطوط نقل الطاقة، وشبكات التوتر التي تنقل الكهرباء، وشبكات الاتصالات، وشحنات الكهرباء الساكنة الخ، وجميع هذه المصادر لها ساحة كهرباء مغناطيسية.
    ويعتقد أن المجالات الكهرومغناطيسية تؤثر في عمل الخلايا الدقيقة، وتسبب عدم انتظام في التركيب البيولوجي، وتسبب عدة أمراض سرطانية وعصبية ودموية( ). ويعتقد أن المجالات الكهرومغناطيسية تسبب تشوه الأجنة، وحدوث التخلف العقلي، وربما الإصابة بالصداع والتوتر العصبي، وغير ذلك من التأثيرات المعروفة وغير المعروفة.
    ولكن من المهم جدا التنويه إلى أن الدراسات بينت أن الحقول المغناطيسية الناتجة عن الأجهزة الكهربائية تنخفض بشكل كبير كلما تم الابتعاد عن الجهاز، ويقدر أن مدى الذبذبات الكهرومغناطيسية يتراوح بين 50 هرتز في خطوط نقل الطاقة و1000 هرتز في الهاتف النقال، ويعتقد أن بعض الآلات الكهربية التي تستخدم بالتماس أو القرب من جسم الإنسان تشكل خطراً على صحته، والجدول (11) يبين مدى تغير شدة الحقل المغناطيسي، بالميكروتسلا (tµ)، وهي وحدة قياس الحقل المغناطيسيب.
    مستوى الحقل المغناطيسي (ميكروتسلا) (tµ). المسافة اسم الجهاز أو المصدر
    25 - 500 2.5 سم تلفزيون
    0.5 - 1.5 100 سم تلفزيون
    80 - 300 2.5 سم مكواة الملابس
    0.1 - 0.2 100 سم مكواة الملابس
    30 تحت الخط مباشرة خط توتر عالي
    6.5 على بعد 15 متر خط توتر عالي
    الجدول (11) يبين تغير مستوى الحقل المغناطيسي
    10-2-4- التلوث الحراري:
    التلوث الحراري بدوره شكل من أشكال التلوث الفيزيائي، والمصدر الرئيس لهذا التلوث هو حرق الوقود وخاصة في المحطات الكهروحرارية والمنشآت الصناعية ووسائل النقل، وهذه المصادر من شأنها زيادة أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وحدوث عملية الاحتباس الحراري (البصمة الكربونية)، والتلوث الحراري يؤدي إلى تغير خصائص الوسط المعيشي للكائنات الحية، ومن المعروف أن لكل كائن حي مدى حراريا معينا يستطيع فيه الحياة والنمو والتطور بشكل طبيعي، وتغير درجة حرارة الوسط بشكل كبير قد يؤدي إلى تعرض الكائنات الحية للخطر وهجرتها أو موتها، والإخلال بالتوازن البيئي.
    10-2-5- التلوث الضوئي:
    يعد الضوء من العوامل الفيزيائية المهمة للكائنات الحية، والتلوث الضوئي يحدث بسبب تغير المعدل لطبيعي المعتاد للإضاءة التي اعتادتها هذه الكائنات بما في ذلك الإنسان، ويؤثر على القدرات البصرية للإنسان، ويؤدي إلى التحسس الضوئي والتهاب العيون، ونحن نعرف أن لكل كائن حي حداً معينا مناسبا من الحرارة والضوء، وزيادة أو نقصان هذا المعدل بشكل كبير يؤدي إلى حدوث تغيرات فيزيولوجية وأضرار مختلفة في الكائن الحي، فالنباتات الصحراوية مثلا تحتاج إلى كميات كبيرة من الشمس والضوء، بينما لا تستطيع النباتات التي تعيش في الظل تحمل ذلك.
    10-3- التلوث الداخلي(§):
    التلوث الداخلي: (تلوث البيئة الداخلية - الأماكن المغلقة)
    مقدمة:
    يقضي معظم الناس فترات زمنية طويلة في بيئات مغلقة، داخل البيت أو المكتب، أو أماكن العمل أو غير ذلك، وكثيراً ما يظن البعض أن كلمة أو تعبير البيئة، تعني البيئة الطبيعية (الخارجية) فقط، وما تضمه من مراعي وغابات وأنهار وبحار وغيرها. ولكن البيئة تعني وتضم بعداً آخراً، وهو البيئة المصطنعة التي شيدها وصنعها الإنسان عبر الزمن بما في ذلك المدن والأرياف، والأبنية والمساكن والمصانع، فكل مكان هو بيئة سواءً أكانت صغيرة أو كبيرة، طبيعية، أو مصطنعة، ولكل بيئة من هذه البيئات ظروفها وخصائصها، وهي تخضع لنفس القواعد والشروط في إطار ما يسمى بالنظام البيئي (EcoSystem).

  8. #8
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1

    Thumbs up

    وفي الفترة الأخيرة تطور وتزايد اهتمام علم البيئة (Ecology)، بالبيئة البشرية، وبالأمكنة والأبنية التي يعيش ويعمل بها هؤلاء البشر، هذه الأمكنة التي أضحت تعاني من مخاطر جمة، والكثير منها أصبحت ملوثة ومريضة، تنقل التلوث والمرض لمن يعيش فيها. إن هذه الظاهرة تسمى ظاهرة المبنى المريض، وعندما يكون مبنىً ما مريضاً، تظهر على العاملين فيه عدداً من العوارض، منها التهابات في الجهاز التنفسي، وتهيج العينين، والأنف، والحنجرة، وفي الغالب شكاوى من عوارض تشبه عوارض الأنفلونزا أو حمى القش، كما يمكن أن يعاني من مشاكل أخرى أيضاً كالصداع، والغثيان، والتعب، والنظر المشوش، والحساسية الجلدية( ).
    10-3-1- تعريف التلوث الداخلي:
    التلوث الداخلي، هو التلوث الذي تتعرض له الأماكن الداخلية المغلقة، ويعني وجود مواد كيميائية، أو فيزيائية، أو بيولوجية، داخل المكان المغلق أو شبه المغلق (بناء، منزل، مكتب، قاعة محاضرات، مسرح، صالة عرض أو بيع أو غير ذلك)، أو دخول هذه المواد إلى هذا المكان من مصادر مختلفة، وبطرق وأشكال مختلفة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وتكون هذه المواد ضارة، وغير مرغوب بها، وتزيد عن الحد المسموح به عالمياً، وتؤدي إلى تغير نوعية الهواء الداخلي، وتغير بعض خصائصه ومواصفاته، مما ينعكس سلباً على صحة العاملين أو القاطنين فيه.
    إن موضوع التلوث الداخلي، أصبح من المواضيع التي تلقى اهتماماً عالمياً متزايداً وعلى كافة المستويات، خاصة في البلدان المتطورة، لاسيما أن مشكلات نوعية الهواء الداخلي ترتبط بعدة أمور منها الظروف المناخية المحيطة، والمتطلبات الاقتصادية، وإمكانيات الأفراد والمؤسسات والدول المتطورة والنامية على حد سواء.
    لقد نسي الكثيرون أو تناسوا مشكلات التلوث الداخلي وآثاره السلبية. ولم تترك ظاهرة التلوث الخارجي الشديد مجالا للناس كي يعيرون انتباها كافيا لنوعية الهواء الداخلي، وكانوا يهربون إلى بيوتهم لتجنب الهواء الخارجي الملوث والضار بالصحة، دون أن يفكروا أو يهتموا بوجود ملوثات في جوهم الداخلي، أي في بيوتهم ومكاتبهم وأماكن عملهم وغيرها، ولكن مع تزايد الاهتمام بمسألة التلوث الخارجي، ومكافحة هذا التلوث، خاصةً في البلدان المتطورة، بدأ الانتباه إلى مشاكل تلوث البيئة الداخلية، فهذه البيئة أصبحت ملوثة من مصادر مختلفة، حيث التدفئة المركزية، والتكييف الهوائي، والحد من تبادل الهواء بين الأماكن الداخلية والخارجية، وحتى إذا تم هذا التبادل فإن الهواء الخارجي غالبا ما يكون ملوثا.
    إننا نعيش اليوم في عصر يتزايد فيه الاهتمام بتلوث الهواء الداخلي، وهذا الاهتمام يعود بالدرجة الأولى إلى الأخطار الناتجة عنه على الصحة البشرية، إلا أن رؤية الخطر لا تقارن في غالب الأحيان بما هو حقيقي وواقعي.
    ففي الكثير من البلدان بخاصة النامية منها، غالبا ما تعتمد التدفئة المنزلية فيها، وكذلك الطبخ على حرق الفحم والخشب والوقود، الذي يؤدي إلى تلوث الهواء الداخلي والخارجي في آن معا، خاصة التلوث بغاز أول أكسيد الكربون، الذي يتحد مع هيموغلوبين الدم ويحل محل الأكسجين فيه، ويؤدي ذلك إلى إصابة الإنسان بأعراض مختلفة منها: الصداع والدوار والغثيان والقيء وخفقان القلب وضعف في العضلات وتشنجات وصعوبة في التنفس والشعور بالكسل وغير ذلك، وطبعاً هذا التأثير يختلف باختلاف عمر وجنس الإنسان وحالته الصحية.
    10-3-2- أسباب ومصادر التلوث الداخلي:
    إن مصادر تلوث الهواء الداخلي أصبحت كثيرة جدا، إن الأماكن المغلقة أو المزدحمة سيئة التهوية تتعرض إلى عدد من التغيرات البيئية ومنها: ارتفاع درجة الحرارة فيها، زيادة نسبة الرطوبة، زيادة تركيز البكتريا والجراثيم، زيادة حدة الروائح الكريهة وغير ذلك، وربما من المفيد التنويه بصعوبة تحديد درجة التلوث الداخلي، ودراسة مصادره وضبطه، خاصة التلوث المنزلي، لصعوبات متنوعة منها، صعوبة الدخول إلى البيوت ومعاينة ودراسة مصادر التلوث فيها ؟ ولكن بشكل عام يمكن إجمال هذه المصادر على الشكل التالي:
    1- التلوث من مصادر خارجية، ويمكن أن نطلق عليه تعبير التلوث الداخلي خارجي المنشأ، ومن مصادر هذا التلوث:
    أ - دخول الهواء المحمل بالغبار والجزيئات، ومختلف أنواع الملوثات، عبر الأبواب، والنوافذ، والشقوق وغيرها.
    ب - دخول الملوثات مع الملابس، والأحذية، والسجاد، والأثاث وغيره.
    ج - دخول الملوثات مع التموينات والأطعمة والمواد الغذائية.
    د - غاز أنابيب البوتوغاز: وهذه تسبب تلوثا خارجيا وقد يكون داخلياً، بحسب مصدره ولذلك يجب التأكد دائما من سلامة تمديدات الغاز، وأنبوبة الغاز، ومفاتيح الغاز وتوعية سكان المنزل بكيفية التعامل الصحيح معها.
    ويجب أن نشير إلى وجود أنواع من التلوث ذات مصدر خارجي وداخلي في آن معاً، وهذا يعود إلى خصائص المكان (المنزل)، وموقعه، وتصميمه، والمواد المحيطة به، أو الداخلة في بناءه الخ.. ومن هذا التلوث: التلوث بالحرير الصخري (الأسبستوس)، الذي يستخدم أحياناً لعزل أنابيب الماء، أو في صناعة السقوف والجدران والبلاط.
    وكذلك بعض العناصر والغازات المشعة، مثل غاز الرادون، الذي يمكن ان يوجد في الصخور والتربة التي يبنى عليها المنزل، ويتسرب من الشقوق والفتحات إلى داخل المنزل، وهوغاز ليس له رائحة، ولكن له نشاط إشعاعي، والحرير الصخري والرادون كلاهما يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بسرطان الرئة، وذكرت دراسات أخرى العديد من مواد التلوث الداخلي التي تعد عوامل خطر شديد لمرض سرطان الرئة وأمراض التهاب المجاري التنفسية وغير ذلك من الأمراض ومن هذه المواد الحرير الصخري والملوثات الناتجة عن احتراق الوقود مثل ثاني أكسيد الكبريت.
    2 - التلوث من مصادر داخلية:
    ومن أشكال ومصادره نذكر:
    أ- أجهزة التدفئة والتبريد المركزية والعادية:
    يوجد أدلة أكيدة على وجود مشاكل عديدة تتعلق بالتلوث الداخلي تؤدي إلى الإصابة بعدة أمراض مميتة وقاتلة في كثير من الأحيان. ومن المعروف أن الهواء بعد دخوله مكيف التبريد (الكونديشن) ينخفض محتواه من الأوزون بمقدار 300 - 500 مرة، ويؤدي إلى زيادة ترسب الكريات الحمراء في الدم بنسبة تصل إلى 87 %.( )
    ولهذا فإن الأشخاص الذين يعيشون أو يعملون لساعات طويلة في أماكن مكيفة، قد يتعرضون للإصابة بأمراض مختلفة، منها التهابات الجهاز التنفسي (بسبب فيروس المكيف)، ومنها ما يسمى بأمراض التحشد في الدول الغنية والناتجة بالدرجة الأولى عن أجهزة تبريد الهواء، ففي عام 1976 وقعت 182حالة التهاب الرئة بين عدد من الأمريكيين كانوا محتشدين لحضور مؤتمر في فندق في مدينة فيلادلفيا ومات منهم شخصا. وفيما بعد عرف سبب المرض بأنه مرض بكتيري يدعى التهاب الرئة التحشدي.
    كان مرض التهاب الرئة التحشدي أول مرض في عائلة الأمراض التحشدية التي عزلت وشخصت وقسمت حسب علم الأمصال إلى 14 مجموعة. إن التهاب الرئة التحشدي نال في الفترة الأخيرة المزيد من الاهتمام لأنه يمكن أن يكون حادا وتنتج عنه وفيات عالية بين الكهول، أو بين الذين أصيبوا سابقا ببعض الأمراض، ولأن مصدر العدوى بهذا المرض، مصدرا بيئيا لا ينتقل من شخص لآخر، وإنما بعد فترة حضانة تتراوح بين 2 - 10 أيام تظهر أعراض المرض على شكل غثيان وتقيئ وألم في البطن، أو تظهر علامات اضطراب في النظام العصبي المركزي كفقدان الذاكرة أو التشوش أو الركود الدماغي أو غير ذلك.
    ومن الأمراض التحشدية الأخرى مرض يسمى بالحمى البونتية وهي عبارة عن رد فعل تحسسي للكائن العضوي، وقد بينت الدراسات أن الموطن الطبيعي لأمراض التهاب الرئة التحشدي هو الماء الداخل إلى الأبنية عبر شبكات تمديد المياه حيث تتعايش مع العضويات الصغيرة الأخرى كالعفن والبكتيريا وغيرها وإذا كانت الشروط ملائمة لنمو البكتيريا فإنها سوف تتكاثر، ويتبع ذلك انتشارها في رذاذ الجو الداخلي مما يعرض السكان للخطر.
    ومن العوامل التي تسهم في تكاثر البكتيريا الماء الراكد في درجات حرارة مرتفعة من 20 –40 مْ، وهنا تستخدم شبكة المياه بشكل متقطع أو تغلق لفترات معينة مما يساعد على تطور ونمو طبقة حيوية رقيقة هي عبارة عن الميكروبات ومنتجاتها الجانبية التي يمكن أن تؤدي إلى أمراض ذات الرئة التحشدي كما يسمى.
    وقد أظهرت دراسة أجريت منذ نحو عشرون عاما في فنادق ومشافي إنكلترا وويلز، أن مرض ذات الرئة التحشدي واسع الانتشار إذ وجد في 53 % من الفنادق وفي 70 % من المشافي وسببه الرئيسي شبكات المياه الحارة، وقد لوحظ توافق طردي بين وجود البكتيريا وحجم البناء، كما أن أبراج التبريد في المباني التي يوجد فيها أنظمة تبريد مغلقة كانت مرتعا لهذا الميكروب العضوي.
    وقد ظهرت أمراض التهاب الرئة التحشدي في مناطق أخرى من العالم تمت ملاحظتها والتعرف إليها. وكان السبب الرئيسي فيها تلوث الجو الداخلي برذاذ الماء الذي يحوي المادة الممرضة، وقد انبثق هذا الرذاذ من الدوشات والحنفيات والنوافير وغيرها( ).
    ب - البكتيريا:
    يكون الهواء العادي عادةً نظيفاً بفعل التنقية الذاتية والدورة الجوية العامة، ولكن في بعض الحالات وخاصة في الأماكن المغلقة، فإن الهواء يحتوي على عدد من البكتريا والجراثيم والأحياء الدقيقة.
    ومن بين الأنواع المختلفة للأحياء الدقيقة التي توجد بالهواء تعتبر البكتريا في العادة هي الأكثر عدداً كما توجد جراثيم الفطريات بدرجة أكبر من الخمائر ولكن أعداد وأنواع المكيروبات الموجودة في الهواء تتوقف بدرجة كبيرة على مصادر التلوث والفرص المتاحة للخلايا والجراثيم في أن يحملها الهواء( ).
    وهذا يعني وجود مجموعة من العوامل والأسباب الممرضة التي يجب أخذها بعين الاعتبار دائما، والعمل على مكافحتها والوقاية منها، لأن خطر التلوث الداخلي في تزايد مستمر والجهل به يزيد في تفاقم هذه المشكلة وإصابة الإنسان بأمراض مختلفة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.
    ج - القوارض والحيوانات والطيور المنزلية:
    في الآونة الأخيرة نشر تقرير يقول بأن الاحتفاظ بالطيور في المنزل له علاقة بزيادة خطر الإصابة بالسرطان الرئوي، وأصبح من المعروف أن الحيوانات والطيور التي تربى في المنازل أو المزارع يمكن أن تنقل بعض أمراضها إلى الإنسان، وبعضها يعرف باسم الأمراض المشتركة (بين الحيوان والإنسان)، والقوارض خاصةً الجرذان قد تسبب الإصابة بمرض الطاعون، وهناك مشكلة أخرى جديرة بالاهتمام، ألا وهي مشكلة التحسس من ملوثات الهواء الداخلي، إذ أن اضطرابات التحسس مثل الربو هي إحدى أعم الأشكال المسببة لاعتلال الصحة والناتجة عن التعرض لملوثات الهواء الداخلي، حيث أنها تتولد من العفن والفطور والقشور المنسلخة من جلود الحيوانات وعث غبار المنازل، وكذلك غبار الخضار والعوامل الكيماوية وغيرها.
    د - الحشرات المختلفة:
    كالبعوض والذباب والبق والنمل والصراصير والسوس وغيرها، ومعظم هذه الحشرات تنتشر في مختلف مناطق العالم وخصوصا في البلاد الحارة والدافئة، وهي تنقل الأمراض والأوبئة إلى الإنسان سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومعظمها تتكاثر بسرعة مذهلة، وتسبب تلوث المنزل والطعام والشراب، وهذه الحشرات تعيش غالباً في الفراغات والشقوق، وفي القمامة والنفايات المنزلية وغيرها، خاصة في البيوت والأحياء الفقيرة التي لا تتوفر فيها النظافة أو وسائل التخلص من القمامة، وانعدام نظم الصرف الصحي الصحيحة، ولذلك من المهم العمل على نظافة هذه الأماكن الداخلية، وجعل جدرانها ملساء ونظيفة، واستخدام كافة السبل الصحيحة للقضاء على هذه الحشرات ومكافحتها.
    هـ - القمامة والفضلات:
    إن القمامة والفضلات الناتجة عن الفرد، تختلف من حيث النوع والكم من بلد إلى آخر، ومن حي إلى آخر، وحتى من شخص لآخر، تبعاً لاختلاف القوة الشرائية، وأسلوب الحياة، والوعي البيئي، وغير ذلك، وفضلات الطعام غالباًً تتراوح بن 1- 3 كغ يوميا للفرد، أما النفايات الأخرى فهي مكونة من بقايا كل من: الزجاج والمعادن والخشب والملابس وأكياس النايلون والورق وغيرها، ومقدار وخطر التلوث الداخلي الناجم عنها، يرتبط بعدة عوامل، أهمها طريقة التخلص من هذه النفايات وجمعها ومعالجتها.
    و - التدخين ودخان التبغ:
    دخان السجائر هو أحد أكبر الملوثات الداخلية وخاصة في المباني المغلقة حيث لا يتبدد الدخان، ويقدر أن دخان السجائر يحتوي أكثر من 4000 مادة أو مكون، منها الفورمالديهايد، والأمونيا، والتوليووين، وثاني أكسيد الكبريت، والفينول، ومواد سامة أخرى محدثة للسرطان، خاصة سرطان الرئة، كما أن الدخان يسبب مشكلات على صعيد التنفس، وقد يكون عاملاً من عوامل الذبحة القلبية، ويزيد من خطر إصابة الأطفال بذات الرئة والتهاب الشعب التنفسية( ).
    لقد نشرت دراسات كثيرة أرجعت الأمراض التنفسية لدى الأطفال إلى عادات التدخين لدى أهلهم، ومن المعروف أن التدخين في المنازل والأماكن المغلقة يؤدي إلى تلوث الهواء بغازات الكربون والآزوت، ويؤثر التدخين سلبا على كل من يتعرض له.
    لقد بينت الدراسات أن كيمياء الدخان الناجم عن احتراق التبغ معقدة للغاية، والتدخين في مختلف هذه المراحل يؤثر سلبا على المدخن وعلى غير المدخن الذي يتعرض للتدخين بشكل مباشر أو غير مباشر، وتوجد عدة طرائق لقياس مدى هذا التأثير في كل مكان من الأمكنة الداخلية التي تتعرض للتدخين.
    لقد توصل الكثيرين إلى استنتاجات محددة بأن التدخين متلف للصحة، ويؤدي إلى تهيج العيون، وتهيج الغشاء المخاطي، وتشنج الشعاب التنفسية، وحدوث التهاب الأذن بشكل متكرر لدى الأطفال، وحدوث أمراض عصبية وسلوكية وغيرها الكثير من الآثار السلبية.
    إن التدخين من العوامل المسببة لتصلب الشرايين، وارتفاع الضغط الشرياني، وحدوث سرطانات الرئة والمعدة والمري، وحدوث القرحة المعدية والتهاب الأمعاء، والتدخين يسبب تبقع الأسنان واصفرارها، والتأثير السلبي في الحليمات الذوقية في اللسان، ونقص الشهية إلى الطعام واضطرابها، ويضر بالمرأة الحامل المدخنة وبجنينها، وقد يؤدي إلى الإجهاض، أو ولادة أجنة مريضة أو صغيرة، أو وفاة الأطفال في الشهر الأول بعد ولادتهم، ويمتد تأثير تدخين الأم أثناء الحمل إلى طفلها بعد ولادته ويؤثر في سلوكه لاحقا كميله إلى الغضب والعصاب وغير ذلك، وبعكس ما يظن أو يتوهم البعض فإن التدخين يؤثر سلبا في الحالة النفسية والعصبية للإنسان.
    ولا ننسى أن التدخين لا يؤثر في المدخن فقط، وإنما يؤثر في المحيطين به، وهؤلاء يطلق عليهم اسم المدخنين السلبين الذين يتأثرون بالرغم منهم بالدخان والتدخين. وبالطبع فإن تدخين النارجيلة له نفس العواقب والآثار السلبية التي ذكرناها سابقاً.
    وبحسب البنك الدولي فإن نحو ثلاثة ملايين إنسان يموتون سنويا بسبب أمراض تتعلق بالتدخين، ويتوقع أن يرتفع الرقم إلى عشرة ملايين بحلول عام 2025 م، وإن استهلاك التبغ يسجل ارتفاعا في البلدان النامية، وانخفاضا في معظم الدول المتقدمة، وأن الشركات المصنعة والمصدرة للدخان هي شركات غربية، والمستوردون والمستهلكون هم من الدول النامية !!؟.
    ز - الأثاث المنزلي:
    إن الكثير من المواد الموجودة داخل المنزل، تسبب التلوث، ومنه التلوث بغاز الفورمالديهايد المنبعث من السجاد المصنع من مواد اصطناعية، ومن مواد العزل والستائر والموبيليا، وقد يصدر هذا الغاز عن التنجيد والمواد المنزلية الأخرى، وهو يسبب تهيج العيون والأنف والحنجرة، ويمكن أن يسبب السعال، والطفرة الجلدية والحساسية.
    ومن الملوثات أول اكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت والآزوت والهيدروكربونات، التي يمكن أن تسبب التسمم وربما الموت، أضف إلى ذلك المعادن الثقيلة.
    والربو مرض يبدو أنه يتزايد على نطاق واسع في العالم، ويوجد تقارير عالمية تشير إلى تضاعف حالات الربو في الأقطار الغنية والفقيرة على حد سواء، وإذا كانت أسبابها غير واضحة تماما فإن أهم هذه الأسباب هو غبار العث داخل المنازل والمكاتب.
    وعلى كل حال فإن البحث والتدقيق لمعرفة مصادر التلوث الداخلي، والآثار الناتجة عنه على صحة الإنسان والبيئة والتعريف بذلك أصبح أمر حيوي وهام لكي يتم أخذه بالحسبان أثناء تصميم المنشآت والمباني المختلفة، وحماية المنازل وأماكن العمل من هذا التلوث الداخلي وأخطاره المختلفة، لأنه لا يجوز أن يهرب الإنسان من التلوث الخارجي المحيط به والخارج عن إرادته إلى التلوث الداخلي الذي يعيش معه في منزله أو مكتبه أو مكان عمله.
    إن بخار الماء بحد ذاته لا يعد ملوثا بيئيا، ولكن التركيزات المتولدة في مكان مغلق كالمطبخ الذي يستعمل في الغاز للطبخ قد تكون صالحة لنمو عث غبار المنزل والعفن والفطريات التي يمكن في حالات عديدة أن تؤدي إلى ردود فعل تحسسي في الأجهزة التنفسية.
    لقد أشارت الدراسات الكثيرة إلى أن هناك تزايد في الأمراض التنفسية لدى الأطفال المعرضين إلى ثاني أكسيد الآزوت المتولد في البيت من أفران الغاز وحرق الوقود لأسباب أخرى، كما أن المصدر الآخر والمهم لأكاسيد الآزوت هو دخان التبغ
    ح - المواد الغذائية والتموينات:
    لا نستطيع هنا أن ننسى أن تلوث الغذاء يعد أحد أشكال التلوث الداخلي الذي يتعرض له المنزل، ومصادر هذا التلوث كثيرة ومتنوعة منها تلوث الغذاء خارج المنزل سواء أكان هذا التلوث من مصادر بشرية أو مصادر طبيعية كالتلوث بالمبيدات والمخصبات الكيميائية، والنفايات الصلبة والمشعة ومن المعادن الثقيلة وغيرها، وقد يكون هذا التلوث داخل المنزل أو المطبخ أو المطعم.
    إن الغذاء يمكن أن يتلوث من مصادر كثيرة وبأشكال مختلفة منها التلوث بالكائنات الحية الممرضة مثل بكتيريا الكوليرا والسل وبيوض ديدان الاسكاريس والديدان الشريطية، والسالمونيلة التي تسبب مرض الحمى التيفية، وكذلك يمكن أن يتلوث الغذاء بوحيدات الخلية، و جراء تحلل وتحول المواد الغذائية بوساطة الأحياء الدقيقة التي تؤدي إلى فساد هذه المواد الغذائية كفساد الحليب ومشتقاته وفساد الفواكه والأطعمة المختلفة وتناول هذه المواد الغذائية يؤدي إلى حدوث التسمم الغذائي، ولذلك يجب إتباع الأساليب الصحية في شراء وحفظ وتناول المواد الغذائية سواءً المعلبات أو الخضار والفاكهة، أو اللحوم، أو الحليب ومشتقاته، أو غير ذلك.
    ط - المنظفات والمبيدات والمواد الكيميائية:
    إن الأشخاص الأكثر عرضة لسموم المبيدات والمنظفات في المنازل أولائك الذين لا ينتبهون إلى التعليمات والتحذيرات الموجودة على العبوات، وغالباً هم من كبار السن غير المتعلمين، والخادمات، والأمهات اللواتي يتصفن باللامبالاة، إضافة إلى الأطفال، يمكن القول بأن الكثير من المواد السامة والخطرة يمكن أن توجد في المنزل لاستعمالها في مجالات مختلفة، ومنها مثلاً النشادر والصودا التي تستعمل للتنظيف، وكذلك المبيدات الحشرية التي تستخدم لمكافحة القوارض والحشرات وغيرها، وهي تحوي الكثير من المواد الكيمائية والسامة مثل الزرنيخ والسيانيد وغيره.
    وعندما يتم ابتلاع بعضا من هذه المواد، فإنها تسبب حرق الفم والمري والمعدة، وعند استنشاقها تسبب تهيج الأنف والحلق وربما العيون، وعند ملامستها قد تؤدي إلى التهابات جلدية.
    إن المنظفات الشائعة الاستعمال، عبارة عن مزيج معقد من المركبات والمواد الكيميائية التي تحوي جميعها خواص وعوامل فعالة سطحياً، وقلويات ومواد لإزالة قساوة المياه، وإزالة الصدأ، والتلوث الناتج عن استخدام هذه المنظفات يرتبط بلا شك بخصائص ونوعية المواد الداخلة في تركيب هذه المنظفات، والمنظفات تؤدي ظاهريا إلى عمل حضاري مفيد، ولكنها تؤدي من جهة أخرى إلى إحداث تلوث بيئيٍ كبير ناجم عن هذه المنظفات( ).
    ولذلك فمن الهام جداً الاستخدام السليم والصحيح والرشيد للمنظفات والمبيدات والأدوية والمساحيق وأدوات التجميل وغيرها، من حيث الكم والكيف، ووضعها في مكان مناسب في المنزل بعيدا عن متناول الأطفال وغيرهم، لكي لا تتحول إلى خطر وشر كبير، مع السعي باستمرار للعمل على استخدام مواد كاشطة بديلة ما أمكن ذلك، كالرمل الناعم، أو الخفاف والرماد البركاني بعد معالجته وتحضيره لذلك.
    ك - التلوث الكهرومغناطيسي:
    إن الإنسان ومنذ تكونه جنينا في بطن أمه يقع تحت تأثير الإشعاع الكهرومغناطيسي الناجم عن تغير الصفات الكهرومغناطيسية في المنازل وأماكن العمل وفي البيئة بشكل عام.
    و مصادر التلوث الكهرومغناطيسي كثيرة جدا، منها الأجهزة الكهربائية المنزلية وغير المنزلية: التلفاز والراديو والثلاجة والمكروييف والمكيف، وكذلك الأجهزة الرقمية والطبية وأنظمة الإدارة والتوجيه الالكترونية في كثير من الأماكن، إضافة إلى خطوط نقل الطاقة وشبكات التوتر التي تنقل الكهرباء، والجوال وشبكات الاتصالات وشحنات الكهرباء الساكنة الخ، وجميع هذه المصادر لها مساحة كهرباء مغناطيسية، ويتراوح مدى الذبذبات المستعملة في هذه الأجهزة من 50 هرتز في خطوط نقل الطاقة الكهربائية إلى 1000 ميغا هرتز تقريباً في الهاتف النقال(§).
    ويعتقد أن المجالات الكهرومغناطيسية تؤثر في عمل الخلايا والدماغ وتصيبها بالأذى والأمراض السرطانية والعصبية والدموية، وربما تسبب تشوه الأجنة أو حدوث التخلف العقلي، وغير ذلك من التأثيرات المعروفة وغير المعروفة( ).
    بل لقد ذكر في أحد المصادر أن أجهزة التلفزيون والتسجيل والفيديو وما شابهها ثبت أنها تبث غازات سامة في محيط المنزل وأجوائه، خاصةً في حالة ارتفاع درجات الحرارة، وهذا الغاز ينتمي لأسرة الديوكسين، ويشتبه في أنه يسبب السرطان لبعض مدمني مشاهدة برامجه، وقد حذر أحد العلماء الألمان المتخصصين أنه يجب على المشاهدين فتح نوافذ المنزل أثناء وبعد مشاهداتهم للبرامج المختلفة، وذلك بهدف تقليل مخاطر التنفس الناشئ عن الأبخرة السامة المنبعثة عن هذه الأجهزة، هذا بالإضافة إلى خطر الإشعاع المنبعث من هذه الأجهزة( ).
    كما أن استخدام الكمبيوتر بشكل سيئ يؤدي إلى حدوث توتر عضلي وتوتر بالعين وآلام في الظهر والرقبة وغيرذلك، ويجب اتباع لوائح السلامة والتعليمات المتبعة عند العمل على الحاسب أو غيره، في إطار ما يسمى ببيئة العمل الآمنة، وتوفير هذه البيئة والتوعية بأهميتها تعد من الاشتراطات المطلوبة من صاحب العمل، وهي حق للعامل.
    10-3-3- الإجراءات التي يمكن إتباعها لتخفيف حدة وآثار التلوث الداخلي:
    إن الإنسان سواء أكان صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى هو الضحية الأولى للتلوث الداخلي الذي يتجلى على شكل أمراض جسدية أو نفسية أو عصبية. أمام كل ذلك يتضح مدى أهمية الاهتمام بالتلوث الداخلي ومكافحة هذا التلوث وإتباع كافة الإجراءات المساعدة في ذلك، ومن هذه الإجراءات:
    1- تخطيط المدن، بشكل صحيح وصحي ومناسب، بما في ذلك وجود الشوارع الواسعة المعبدة التي تسمح بدخول الهواء والشمس، وتوفر الحدائق والملاعب بمساحات مناسبة، وكذلك الساحات، والبنية التحتية الكاملة والمناسبة بجميع عناصرها ومكوناتها....
    2- الاهتمام بالعوامل الهندسية، والصحية، والبيئية، أثناء بناء المبنى (المنزل أو المكتب) أو غيره من الأماكن المغلقة، وهذا يشمل تخطيط الموقع والأساس، والجدران، والحجرات، والحمامات والمطبخ وغيره، لأن هذه العوامل تؤثر تأثيرا كبيراً في المستوى الصحي للمكان وساكنيه.
    3- اختيار الموقع المناسب لذلك الذي يوفر معظم المتطلبات الصحية الأساسية، ويأخذ بعين الاعتبار بعض الأمور الهامة مثل اتجاه الرياح السائدة، وخصائص التهوية، والتعرض لأشعة الشمس، لأن هذه الأشعة تساعد في القضاء على الفطريات وعلى الحشرات والميكروبات والجراثيم.
    4- يجب أن يتم تعريض المكان بشكل مستمر إلى التهوية الجيدة، وخاصة تعريض المطبخ، لذلك بشكل متكرر ومناسب، واستخدام ساحبات الهواء فيه، منعا لتراكم وتركيز الغازات الناتجة عن الطبخ وحرق الوقود في المنزل ككل.
    5- استخدام مصادر طاقة نظيفة من الناحية البيئية، مثل استخدام مصادر الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والغاز، بدلا من استخدام وقود الخشب والفحم أو غيره، من مصادر الوقود المسبب للتلوث الشديد في البيئة الداخلية والخارجية على حد سواء.
    6- الاهتمام بشكل رئيسي بنظافة الغذاء، والماء المستخدم، والتأكد من صحته وسلامته، وغلي المياه التي يشك في نظافتها قبل استخدامها وخاصة في غذاء الأطفال.
    7- استخدام وحفظ المنظفات والمواد الكيميائية في المنزل بشكل صحيح.
    8- التخلص السليم من النفايات والقمامة والفضلات المنزلية، وفي ذلك حماية للجميع من التلوث الداخلي ومخاطره.
    9- مراقبة الحشرات ومكافحتها.
    10- حماية المكان من التلوث البارامتري (الكهرومغناطيسي، والإشعاعي، والحراري، والضوضاء، والضوئي وغيره).
    11- إبعاد المناطق الصناعية ومصادر التلوث المختلفة عن المناطق السكنية.

    خاتمة

    يوجد الكثير من ملوثات الهواء القاتلة، ولكن ليس من السهل تقويمها، إذ أن التعرض لها يتم بصورة عامة على مدى الكثير من السنين أو حتى العقود قبل أن تظهر أعراض المرض. ومما يزيد من صعوبة تحديدها عدم وجود التقنيات العلمية التي تسمح للمرء أن يجزم بأن هذه الملوثات ذات أخطار صحية أو أنها غير ضارة بالصحة. وهذا يعني أن هناك مجموعة متعددة من العوامل المسببة للمرض يصعب تحديدها، والتي يجب أخذها بعين الاعتبار، فعلى سبيل المثال بما أن ظهور أعراض مرض ما كسرطان الرئة مثلا يحتاج إلى وقت طويل فقد يصعب جدا الحصول على دليل كمي محسوس عن مقدار التعرض لعوامل الخطر المتنوعة.
    وهذا هو الوضع السائد فيما يتعلق بالترابط ما بين التعرض إلى دخان التبغ وسرطان الرئة. وما بين الإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين وأسباب ذلك. وتقدر الكثير من الدراسات أن الإصابة بسرطان الرئة لغير المدخنين يعود إلى التعرض لإشعاع الرادون، وهنا من المناسب الإشارة إلى وجود مشكلة تواجه محرري ومراجعي مثل هذه الأبحاث الوبائية حيث أن الرغبة الزائدة في نشر موضوعات غير موثقة يمكن أن تسبب هلعا عظيما عندما تبالغ وسائل الإعلام في طرح هذه المواضيع وتجعل الناس يخشون على سبيل المثال استهلاك القهوة أو البيرة أو التوابل أو مقبلات الطعام أو غيرها. ومن ناحية أخرى فإن عدم نشر هذه المواضيع يمكن أن يسمح بالتعرض المستمر للمواد الخطرة الناتجة عنها.




    الفصل الحادي عشر
    الأمن البيئي العربي

    - تعريف الأمن البيئي
    - تكامل الأمن البيئي العربي
    - الأمن البيئي والموارد الطبيعية
    - أشكال الأمن البيئي وأنواعه
    - مقترحات لوضع برنامج للأمن البيئي العربي



    11- الأمن البيئي العربي
    مقدمة:
    في الفترة الأخيرة تزايد الاهتمام العالمي، بمسألة الأمن البيئي، ويوجد اتفاق بين الجميع أن مسألة الأمن البيئي لا تقل أهمية عن مسألة الأمن الغذائي, أو الصحي، أو المائي، أو العسكري أو غيره، وأن العلاقة متشابكة ومتبادلة بين جميع أشكال الأمن، لأن الأمن أصبح يشكل منظومة متكاملة تشمل معظم العلاقات الدولية، هذه العلاقات التي تتعرض في كثير من الأحيان إلى التشوش والسلبية، ليس بسبب تهديد دولة من الدول لغيرها تهديداً عسكرياً، ولكن لسبب آخر، وهو سبب رئيسي وفاعل ألا وهو انعدام الأمن البيئي أو اختراق هذا الأمن البيئي بشكل أو بآخر.
    11-1- تعريف الأمن البيئي:
    الأمن البيئي مجموعة أو جملة من السلوكيات الإيجابية، التي لا تؤدي إلى حدوث تأثيرات سلبية في البيئة، يمكن أن تسبب تلوثها، أو تدهورها أو تخريب بعض مكوناتها، مما يؤدي بالنتيجة إلى اختلال في النظام البيئي المحلي أو الإقليمي أو العالمي، وبالتالي تهديد الأمن البيئي في أحد أو كل هذه الأماكن، أو انعكاسه السلبي عليها. أي أن الأمن البيئي يرتبط بالزمان والمكان، ويشمل مساحات مختلفة محلية وإقليمية وعالمية، وفترات زمنية مختلفة قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأمد.
    وعلى هذا فالأمن البيئي يعني إجمالي التأثيرات والعمليات المباشرة وغير المباشرة، التي يقوم بها الإنسان والمجتمع البشري، ولا تؤدي إلى حدوث أضرارٍ مباشرة أو غير مباشرة بالبيئة ومكوناتها، ولا تهددها بحدوث مثل هذه الأضرار في المستقبل القريب أو البعيد. والمعنى التقليدي لمفهوم الأمن بكامله - بمعنى المخاطر السياسية والعسكرية التي تهدد السيادة القومية - ينبغي أن يتسع ليتضمن الآثار المتعاظمة لإجهاد البيئة، محلياً، وقومياً، وعالمياً( ).
    11-2- الأمن البيئي العربي:
    لا يمكن فصل الأمن البيئي لأي بلدٍ أو دولةٍ عربيةٍ، عن الأمن البيئي للوطن العربي عموماً، بل والأمن البيئي العالمي، لأسباب متعددة، أهمها المشاركة في الأنظمة البيئية المائية والجوية والأرضية، وتشابه المشكلات البيئية في الوطن العربي، وتشابه مصادرها وأسبابها وطرق علاجها، و صعوبة تحقيق الأمن البيئي لكل بلدٍ عربي على انفراد، وللوطن العربي بكامله، ومن أوجه التشابه البيئي:
    - تشابه الظروف البيئية الطبيعية بين معظم البلدان العربية.
    - تشابه المشكلات البيئية التي تعاني منها البلدان العربية.
    - إن الأمن البيئي المحلي (الوطني)، والعربي (القومي)، يشكل منظومة متكاملة.
    - إن الأمن البيئي العربي يشكل جزءاً من الأمن البيئي الإقليمي، والكثير من المشكلات البيئية، لا تحل إلا في إطار مشترك، عربي - عربي، وعربي إقليمي.
    - الوطن العربي يشكل جزءاً مهماً من العالم، وله موقع جغرافي واستراتيجي وبيئي مهم، ويمكنه الإسهام في تحقيق الأمن البيئي المحلي والإقليمي والعالمي.
    - يعاني الوطن العربي من تزايد حدة بعض الأمراض المختلفة المعدية وغير المعدية، التي تدل على زيادة حدة تلوث البيئة والمشكلات البيئية وتفاقمها.
    - بعض المشكلات البيئية في الوطن العربي ناجمة عن الجهل والفقر وانخفاض مستوى الوعي البيئي، أي أنها تختلف إلى حدٍ ما عنها في البلدان المتقدمة والصناعية.
    - إن مسألة الأمن البيئي العربي سواءً القطري أو القومي، لم تلق حتى الآن الاهتمام الكافي واللازم، سواءً على المستوى الرسمي والحكومي، أو على المستوى الشعبي ومن قبل المنظمات والجمعيات الأهلية إن وجدت.
    - إن التشريعات والقوانين البيئية العربية لا تزال ضعيفة، وأحياناً غير موجودة، وإن وجدت فإنها لم تطبق على أرض الواقع.
    11-3- العلاقة بين الأمن البيئي والصراع على الموارد الطبيعية:
    لقد أصبح من المعروف للكثيرين أن مشكلات الأمن البيئي، هي سبب لمشكلات وصراعات أخرى، وفي مقدمتها الحروب، وهي في نفس الوقت نتيجةً لهذه الحروب والصراعات، والتي غالباً ما حدثت في الماضي القريب والبعيد، وتحدث الآن في كل زمان ومكان، بسبب التنافس بين القوى الاستعمارية، بهدف الحصول على الموارد الطبيعية هنا أو هناك.
    إن التدهور البيئي هو سبب ونتيجة في آنٍ معاً للنزاعات السياسية بين الدول، وكثيراً ما تكون هذه النزاعات كما ذكرنا آنفاً بسبب الصراع للاستحواذ على المواد الأولية، والموارد الطبيعية، وبخاصة غير المتجددة أو المتجددة ببطء شديد، ويرى البعض أن هذه الصراعات سوف تتزايد وتتفاقم، كلما تزايد الضغط على الموارد، و شحت، وازدادت الحاجة إليها والمنافسة عليها، والمشكلات السياسية في المنطقة كثيرة جداً وفتيل انفجارها مشتعل وجاهز دائماً.
    في مقدمة هذه المشكلات وجود إسرائيل واحتلالها لفلسطين والأراضي العربية الأخرى، وأطماعها وتهديدها الدائم للمنطقة، والمشكلات الحدودية بين بعض البلدان العربية، وبينها وبين بعض الدول المجاورة، والمشكلة الكردية، ومشكلات جنوب السودان وغربه (دارفور)، خاصة بعد الحديث عن وجود احتياطي من النفط، والمعادن، واليورانيوم هناك، ووجود صراع محتدم بين الدول والشركات الأجنبية لاستغلال تلك الثروات.
    وبحسب تقرير اللجنة العالمية للبيئة فإنه بالإضافة إلى مشكلات الفقر والظلم والإجهاد البيئي المترابطة فيما بينها، يمكن للتسابق على المواد الأولية غير المتجددة أو الأرض أو الطاقة أن يخلق توترا، فقد كان البحث عن المواد الأولية هو السبب الكامن وراء معظم أشكال التنافس بين القوى الاستعمارية وإخضاع ممتلكاتها، وتنذر الصراعات في الشرق الأوسط، لا محالة، بتدخل القوى الكبرى، واندلاع حريق عالمي لأسباب تعود في جزء منها إلى المصالح النفطية الدولية( ).
    كما أن الأطماع الواضحة بنفط الخليج العربي والرغبة الأمريكية الجامحة بوضع اليد على المنطقة كانت السبب في حدوث حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة (احتلال العراق).
    ومن المعروف أن هذه الحروب أدت وتؤدي وستؤدي، إلى حدوث مشكلات معقدة سياسية واجتماعية وعسكرية، وكلها تسبب اختلال البيئة والأنظمة البيئية، وفقدان التوازن والاستقرار البيئي، وتهدد بالنتيجة الأمن البيئي الوطني والقومي والإقليمي والعالمي.
    11-4- أشكال الأمن البيئي وأنواعه:
    11-4-1 - الأمن البيئي النووي:
    إن أخطر ما يواجه الأمن البيئي هو الحروب بشكل عام، ولكن الأخطر منها هو احتمال نشوب حرب، أو نزاع عسكري تستخدم فيه أسلحة الدمار الشامل النووية أو الكيميائية أو الجرثومية أو غيرها، وما يترتب على ذلك من آثار خطيرة وتدميرية على البيئة بكل عناصرها بما في ذلك الإنسان، سواءً بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، لأن الطاقة التدميرية لقنبلة ذرية واحدة أو عدة قنابل، يمكن أن تسبب حدوث ما يسمى بالشتاء النووي، وما ينجم عنه من آثار كارثية على الكائنات الحية التي قد يتسنى لها البقاء على قيد الحياة، وآثار كارثية أيضاً على الموارد اللازمة لاستمرار أو بقاء هذه الحياة كالزراعة أو المياه أو الهواء أو غيره، لدرجة أنه في الحرب النووية لا يوجد غالبٍ ومغلوب، وإنما الجميع مهزومون ومغلوبون على أمرهم.
    وليست الحرب النووية وحدها هي التي تهدد الأمن البيئي، ولكن المصادر النووية التي تهدد الأمن البيئي كثيرة ومتعددة ومنها:
    1 - الأسلحة النووية الموجودة في بعض دول العالم.
    2 - التفجيرات الذرية واختبارات الأسلحة النووية.
    3 - حوادث المفاعلات النووية، التي تحدث لأسباب مختلفة.
    4 - الأخطاء التقنية التي يمكن أن تحدث من جراء الاستخدامات العلمية للمواد النووية.
    من المعروف أن عصر الذرة بدأ منذ عام 1945، عندما ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، وأدى ذلك إلى مقتل نحو 125 ألف شخص، وما زالت نتائج ذلك وآثاره مستمرة إلى هذه الأيام، واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً السيطرة التامة على الوكالة الدولية للطاقة النووية المنبثقة عن منظمة الأمم المتحدة.
    ومع نهاية الحرب الكونية الثانية قامت الكثير من دول العالم بإنتاج الأسلحة الذرية وتطويرها، ويوجد في العالم حالياً عشرات الآلاف من القنابل والرؤوس النووية، سواءً تلك التي تملكها الدول النووية المعترف بها، وهي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين)، أو تلك التي تملكها بعض الدول غير المعترف بها كقوة نووية مثل الهند وباكستان وإسرائيل وكوريا وجمهورية جنوب أفريقيا والأرجنتين وغيرها من الدول الراغبة في دخول النادي النووي.
    وأكثر ما يهدد الأمن البيئي العربي امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، ووجود مفاعلات نووية فيها غير خاضعة للمراقبة والتفتيش الدولي (مفاعل ديمونة، ومفاعل نحال سوريك)، لأن إسرائيل لم توقع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقد استطاعت إسرائيل الحصول على كميات كبيرة من اليورانيوم والبلوتونيوم تكفي لصناعة أكثر من 400 قنبلة نووية، وتم ذلك بمساعدة أجهزة الاستخبارات والحكومات الأمريكية والغربية التي أغمضت عيونها عن ذلك، في حين تآمرت جميعها وساعدت إسرائيل في قصف المفاعل النووي العراقي وتدميره سنة 1978 م.
    ولقد اعترفت إسرائيل أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بامتلاكها للأسلحة النووية، كما جاء مثلاً في تصريح لإسحاق رابين عندما كان سفيرها في الولايات المتحدة، وتصريح رئيس الكيان الصهيوني أبراهام كاتزر في عام 1974( ). وكذلك تصريح رئيس الوزراء إيهود أولمرت عام 2007م، كما أن إسرائيل استخدمت وتستخدم في حروبها ضد العرب مختلف الأسلحة بما في ذلك تلك الأسلحة المحرمة دولياً، كما حدث في حربها على لبنان في تموز (يوليو) 2006 م، حيث ألقت أكثر من مليون من القنابل العنقودية والانشطارية على جنوب لبنان، هذه القنابل التي حصدت وتحصد أرواح المئات من البشر، وكل ذلك يحدث في ظل غياب الردع الدولي، وعدم تطبيق الاتفاقات الدولية ذات الصلة.
    إن خطر الذرة ليست مقتصرة فقط على قيام حرب نووية، أو استخدام الأسلحة النووية، ولكن خطرها يتمثل أيضاً في احتمال حدوث أخطاء تقنية معينة، تتعرض لها المفاعلات أو مراكز الأبحاث النووية، أو التعرض لأية أعمال إرهابية، أو غير ذلك مما قد يؤدي إلى إفلات الذرة من عقالها في هذه المراكز أو المحطات، وما ينجم عن ذلك من تهديدٍ للأمن البيئي الإقليمي والعالمي.
    11 - 4 - 2 - الأمن البيئي المائي:
    كنت قد تحدثت سابقاً (في الفصل التاسع)، عن المشكلة المائية في الوطن العربي، وبينت باختصار بعض جوانب هذه المشكلة الخطيرة والمتفاقمة يوما بعد يوم، لأسباب كثيرة أهمها تزايد الطلب على مصادر المياه، و تزايد أعداد السكان، وتلوث المياه، والجفاف، والظروف المناخية القاسية، حيث أن 80 % من مساحة الوطن العربي تقع في المناطق الجافة وشبه الجافة، وهي لا تتلقى أكثر من 200 - 300 ملم / سنة.
    ناهيك عما تقوم به إسرائيل من سرقة للمياه العربية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الجولان وجنوب لبنان.
    لقد زاد استهلاك الكيان الصهيوني من الماء من 350 مليون م3، عند قيام إسرائيل سنة 1949 م، إلى 2300 مليون م3 عام 1997 م، أي بزيادة (560) % في السنة، ويقدر نصيب المستوطن اليهودي من المياه بنحو 1350 م3سنوياً، مقابل 26 م3 في السنة فقط للمواطن الفلسطيني، أي أن نصيب المستوطن اليهودي يزيد عن نصيب 51 فلسطينياً، كما أن كمية المياه التي تغتصبها إسرائيل من سوريا ولبنان والأردن تبلغ نحو 1200 مليون م3، أي ما يعادل 60 % من إجمالي مياهها( ).
    وتوجد مشاريع ومخططات إسرائيلية كثيرة قديمة وجديدة ومستمرة لسرقة مياه نهر النيل، ونهر الأردن ونهر اليرموك، ونهر الليطاني، ومياه جبل الشيخ وحرمون وجنوب لبنان بالكامل، وتعتبر إسرائيل أن وجودها ومصيرها يتوقف على قدرتها في حسم معركة المياه مع العرب لصالحها.
    إن مشكلة المياه في الأردن مشكلة عويصة، ومصر سوف تعاني مشكلات مائية لا حصر لها مع دول حوض النيل، والسعودية تعاني من محدودية المصادر المائية، وقد تناقص نصيب الفرد من المياه، من 537 م3 عام 1960 إلى 186 م3 عام 2000، ومن المتوقع في ظل الظروف التي تعيشها المملكة أن يصل نصيب الفرد من المياه عام 2025 م إلى 49 م3.( )
    هذا ويقدر إجمالي الموارد المائية المتجددة المتاحة في الوطن العربي بنحو 340 مليار متر مكعب في السنة، وتتجدد هذه الموارد المائية بفعل الأمطار التي تهطل بشكل مختلف من منطقة إلى أخرى وبشكلٍ غير منتظم، ويقدر أن كمية المياه اللازمة لتلبية احتياجات الوطن العربي من المياه تبلغ نحو 500 مليار م3/ السنة.
    إن الأمن المائي العربي، يعني أن تكون مصادر المياه المتوفرة نظيفة ومحمية وصالحة للاستخدامات المختلفة، وهذه المصادر تشمل فيما تشمل، المياه الجوفية، ومياه الأنهار الصغيرة والكبيرة، ومياه الينابيع والعيون المائية، ومياه البحيرات الموجودة ضمن الوطن العربي، وكذلك مياه البحار والمحيطات المجاورة، أي أنها تشمل أنهار المغرب العربي، وتشمل نهر النيل، ونهري دجلة والفرات، والأنهار الأخرى في بلاد الشام، ومياه الخليج العربي، والبحر الأحمر، وبحر العرب، والبحر المتوسط، وأي مصدر أو مسطح مائي له علاقة بالأمن المائي العربي، وسوف نشرح بعض الأمثلة عن هذه المصادر ومنها:
    أ - تهديد الأمن البيئي في الخليج العربي:
    يعد الخليج العربي من أكثر المناطق البحرية في العالم عرضة للتلوث، حيث تزيد نسبة التلوث فيه أكثر من أربعين مرة، عنها في أي منطقة مماثلة له على سطح الأرض، والسبب في ذلك أنه خليج شبه مغلق، وكثرة آبار البترول المغمورة تحت مياهه، إضافة إلى العدد الهائل من ناقلات البترول التي ترتاده باستمرار سنوياً، كما أنه كان ساحة لعدة حروب في المنطقة( ).
    إن الخليج العربي يتصل ببحر العرب والمحيط الهندي عبر مضيق هرمز بعرض نحو 56 كم، والحركة التبادلية الأفقية لمياهه بطيئة، وتبلغ بين3- 6 سنوات، وكذلك حال الحركة التبادلية الرأسية لمياهه فهي بطيئة أيضاً، والخليج العربي أشبه ببحيرةٍ بترولية، تقع على شواطئه شرقاً وغرباً مناطق إنتاج البترول ومعامل تكريره، وموانئ شحنه، وقد أدى ذلك إلى كثافة الملوثات البترولية في الخليج وخاصةً على شواطئه مما يؤثر على مصائد الأسماك ومكامن المحار واللؤلؤ( ).
    كما أن الخليج العربي يعاني من مصادر أخرى كثيرة للتلوث، منها ما يلقى فيه من مخلفات الصرف الصحي البشري من التجمعات البشرية والمدن الواقعة على شواطئه، وكذلك الصرف الصحي الصناعي من المعامل المختلفة، إن هذا الوضع الجغرافي المورفولوجي والبيئي، يؤدي إلى زيادة شدة التلوث، وزيادة حدة الآثار السلبية الناتجة عنه، وانعكاس ذلك بشكل سلبي على الأمن المائي العربي.
    ب - الأمن البيئي المائي في البحر الأحمر:
    يشكل البحر الأحمر حوضاً طولياً ضيقاً يفصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، بطول نحو 2000كم، وعرض وسطي نحو 300 كم، ويعد البحر الأحمر بحراً داخلياً شبه مغلق، تقل فيه المؤثرات المحيطية، وحركة الأمواج والتيارات البحرية، ويتحكم بذلك مضيق باب المندب في الجنوب، وخليج العقبة وقناة السويس في الشمال، وهو من أكثر بحار العالم ارتفاعاً في درجة الملوحة، لضعف تجدد مياهه، وعدم وجود أنهار تصب فيه، وارتفاع معدل تبخر مياهه.
    والبحر الأحمر يتعرض للكثير من أشكال التلوث ومن مصادر مختلفة، منها المصادر الصناعية، ومحطات الطاقة، والتلوث بالنفط، والتلوث بالصرف الصحي وغيره، من معظم المصانع والمدن والتجمعات البشرية الكثيرة المنتشرة على جانبي البحر، والتي تعد بالعشرات، ومنها على الساحل الشرقي (العقبة، إيلات، ضبا، الوجه، أملج، ينبع، رابغ، جدة، القنفذة، نجران، زبيد، الحديدة، مخا)، وعلى الساحل الغربي (السويس، الغردقة، سفاجة، سواكن، بور سودان، مصوع، عصب وغيرها)، إضافة إلى التلوث النفطي الناجم عن عمليات نقل النفط وتكريره، وتسربه من الناقلات أو المعامل أو غيرها، أضف إلى ذلك تلوث البحر الأحمر بالمواد والمخلفات العضوية وغير العضوية والنفايات الصلبة المختلفة.
    جميع هذه الملوثات وغيرها الكثير تجعل الأمن البيئي المائي للبحر الأحمر في وضع سيّئ، ومهدد، ويهدد بدوره كافة أشكال الحياة البشرية والحيوانية والسمكية والنباتية في هذا البحر وعلى شواطئه، ويهدد التوازن والاستقرار البيئي في هذه المنطقة من العالم.
    ج - الأمن البيئي المائي في البحر المتوسط:
    البحر المتوسط أشبه ببحيرة داخلية تطل عليه 16 دولة، تنتمي إلى ثلاث قارات، هي آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويعد من أكثر بحار العالم تلوثاً، والبعض يرى أن البحر المتوسط دخل مرحلة الاحتضار، بينما يرى البعض الآخر أنه صار بحراً ميتاً من الناحية البيولوجية، بسبب الكم الهائل من الملوثات التي تنتهي إليه من مصادرٍ مختلفةٍ طبيعية وبشريةٍ، صناعية وزراعية وتجارية، فعبره يتم نقل أكثر من 30 % من البترول العالمي المنقول في ناقلات النفط العملاقة، وعلى شواطئه يوجد أكثر من 120 مدينة ساحلية تنتهي مجاري الصرف الصحي منها إلى البحر دون معالجة تذكر، ويوجد على شواطئ المتوسط أكثر من 200 ألف مصنع ومعمل 90 % منها في أوروبا( ). ويتوقع أن استخدام المناطق الساحلية بشكل عام للسكن والصناعة والسياحة سوف يتسارع ويتزايد معه التأثير السلبي في الأنظمة البيئية والأمن البيئي.
    ومياه الأنهار تحمل الملوثات إليه من كل حدب وصوب، من أوروبا وأفريقيا وآسيا، ولا تتجاوز مسؤولية البلدان العربية أكثر من نحو 15 % من الملوثات التي تنتهي في البحر المتوسط، والباقي من البلدان الأخرى، ومع ذلك فإن التيارات البحرية تتحرك من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق وتحمل معها الملوثات إلى هذه الشواطئ العربية !.
    جميع هذه الملوثات، وهذا الوضع بمجمله يهدد الأمن المائي للبحر المتوسط، ويهدد الأمن البيئي العربي خاصة للدول العربية على شواطئه.
    ويزيد في خطر تلوث البحر المتوسط، الوضع الهيدرولوجي والمورفولوجي والبيولوجي لهذا البحر، والمتعلق بضعف تجدد مياهه، فهو يتصل بالمحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق بعرض يبلغ نحو 26 كم فقط، ويتصل بالبحر الأسود عبر مضيقي البسفور والدردنيل، ومع البحر الأحمر عبر قناة السويس، ودورة تجدد مياه البحر المتوسط تستغرق نحو 80 سنة.
    د - نهر الفرات والأمن المائي:
    إذا كانت عشر دول تشترك في حوض نهر النيل، فإن ثلاث دول فقط تشترك في حوض نهر الفرات، وهي تركيا وسوريا والعراق، ومع ذلك فإن الوضع المائي لهذا النهر يعاني من مشكلات بيئيةٍ جمةٍ، خاصةً بسبب المشاريع المائية الكثيرة، التي أقامتها أو تنوي إقامتها تركيا على النهر، والبالغة نحو 14 مشروعاً مائياً، أهمها سد أتاتورك الذي يأتي في المرتبة الرابعة من حيث الحجم بين سدود العالم، إضافة إلى سد كيبان، وسد قره إيه، ومشروع الكاب (CAP)، وبالطبع فإن تنفيذ هذه المشاريع يعني ببساطة خفض كمية صبيب النهر، وتناقص حصة كل من سوريا والعراق من مياه النهر، إضافة إلى ما يمكن أن يتعرض له النهر من تلوث بمخلفات الصرف الصحي والنفايات المختلفة، مما يهدد الأمن المائي العربي خاصةً في سوريا والعراق.
    11-4-3- الأمن البيئي الجوي:
    من حق سكان الوطن العربي التمتع بأجواء نظيفة، وهواء نظيف غير ضارٍ بصحة الإنسان، ويحوي كمية كافية من الأكسجين المساعدة على تحقيق دورة دموية وبالتالي دورة حياتية صحيحة لكل مواطن، وهذا يعني أن يحصل على حقوقه البيئية إلى جانب الحقوق الأخرى، لكي يستطيع القيام بواجبه في بناء أسرته ووطنه الصغير والكبير.
    إن الهواء الجوي والغلاف الغازي فوق الوطن العربي بكامله، وفوق أماكن محددة منه، خاصةً فوق المدن والمناطق الصناعية، يعد هواءً ملوثاً، ومصادر هذا التلوث كثيرة ومتنوعة منها من خارج الوطن العربي، ومنها من داخله،

  9. #9
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1

    وأهم هذه المصادر احتراق الوقود في المنشآت المختلفة، وما ينجم عن ذلك من تلوث بمختلف الغازات والملوثات وفي مقدمها غازات أول وثاني أكسيد الكربون، والكبريت والآزوت والمعادن الثقيلة وغيرها.
    وفي الواقع فإن معدلات التلوث الجوي، والآثار البيئية الناتجة عنه لم تلق الاهتمام الكافي ولم تدرس بشكل علمي مناسب، وهي بالتأكيد تهدد الأمن البيئي العربي، ويعاني الكثير من المواطنين العرب من أمراض مختلفة ناتجة عن التلوث الجوي، كما تعاني النباتات والحيوانات ومختلف الكائنات الحية، وحتى العناصر غير الحية كالآثار والمتاحف والأبنية وغيرها من هذا التلوث، مما يؤدي إلى انعكاسات وخسائر بيئية واقتصادية واجتماعية وتاريخية وأمنية في حاضر الأمة ومستقبلها.
    11-4-4- الأمن البيئي الصحي:
    إن العلاقة بين الأمن البيئي والأمن الصحي، علاقة أكيدة ومترابطة كما أظهرت الكثير من البحوث والدراسات في مختلف الفروع العلمية، إذا كانت البيئة في أحد تعريفاتها تعني الإنسان وكل ما يحيط به من عناصر حية، وعناصر غير حية (جامدة)، أي أن الإنسان يعد أحد أهم العوامل البيئية، وفي سلامته وسلامة صحته سلامة للبيئة وصحتها والعكس صحيح بكل معنى الكلمة، والصحة هي أهم ما يملكه الإنسان، وكما ذكرنا في فصل سابق فهي ترتبط بأمور وعوامل كثيرة طبيعية وبشرية، كنظافة الماء والهواء والغذاء، وسلامة الدواء والأمن الدوائي، ويتعرض الأمن البيئي الصحي لأخطارٍ مختلفة، بسبب انتشار الأمراض الوبائية والمعدية التي يمكن أن تنتقل وتنتشر بطرق وأشكال ولأسباب مختلفة، كما حدث مع دواء الثالوميد الذي أدى إلى ولادة أطفال مشوهين(أطفال الثالوميد)، وكذلك الأدوية القشرية(السيتروئيدات)، وأدوية الكورتوزون، والديبيرون، والكلورام فنكول، والنتراسيليكين، والباراسيتيمول، وغيرها من الأدوية الطبية التي صدرت التحذيرات العالمية بشأنها، كما أن بعض أدوات التجميل قد تسبب أمراض السرطان( ).
    كما أن الكثير من الأدوية والمواد الكيميائية التي تستخدم بكميات مختلفة ولأهداف متنوعة، لم يحسم أمرها بعد وأضرارها ومخاطرها على صحة الإنسان والأمن البيئي غير معروفة بدقة، ولكن يعتقد أنها ذات تأثير ضار لا يمكن تجاهله.
    11-5- مبادئ أولية ومقترحات لوضع برنامج للأمن البيئي العربي:
    يوجد الكثير من المبادئ والمقترحات ووجهات النظر المتعلقة بوضع برامج محددة تساعد في تحقيق الأمن البيئي الوطني والقومي وحتى العالمي وضمانه، لأن الأمن البيئي مسألة متكاملة ومن الصعب فصلها أو تجزئتها أو عزلها، إلا بمقدار ما يساعد ذلك في تنفيذ معالجة متتالية على المدى القريب والمتوسط والبعيد لتحقيق الأمن البيئي المنشود وضمانه، ومن هذه المقترحات نذكر:
    1- إنشاء أنظمة رصد ومراقبة بيئية(Monitor)، في كافة الأقطار العربية، وربطها مع أنظمة الرصد البيئي العالمي، لمعرفة كافة التغيرات البيئية التي تتعرض لها المنطقة.
    2- إنشاء بنك للمعلومات البيئية، يشتمل قاعدة بيانات بيئية، وربطه مع بنوك ومراكز المعلومات البيئية في العالم، بما يساعد في تبادل المعلومات البيئية، والاستفادة منها.
    3- الاهتمام بالعوامل والظروف البيئية المحلية، عند استيراد الأجهزة والمعدات التقنية الأجنبية، التي قد لا تكون مناسبة للظروف البيئية المحلية.
    4- إدراك العلاقة الوثيقة بين التغيرات البيئية التي تحدث في المنطقة، والتغيرات البيئية التي تحدث في البلدان المجاورة، وفي العالم، لأنها علاقة أكيدة ومتبادلة التأثير.
    5- اعتماد التخطيط البيئي، والقيام بالدراسات البيئية اللازمة، عند التخطيط لإقامة أي مشروع أو منشأة، وتقييم مدى تأثير ذلك على البيئة ومكوناتها من مختلف الجوانب، واتخاذ القرار المناسب بناءً على ذلك.
    6- الموافقة والتوقيع على الاتفاقات البيئية الإقليمية والعالمية، وإقامة تعاون بيئي حقيقي مع دول العالم، وعلاقات حسن جوار مع الدول، وتفادي النزاعات البيئية المحلية والإقليمية، وحلها بالطرق السلمية.
    7- صياغة تشريعات وأنظمة قانونية واضحة وملزمة، تنظم استغلال الموارد الطبيعية، وحمايتها، ومنع تلوثها واستنزافها، وتغريم الأشخاص أو الشركات التي لا تلتزم بذلك ومعاقبتهم.
    8- إن وضع برنامج الأمن البيئي العربي موضع التنفيذ، لا يمكن أن يتم من دون التخطيط العلمي السليم، وبإشراف المؤسسات العلمية المختصة، ورصد الميزانيات المالية اللازمة لذلك، من أجل تلافي الصعوبات الجمة التي تعترض البرنامج.
    9- تكليف لجان مختصة ومؤهلة لدراسة كل حالة من حالات الأمن البيئي العربي (دراسة كل بحر ونهر ونبع وبحيرة، ودراسة والجو والأرض وكل شيء دراسة جيوبيئية متكاملة)، وإعداد الدراسات والمقترحات المتعلقة بها، والاستمرار في هذه الدراسات بشكل دائم ومتجدد، لكي لا تكون ناقصة ومبتورة وقاصرة عن مجاراة التغيرات البيئية والعالمية المرتبطة بها، بما يكفل المحافظة على الأمن البيئي العربي وحمايته.





    قائمة المصطلحات العلمية
    مرتبة حسب حروف المعجم إنكليزي عربي

    A
    Abiote غير حية
    Abiocenose مدغمات عديمة الحياة
    Absolute Humidity الرطوبة المطلقة
    Accumulated Temperature الحرارة المتراكمة
    Acidic حمضي
    Acidification تحميض
    Acidity حموضة
    Acid Rains أمطار حمضية
    Acid Soils ترب حمضية
    Activity فعالية
    Actual Evapotranspiration التبخر النتح الفعلي
    Adiabatic Cooling التبريد الذاتي
    Adiabatic Heating التسخين الذاتي
    Advection انتقال أفقي
    Advection Fog الضباب المنتقل أفقيا
    Aerosols جزيئات (ايرزول)
    Agro -Forestry الزراعة المختلطة مع الغابات
    Air Contamination تلوث الهواء
    Air Instability عدم استقرار الهواء
    Air Mass الكتلة الهوائية
    Air Pollution تلوث الهواء
    Air Stability استقرار الهواء
    Albedo الإشعاع المنعكس (ألبيدو)
    Alkalis القلويات
    Alkaloid شبه قلوي
    Alkaline Soils ترب قلوية
    Amphibian البرمائيات
    Anaerobic Analysis تحلل لا هوائي
    Annual Range of Temperature المدى الحراري السنوي
    Anthropogenic الأنتروبوكي (التأثير البشري المفتعل)
    Aridity Index قرينة الجفاف
    Atmosphere الغلاف الغازي (الجوي)
    Atmosphere Pressure الضغط الجوي
    Aurora الشفق القطبي
    Auto ecology علم البيئة الذاتية
    Autotrophic Organisms كائنات ذاتية التغذية
    B
    Back Ground Noise الضوضاء الخلفية
    Bacteriocenose مدغم العضويات البكتيرية
    Ballast مياه التوازن (الصابورة)
    Bioclimatology علم المناخ الحيوي
    Biodegradable تفكك حيوي
    Bio eco amplitude المدى الإيكولوجي الحيوي
    Bio eco chemical cycle الدورة البيوجيوكيميائية
    Bio geo sainoze بيوجيوسينوز (الظواهر الطبيعية والحيوية)
    Biological control مراقبة بيولوجية
    Biological Desert صحراء بيولوجية
    Biomass الكتلة الحيوية
    Biomes النطاقات أو المجاميع البيئية
    Bio Oxygen Demand (B. O.D) الأكسجين الحيوي المستهلك
    Bio sainoze بيوسينوز (المحيط النشوء حيوي)
    Biosphere الغلاف الحيوي (البيوسفير)
    Biotic حيوي
    Biotic Factors العوامل الحيوية
    Birth place مكان النشوء
    C
    Caia غايا (آلهة الأرض عند اليونان القدماء)
    Canivores آكلات اللحوم
    Carb0hydrates كربوهيدرات
    Carbox Hemoglobin كاربوكس هيموغلوبين
    Carnivores آكلات اللحوم
    Centrifugal Force قوة الطرد المركزية
    Climatic Change التغير المناخي
    Climatic Oscillations تذبذبات مناخية
    Chalk and Limestone Soils ترب جيرية وكلسية
    Chemical Oxygen Demond (C.O.D) الأكسجين المستهلك كيميائيا
    Chlorophyll اليخضور (الكلوروفيل)
    Chlorofloruocarbon (C.F.C) كلوروفلوروكربون
    Climax الأوج (الذروة)
    Climatope الموقع المناخي
    Commensalisms معايشة (تعايش)
    Community جماعة
    Completion التنافس
    Condensers مكثفات
    Conditioning تكييف
    Conservation صيانة
    Consumers (Hetrotrophic) كائنات مستهلكة للغذاء
    Contaminated air هواء ملوث
    Contamination تلوث
    Continental ****f الرصيف القاري
    Contour – Strip – Ploughing الحراثة الكنتورية
    Convection الحملان أو التصعيد أو الرفع
    Convection Currents تيارات الحمل أو التصعيد
    Corrosion of ****ls تآكل المعادن
    Critical Stress الضغط الحرج
    D
    Daily Range of Temperature المدى الحراري اليومي
    Decibel (db) ديسبل (وحدة قياس شدة الضجيج)
    Decomposers كائنات مفككة
    Decomposition تفكك
    Deformation تشويه
    Deprecation اهتراء
    Desertification التصحر
    Desert Soils ترب صحراوية
    Detergents المنظفات
    Diffusion انتشار
    Diffuse ينتشر
    Dimosecology مجموعات بيئية حية
    Discomfort Index قرينة الانزعاج
    Drizzle الرذاذ
    Drought جفاف
    Dust رماد، غبار
    Dust Storm عاصفة ترابية
    E
    Edaphotope الموقع الرابي (الأديم)
    Eco – Crisis أزمة بيئية
    Ecological Amplitude المدى الإيكولوجي
    Ecological Niche العش البيئي
    Ecotope الموقع الأيكي
    Emission انبعاث
    Environmental Impact مردود بيئي (سلبي)
    Environmental Impact Assessment تقييم المردودات البيئية
    Environment Management إدارة البيئة
    Environmental Movement الحركة البيئية
    Environmental Pollution التلوث البيئي
    Environmental Security الأمن البيئي
    Erosion التعرية، النحت
    Extraust العادم
    Exosphere طبقة الإكسوسفير (في الغلاف الجوي)
    F
    Fauna العالم
    Fertility الحيواني خصوبة
    Final Sedimentation ترسيب نهائي
    Flora العالم النباتي
    FlouroCarbon الفلوروكربون
    Food Chain السلسلة الغذائية
    Food Pyramid الهرم الغذائي
    Food Web الشبكة الغذائية
    Forecast التنبؤ
    Fume دخان
    Fungicides مبيدات فطرية
    G
    Gamma Rays أشعة غاما
    Genofond احتياطي أو ذخيرة وراثية
    Geoecology الجيوإيكولوجيا (علم بيئة قشرة الأرض)
    Geosystem الجيوسيستم (النظام الجغرافي)
    Germicide مبيد جراثيم
    Global Warming الاحترار العالمي
    Green Belt الحزام الأخضر
    Green House Effect عامل البيت الزجاجي
    Green Peace حركة السلام الأخضر
    Growing Season فصل النمو
    H
    Half - Life عمر النصف
    Haze سديم
    Heat Latent الحرارة الكامنة
    Heat Balance توازن حراري
    Hemoglobin هيموغلوبين
    Herbicide مبيد أعشاب
    Herbivores آكلات الأعشاب
    Herotrophic Organisms كائنات ذاتية التغذية
    Homoeocenose مدغم العضويات الإنسانية
    Human Ecology علم البيئة البشرية
    Humidity رطوبة
    Humus دبال
    Hydrocarbons هيدروكربونات
    Hydroelectric Energy الطاقة الكهرمائية
    Hydrological Cycle الدورة المائية
    Hydrosphere الغلاف المائي
    I
    Improvement تحسين
    Indirect غير مباشر
    Industrialition تصنيع
    Infection تلوث، فساد
    Info media Age الوسائط المعلوماتية
    Infrared Radiation الأشعة تحت الحمراء
    Infrasonic تحت أو دون الصوتية
    Insecticide مبيد حشرات
    Instability عدم استقرار
    Introduction تأقلم
    Ionization التأين
    Ionosphere الطبقة المتأينة من الغلاف الجوي
    Irradiation الإشعاع
    L
    Landscape اللاندسكيب (منظر سطح الأرض)
    Lime جير، كلس
    Lime plast كلس مطفأ
    Lime water رائق الكلس
    Limit حد
    Lithosphere الليتوسفير (طبقة في الغلاف الجوي)
    Loamy sails ترب طفلية
    M
    Mammalians الثدييات
    Manufacture إنتاج، صنع
    Marine Pollution تلوث بحري
    Marine Reserve محمية بحرية
    Myeocenose مدغم العضويات الفطرية
    Mesosphere الميزوسفير (طبقة في الغلاف الجوي)
    Mesopause الميزو بوز (طبقة انتقالية في الغلاف الجوي)
    ****bolism الأيض
    Methyl mercury ميثيل الزئبق
    Micro climate المناخ الأصغري
    Mist الشابورة
    Monitor الرصد والمراقبة
    N
    National Park منتزه قومي
    Nature Reserve محمية طبيعية
    Niche العش البيئي
    Nitration النترجة
    Nitrification النترجة
    Noosphere غلاف التفكير أو الوسط العقلي
    Noxious ضار
    Nucleus نواة
    O
    Octane number الرقم الأوكتيني
    Offal نفايات أو فضلات
    Ommnivores آكلات كل شيء
    Over Fishing الصيد المفرط
    Oxidation أكسدة
    Ozonosphere طبقة الأوزون
    Ozone Depletion تآكل الأوزون
    Ozone Hole ثقب الأوزون
    P
    Palmer متماثر
    Parasitism تطفل
    Partial جزئي
    Particulates جزيئات
    Pedosphere القشرة الأرضية
    Permanent Snow Line خط الثلج الدائم
    PH (Potential Hydrogen) الرقم الهيدروجيني (معامل الحموضة)
    Photochemical Reaction تفاعلات كيمياضوئية
    Phytoplankton الطافيات النباتية
    Photosynthesise التركيب الضوئي
    Poisoning سمومية
    Pollution تلوث
    P.P.M جزء في المليون
    Precipitate راسب
    Precipitation التساقط
    Precitacidin ترسب
    Précis دقيق
    Preservation حفظ
    Preliminary treatment معالجة تمهيدية
    Priory consumers مستهلكات أولية
    Processing معالجة
    Producers كائنات منتجة
    Production إنتاج
    Protection حماية
    Provinces أقاليم أو مقاطعات
    Pulverization سحق
    Purification تنقية
    Putrefation فساد
    R
    Radiation إشعاع
    Radiation Balance التوازن الإشعاعي
    Radical أساس، جذر
    Radioactivity نشاط إشعاعي
    Radioactive isotopes النظائر المشعة
    Rain Shadow ظل المطر
    Reaction تفاعل
    Reactivity فعالية
    Reactor مفاعل
    Reforming إعادة تشكيل، إصلاح
    Refrigeration تبريد
    Regeneration تجديد
    Relative Humidity الرطوبة النسبية
    Remote Sensing استشعار عن بعد
    Renewable Resource مورد متجدد
    Resource Management إدارة الموارد
    Rem وحدة قياس الجرعة الإشعاعية الممتصة
    Replacement تفاعل
    Reptilians الزواحف
    Residual متبقي، متخلف
    Resin راتنج
    Resonance الطنين
    Result نتيجة
    Retardation إعاقة أو تأخير
    S
    Safety السلامة، الأمن
    Safety factor عامل الأمن
    Sandy Soils ترب رملية
    Sand Storm عاصفة رملية
    Saturated Air هواء مشبع
    Sedimentation ترسيب
    Selective انتقائي
    Semi Arid شبه جاف
    Sensitization حساسية
    Sensible Heat الحرارة المحسوسة
    Short – Wave Radiation الإشعاع قصير الموجة
    Sludge حمأة
    Smog اتحاد الضباب والدخان (الضبخان)
    Snow Line خط الثلج
    Snow Storm عاصفة ثلجية
    Soil profile مقطع في التربة
    Solid wastes مخلفات صلبة
    Solar Radiation الإشعاع الشمسي
    Soot سخام
    Sorption امتصاص، امتزاز
    Souring تحميض
    Specimen عينة
    Stability استقرار، ثبات
    Stable Air Mass كتلة هوائية مستقرة
    Storm عاصفة
    Stratosphere الستراتوسفير (طبقة في الغلاف الجوي)
    Stress إجهاد، جهد
    Structure بنية
    Substance مادة
    Surface سطح
    Surfactlent عامل فعال سطحيا
    Surrounding محيط، وسط
    Suspended particles جزيئات معلقة
    Suspended Solids مواد صلبة معلقة
    Sustainable Development التنمية المستديمة
    Synecology علم البيئة الاجتماعية
    T
    Tannery دباغة
    Temperature Inversion الانقلاب الحراري
    Terrestrial Radiation الإشعاع الأرضي
    Thermal Pollution التلوث الحراري
    Term حد
    Terminal نهائي
    Territorial Waters المياه الإقليمية
    Thermosphere الترموسفير (طبقة في الغلاف الجوي)
    Theory نظرية
    Tissue damage تخرب الأنسجة
    Toxicity سمية
    Trace آثار
    Transformation تحويل
    Transition انتقال
    Transparent شفافية
    Treatment معالجة
    Troposphere التروبوسفير (طبقة في الغلاف الجوي)
    Turbid عكر
    Turbidity عكارة
    U
    Ultraviolet Rays الأشعة فوق البنفسجية
    Ultra Sonic فوق صوتي
    Ultraviolet فوق بنفسجية
    Unstable غير مستقر، غير ثابت
    Unstable Air Mass كتلة هوائية غير مستقرة
    Unwanted sounds أصوات غير مرغوب بها
    Urban Climate مناخ المدينة
    Useful مفيد نافع
    V
    Vacuum فراغ
    Vaporization تبخير
    Vertilation تهوية
    Vibration اهتزاز، ارتجاج
    Volume حجم
    W
    Warm blood الدم الحار
    Warm Front جبهة دافئة
    Warming تسخين
    Waste نفايات، فضلات
    Waste disposal التخلص من النفايات
    Water Deficit العجز المائي
    Water Table مستوى الماء الجوفي
    Wetlands الأراضي الرطبة
    Z
    Zoocenose مدغم العضويات الحيوانية
    Zooplankton البلانكتون الحيواني
    Zymolysis تخمر


    المراجع والمصادر

    أولاً - باللغة العربية:
    1- إبراهيم نحال: الأنظمة البيئية وعلاقتها بحياة الإنسان، مجلة العلوم والتكنولوجيا، العدد الثالث، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1984 م.
    2- إتيان دوفوماس، بنية ومورفولوجية الشرق الأدنى، ترجمة عبد الرحمن حميدة، جامعة دمشق 1984 - 1985 م.
    3- أحمد الشلاح، فؤاد الصالح: التلوث البيئي والأمن الصناعي، جامعة دمشق 1989 - 1990م.
    4- أحمد داود: تاريخ سورية الحضاري القديم المركز1، دار المستقبل، دمشق 1994م.
    5- أندريه إيمار، جانين أوبواجيه: تاريخ الحضارات العام، المجلد لأول، الشرق واليونان القديمة، ترجمة فريد داغر 1964 م.
    6- أندريه إيمار، جانين أوبواجيه: تاريخ الحضارات العام، المجلد الثاني، روما وامبراطوريتها، ترجمة فريد. م. داغر، 1964 م.
    7- ارنولد توينبي: تاريخ البشرية، الجزء الأول، ترجمة د. نقولا زيادة، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت 1988 م.
    8- البنا، علي علي: المشكلات البيئية وصيانة الموارد الطبيعية، نماذج دراسية في الجغرافية التطبيقية، دار الفكر العربي، القاهرة 2000 م.
    9- البيئة وقضايا التنمية والتصنيع: علم المعرفة، الكويت، العدد 285.
    10- الجديد حول الشرق القديم: مجموعة من المؤلفين، ترجمة جابر أبي جابر، خيري الضامن، دار التقدم، موسكو 1988 م.
    11- اللجنة الوطنية لبرنامج الإنسان والمحيط الحيوي: الجمهورية العربية السورية، العدد الأول، حلب، 1991 م.
    12- الصديق محمد العاقل، محمد عياد مقيلي، علي عبد الكريم علي: تلوث البيئة الطبيعية، منشورات الجامعة المفتوحة، ليبيا، 1990.
    13- المعجم الفلسفي المختصر، دار التقدم، موسكو، 1986.
    14- أمين طربوش، شاهر آغا: التقسيم الإقليمي والمركبات الجغرافية الطبيعية، منشورات جامعة دمشق، 1417 هـ، 1997 م.
    15- أنطوني جيدنز: بعيداً عن اليسار واليمين، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد 286 م.
    16- الانفجار السكاني يهدد الحياة على كوكب الأرض، مجلة الثقافة العالمية العدد 55، الكويت 1992 م.
    17- إيان ج. سيمونز، البيئة والإنسان عبر العصور، ترجمة السيد محمد عثمان، سلسلة عالم المعرفة، العدد 222، الكويت 1997 م.
    18- إيغور أداباشيف، الإنسان والبيئة، ترجمة عبد الله حبة، دار مير للطباعة والنشر، موسكو 1985 م.
    19- براين فاغان: الصيف الطويل( دور المناخ في تغيير الحضارة)، ترجمة د. مصطفى فهمي، عالم المعرفة العدد 340، الكويت يونيو 2007 م.
    20- برومليه، بودولني: الأثنوس والتاريخ، دار التقدم، موسكو 1988 م.
    21- بريستون غرالا: كيف تعمل البيئة، الدار العربية للعلوم، بيروت 1998 م- 1419ه-
    22- بسام جاموس: الجرف الأحمر قرية من الألف العاشر قبل الميلاد، مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية، تصدر عن وزارة الثقافة، العدد 44، دمشق 2001 م.
    23- بهجت محمد: بعض تطبيقات المعلوماتية في الجغرافية، منشورات جامعة دمشق، 1420 هـ، 1999 - 2000م.
    24- بورهارد برينتس: نشوء الحضارات القديمة، ترجمة جبرائيل يوسف كباس، دمشق، الأبجدية للنشر، 1989 م.
    25- بول سنلافيل: التغيرات المناخية وتطور المجتمعات البشرية في بلاد الشام ما بين 18000 - 6000 قبل الميلاد، تعريب يسرى الكجك، الحوليات الأثرية العربية السورية، تصدر عن وزارة الثقافة، العدد 43، دمشق 1999 م.
    26- بيتر جولد: الزمان والمكان والجنس البشري، الجغرافية أحدث ما وصل إليه العلم، المجلة الدولية للأبعاد الاجتماعية، ربع سنوية، اليونسكو 1966 م.
    27- ترافس واجنر: البيئة من حولنا، دليل لفهم التلوث وأثاره، ترجمة د. محمد صابر، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة 1997 م.
    28- جاك كوفان: القرى الأولى في بلاد الشام، ترجمة الياس مرقص، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق 1995م.
    29- جان دوست: قوة الحي، مبادئ في علم البيئة، ترجمة المهندس ميشيل خوري، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1998 م.
    30- جلال الدين الطيب: الجغرافية والبيئة والتنمية: الأسس والمهام، صنعاء، دار الحكمة اليمانية، 1995 م.
    31- جهاد علي الشاعر: تغير المناخ وأثره في الصحة البشرية، منشورات جامعة دمشق 2005 - 2006 م.
    32- جوردن إيست: الجغرافية توجه التاريخ، ترجمة د. جمال الدين الديناصوري، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ط2، 1982م.
    33- حسن أمين الفتوى: تخطيط النظم البيئية التقنية الاقتصادية في الحوض النهري لتحقيق الأمن المائي العربي، ندوة الجامعات في مواجهة مشكلة نقص الموارد المائية في الوطن العربي، جامعة قار يونس، ليبيا، 9 - 11 / 10 / 2000 م.
    34- حسن أمين الفتوى: هل يحقق التخطيط البيئي الأمن الغذائي العربي، مجلة الجغرافي العربي،العدد التاسع، بغداد 2002 م.
    35- حسن عبد العزيز أحمد: الجغرافية التطبيقية، مكتبة الرشد ناشرون، الرياض 1427هـ / 2006 م.
    36- حسين مصطفى غانم: الإسلام وحماية البيئة من التلوث، جامعة أم القرى، مكة المكرمة 1417 هـ / 1997 م.
    37- خنساء حسين ملحم: أثر الأنشطة البشرية على استخدامات الأرض، أطروحة علمية أعدت لنيل درجة الدكتوراه في الجغرافية، جامعة دمشق2001 - 2002 م.
    38- ديفيد بورني، تعرّف على علم البيئة، ترجمة هاني حداد، الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق 2007 م.
    39- رالف سوليكي: ملاحظات حول الظروف البيئية والمناخية في ملجأ يبرود رقم 1 خلال فترة الاستيطان الموستيري، مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية، تصدرها وزارة الثقافة، العدد 44، دمشق 2001 م.
    40- رشيد الحمد، محمد سعيد صباريني: البيئة ومشكلاتها عالم المعرفة، العدد 22، الكويت ط 2، 1984 م.
    41- زهير عمر حبش: الجغرافية تطورها طرائقها وأساليب تدريسها، منشورات الجمعية الجغرافية الفلسطينية، 1406 هـ / 1986 م.
    42- سامح غرايبة، يحي الفرحان: المدخل إلى العلوم البيئية، عمان، دار الشروق، 1987م.
    43- سعدية محمد حسانين عيسى، فؤاد عبد الرحيم أحمد: صحة البيئة والغذاء، مكتبة الرشد ناشرون، الرياض 1427 هـ / 2006 م.
    44- سلطان محيسن: بلاد الشام في عصور ما قبل التاريخ، الصيادون الأوائل، دار الأبجدية للنشر، دمشق 1989م.
    45- سلطان محيسن: بلاد الشام في عصور ما قبل التاريخ - المزارعون الأوائل، الأبجدية للنشر، دمشق 1994 م.
    46- سمير رضوان: التلوث الخفي من المفاعلات النووية إلى الأجهزة المنزلية، مجلة العربي، العدد 407، الكويت، تشرين الأول 1992 م.
    47- شريف محمد شريف: تطور الفكر الجغرافي، الجزء الأول، القاهرة 1969 م.
    48- صالح علي عبد الرحمن الشمراني: استعمالات الأراضي في المدن السعودية دراسة تحليلية ومقارنة، سلسلة بحوث العلوم الاجتماعية (12)، جامعة أم القرى،1410هـ ، 1990 م.
    49- صلاح الدين بوجاه، حاتم بن عثمان، مختار بوخريص وآخرين: مقالات ومقولات في البيئة والتربية البيئية، جمعية حماية الطبيعة والبيئة بالقيروان، تونس 1994 م.
    50- صفوح خير: الجغرافية موضوعها ومناهجها وأهدافها، دار الفكر، دمشق، 2000م.
    51- طالب عمران: الكون يكشف أسراره، دار معد للنشر والتوزيع، دمشق 1991 م.
    52- عادل عبد السلام: جغرافية سورية العامة، جامعة دمشق،1989 - 1990 م.
    53- عبد العزيز طريح شرف: البيئة وصحة الإنسان في الجغرافيا الطبية، مركز الإسكندرية للكتاب، 2003 م.
    54- عادل عوض: أبحاث مختارة في علوم البيئة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، الطبعة الأولى دمشق 1989 م.
    55- عبد الفتاح صديق عبد اللاه، عبد الحميد حسن: أسس الجغرافية الطبية، دار المعرفة للتنمية البشرية، 1428 هـ - 2007 م.
    56- علي موسى، محمد الحمادي: فلسفة الجغرافية، دمشق 1980 م.
    57- علي موسى: أسس الجغرافية الطبيعية، منشورات جامعة دمشق، 199-1993 م
    58- علي منير الحصري: الجغرافية والبيئة من المنظور التربوي، المجلة الجغرافية السورية، العدد 21، دمشق حزيران 1996 م.
    59- فياض سكيكر، محمد سليمان، ناظم عيسى: مقدمة في الثقافة البيئية، مطبعة الصفا، دمشق 1417 هـ ، 1997 م.
    60- كارل ساغان: الكون، عالم المعرفة، العدد 178، الكويت، تشرين الأول 1993.
    61- كريف ريتشارد، تشكل فوهات التصادم على الأرض، مجلة العلوم الأمريكية المترجمة، العدد 7، المجلد 8، الكويت 1992 م.
    62- ليسلي. ج. ب، لونو. ف. و: تلوث الجو الداخلي، المشاكل والأولويات، ترجمة محمد أحمد حنونة، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1997 م.
    63- ليف تولستوي: كتابات تربوية، ترجمة موفق الدليمي، منشورات دار التقدم، موسكو، 1989 م.
    64- ليك. أ. ج، كونوي. ب. أ. ر: صيد الغزلان في العصر الحجري في سورية، مجلة العلوم الأمريكية المترجمة، المجلد 4، العدد 3، 1988م.
    65- ليكي م، أ، وولكر: مستحاثات بشرية من أفريقيا ترجع إلى نحو أربعة مليين سنة، مجلة العلوم الامريكية المترجمة، المجلد 13، العدد 11، تشرين الثاني 1997.
    66- ماك الستر، إ، ل: تاريخ الحياة، ترجمة، د. فؤاد العجل، مطبوعات جامعة دمشق، 1978م.
    67- ماري كلاربوت، رينيه شوشول: الضوضاء، ترجمة ناديا الجندي، بيروت،1991 م.
    68- مايكل زيمرمان، الفلسفة البيئية: ترجمة معين شفيق رومية، عالم المعرفة، الجزء الأول، العدد 332، الكويت أكتوبر 2006 م.
    69- مايكل زيمرمان، الفلسفة البيئية: ترجمة معين شفيق رومية، عالم المعرفة، الجزء الثاني، العدد 333، الكويت نوفمبر 2006 م.
    70- مجلة البيئة والتنمية، المجلد الثالث، العدد 1، بيروت 1998م.
    71- محمد خميس الزوكة، البيئة ومحاورها وتدهورها وآثارها على صحة الإنسان، دار المعرفة الجامعية، بدون تاريخ.
    72- محمد السيد غلاب: البيئة والمجتمع، مطبعة الإشعاع، ط 7، القاهرة 1997 م.
    73- محمد العودات: مشكلات البيئة، دار الأهالي، دمشق 1995م.
    74- محمد عبدو العودات، عبد الله بن يحي باصهي: التلوث وحماية البيئة، جامعة الملك سعود، ط2 1993 م.
    75- محمد فتحي الحريري: مسألة الأمن الدوائي العربي، مجلة الوحدة، العدد 84، أيلول 1991.
    76- محمد محمد الشاذلي، علي علي المرسي: علم البيئة العام والتنوع البيولوجي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1420 هـ - 2000 م.
    77- محمد محمود الديب: الجغرافية السياسية منظور معاصر، الناشر مكتبة الأنجلو المصرية، بدون تاريخ.
    78- محمد محمود سليمان: التربية البيئية علم وأخلاق، مجلة بناة الأجيال، دمشق، العدد 25، 1996م.
    79- محمد محمود سليمان: التعليم والتربية البيئية في الوطن العربي، مجلة شؤون عربية، العدد 90، القاهرة 1997م.
    80- محمد محمود سليمان، ناظم أنيس عيسى: البيئة والتلوث، جامعة دمشق، 1999- 2000 م.
    81- محمد محمود سليمان: تاريخ نشأة وتطور الغلاف الحيوي، مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العددان (73 - 74) أذار، حزيران، 2001 م.
    82- محمد محمود سليمان: بعض المشكلات البيئية في المدن الكبرى (نموذج مدينة دمشق)، الملتقى الثالث للجغرافيين العرب (المدن الكبرى في الوطن العربي)، جامعة الملك سعود، الرياض 23 - 26 / 8 / 1424 هـ الموافق 19 - 22 / 10 / 2003 م.
    83- محمد محمود سليمان: تأثير الإنسان في البيئة السورية في عصور ما قبل التاريخ، مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العددان 93- 94 آذار - حزيران 2006 م.
    84- محمد محمود محمدين، طه عثمان الفرا: المدخل إلى علم الجغرافية والبيئة، دار المريخ للنشر، الرياض 1423 هـ / 2002 م.
    85- محمود عبد العزيز أبو العينين عبيد: مدخل إلى جغرافية التربة، مكتبة الرشد، الرياض، 1425 هـ، 2004 م.
    86- محمد ناصف قمصان: أبعاد التلوث الإشعاعي للبيئة، مجلة عالم الفكر، العدد الأول، الكويت 1991 م.
    87- مصطفى طلاس: سورية الطبيعية، دراسة جيوبوليتيكية جيو تاريخية، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق 2001 م.
    88- مصطفى طلبة: إنقاذ كوكبنا، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993 م.
    89- معين حداد: الجغرافيا على المحك، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2004 م.
    90- مكافحة تلوث البيئة: إعداد اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، ترجمة، محمد كامل عارف، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، بدون تاريخ.
    91- ممدوح حامد عطية: إنهم يقتلون البيئة، الهيئة المصرية للكتاب، 1997 م.
    92- منال جلال محمد عبد الوهاب: أسس الثقافة الصحية، مكتبة الرشد، الرياض، ط2، 1425 هـ - 2004 م.
    93- من أجل البقاء أحياء: دراسات في شؤون البيئة العالمية، ترجمة د. م. سعد الدين خرفان، دار طلاس للدراسات والنشر، دمشق 1988 م.
    94- مهدي صالح السامرائي: الحفاظ على البيئة في العصور العربية الإسلامية، دار جرير للنشر والتوزيع، 1425 هـ - 2005 م.
    95- مور، ت، أندرو، م: قرية زراعية سورية على نهر الفرات سبقت العصر الحجري الحديث، مجلة العلوم الأمريكية المترجمة، المجلد 6، العدد 10، 1989 م.
    96- ميخائيل عيد: علم الجراثيم، منشورات جامعة دمشق، 1991 - 1992 م.
    97- ميغيل موليست: العصر الحجري في الألف التاسع والثامن في شمال سورية، نتائج التنقبات في تل حالولة (وادي الفرات، سورية)، تعريب: بسام جاموس وعادلة طالبة، مجلة الحوليات الأثرية العربية السورية، تصدر عن وزارة الثقافة، العدد 43، دمشق 1999م.
    98- ميلانوفا. ي. ف، ريابتشيكوف. أ. م: الجوانب الجغرافية في حماية الطبيعة، ترجمة د. أمين طربوش، دار علاء الدين، دمشق 1996 م.
    99- ويلسون، إ، ا: تهديدات للتنوع الإحيائي، مجلة العلوم المترجمة، المجلد 7، العدد 3، آذار 1990م.
    100- يسرى الجوهري: فلسفة الجغرافية، الناشر، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، 2001م.
    101- يوان جورج نيسبت: الخروج من جنة عدن، من أجل أن نحمي الأرض ونتدبر شؤونها، ترجمة حسن كامل بحري، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1998م.
    102- هاجيت، بيتر، الجغرافية تركيبة جديدة، ترجمة محمد السيد غلاب، الناشر مؤسسة شباب الجامعة، القاهرة 1996 م.
    ثانياً - المراجع الأجنبية
    103 - Astatin. L.P , Blacosklonov.K. N , Nature Conservation , Colose Press , Moscow, 1984.
    Cherbak. Z. U , Ch irnobel , Unest Magazin , Moscow , 1987. 104 -
    105 - Edward Wolve , Avoiding Overall Extinction of Species , World State , Moscow , Progress Home , 1989.
    106 - Geography Science And Art ,Opinion Scientists
    USSR And USA , Progress Press , Moscow 1989.
    107 - Helmut. E. Landsberg , the Urban climate , Institute for physical science and technology , University of Maryland 1981.
    108 - Hilary French , Protecting the Planet In The Age Of Globalization. Norton and Company , New York , London , 2000.
    109 - Israel , U. A , Ecology and Control of the State of the natural
    Environment , Moscow , Hydrometeo press , 1984.
    110 - Kachilov.M. M ; Development Of Biosphere , Moscow , 1984
    111 - Kislov, A.V ,Surkova ,G.V , Assessment of contribution of visible Evaroration from Caspian Sea Surface and level changes during Holocene and late Pleistocene. Moscow University Magazine , Geography Cycle 5 , No. 2 , 1996.
    112 - Kolocov. o. Khominco. n. p , Environment Conservation , High School Press , Kiev 1986.
    113 - Kotcherybe. V. A , Environment Of citys , Lvov 1984.
    114 - Moseive. N. N, Human Ecology is Eyes Of Mathematics , Efreka Cycle , Moscow , 1988.
    115 - Nikitin. D. P. Novikov. Y. V , Environment and Man , High School Press , Moscow , 1980.
    116 - Nivrozov. z , Natur Never Forbids Mistakes , Moscow , Misl , 1988.
    117 - Pestracof U. I , Kolosof A. P: Economy and Ecology , Moscow , 1988.
    118 - Preston E. James , Geoffrey J. Martin. All Possible Worlds , A History of Geographical Ideas , New York. Brisbane. Toronto. Singapore 1981. Moscow , Progress. 1988.
    119 - Prokhorov, A , M.Abachidzy , I ,V, Azimov , P , A , and anothers , Biological Encyclopedia , Sovietcky Encyclopadia Press , Moscow , 1986.
    120 - Rimers. N. F , Nature Mangment , Mysl Press , Moscow 1990.
    121 - Smirnov. L. E , Geographical - Ecological Problems And Cartography , Geography Geology magazine , Leningrad University , cycle 7 , N 3. 1990.
    122 - Stadnisky. G. B. Rodinove. A. I. Ecology. Hight press. Moscow 1988.
    123 - The Restoring of Rivers and Streams , theories and experience , Edited by James A.Gore. University of Tulsa.1989.
    124 - The State of the Environment , Organization for Economic Cooperation and Development (OECD) , Paris , 1991.

    فهرس الجداول
    رقم الصفحة موضوع الجدول رقم الجدول
    70 تزايد عدد سكان العالم عبر الزمن 1
    167 تطور الحياة منذ القدم وحتى ظهور الإنسان 2
    219 أهم الغازات الموجودة في الغلاف الجوي 3
    224 أهم الغازات المنطلقة من البراكين 4
    233 أهم الحوادث التي تعرضت لها المفاعلات النووية في العالم 5
    246 أهم حوادث الضبخان في العالم والآثار الناتجة عنها 6
    259 توزع المياه في الغلاف المائي 7
    262 مواصفات الماء الصالح للشرب 8
    272 أهم حوادث ناقلات النفط 9
    295 تأثير الضوضاء في جهاز السمع 10
    300 تغير مستوى الحقل المغناطيسي 11



    n

    الصفحة

    مقدمة عامة 9
    الفصل الأول : أسس ومفاهيم بيئية 15
    1-1- تعريف البيئة 17
    1- 2- تعريف علم البيئة 19
    1-3- تطور علم البيئة 22
    1-4- النظام البيئي 27
    1-4- 1- عناصر النظام البيئي 28
    1-4- 2- الأرض باعتبارها نظاماً بيئياً 32
    1-4- 3- تأثير المناخ في النظام البيئي 33
    1-4- 4- تأثير المياه في النظام البيئي 34
    1-4-5- تأثير شكل سطح الأرض في النظام البيئي 35
    1-4-6- توازن النظام البيئي 36
    1-4-7- عوامل الإخلال بالتوازن البيئي 38
    1-4-8- سريان الطاقة في النظام البيئي وتبادلها 39
    1-5- النظام الجغرافي 41
    1-6- النظام الجغرافي والنظام البيئي 42
    الفصل الثاني : الدورات الطبيعية ( البوجيوكيميائية ) 45
    2-2-1- آلية حدوث الدورات الطبيعية وديناميكيتها 47
    2-2-2- دورة الكربون 50
    2-2- 3- دورة الأكسجين 52
    الصفحة
    2-2- 4- دورة النتروجين 53
    2-2- 5- دورة الكبريت 54
    2-2- 6- دورة الفوسفور 55
    2-2-7- الدورة المائية 55
    2-3- السلسلة الغذائية 58
    الفصل الثالث : الإنسان والبيئة 61
    3-1- العلاقة بين الإنسان والبيئة 63
    3-2-1- تأثير البيئة في الإنسان 65
    3-2-2- تأثير الإنسان في البيئة 68
    3-3- النمو السكاني 69
    3-3-1- العلاقة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية والبيئة 70
    3- 4- العلاقة بين المشكلات البيئية وصحة الإنسان 74
    3-4-1- العوامل الجغرافية-البيئية-المؤثرة في صحة الإنسان 75
    3-5- البيئات الجغرافية البشرية والاجتماعية 83
    3-5-1- تعريف البيئة البشرية 83
    3-5-2- تعريف البيئة الاجتماعية 83
    3-6- التفاعل بين المنظومات البيئية 91
    الفصل الرابع : العلاقة بين الجغرافية والبيئة 93
    4-1- تعريف علم الجغرافية وتطوره 95
    4-2- المدارس البيئية الجغرافية 99
    4-2-1- المدرسة الجغرافية الحتمية 99
    4-2-2- المدرسة الجغرافية الإمكانية 101
    4-2-3- المدرسة الجغرافية البيئية الحديثة 102
    4-3- أسبقية علم الجغرافية بالاهتمام بالبيئة 104
    4-4- العلاقة بين علم الجغرافية وعلم البيئة 108
    4-5- تراجع الاهتمام بعلم الجغرافية وزيادة الاهتمام بعلم البيئة 111
    الصفحة
    الفصل الخامس : دور الجغرافية في حماية البيئة 115
    5-1- الجغرافية البيئية ( الجيوإيكولوجيا ) 117
    5-2- بعض الآراء في مكانة الجغرافية ودورها في حماية البيئة 118
    5-3- دور الجغرافية في حماية البيئة والموارد الطبيعية 121
    5-4- الموارد الطبيعية 130
    5-4-1- تعريف الموارد الطبيعية 130
    5-4-2- تصنيف الموارد الطبيعية 131
    5-4-3- العلاقة بين الموارد الطبيعية والموارد البشرية 134
    5-4-4- دور الجغرافية في حماية الموارد الطبيعية 135
    5-4-4-4- دور الجغرافية في حماية البيئة من الحروب وسباق التسلح 135
    5-4-4-5- دور الجغرافية في حماية الغطاء النباتي 139
    5-4-4-6- دور الجغرافية في حماية مناطق السياحة والاستجمام 141
    5-4-5-دور العلوم الإنسانية في حماية البيئة 143
    5-4-6-دور علوم الآثار والتاريخ في حماية البيئة 147
    5-4-7-دور علوم الاجتماع والفلسفة في حماية البيئة 150
    5-4-8-دور العلوم الدينية في حماية البيئة 151
    الفصل السادس : الغلاف الحيوي ( البيوسفير ) 157
    6-1- الغلاف الجغرافي ( الجيوسفير ) 159
    6-1-2- الغلاف الجغرافي والمجال الجغرافي 160
    6-2- الغلاف الحيوي ( البيوسفير ) 161
    6-2-1- تعريف الغلاف الحيوي 161
    6-2-2- كوارث الانقراض التي تعرض لها الغلاف الحيوي 165
    6-2-3- أسباب الكوارث التي تعرض لها الغلاف الحيوي 170
    6-2-4- الغلاف الحيوي المعاصر 173
    6-2-5- الانتقال من الوسط الحيوي إلى الوسط العقلي 174
    6-2-6- حماية الغلاف الحيوي 177
    6-3- تأثير الإنسان في البيوسفير في سوريا والوطن العربي في العصور القديمة 178
    الصفحة
    الفصل السابع : التربة والغلاف الصخري 189
    7- الغلاف الصخري ( الليثوسفير ) 191
    7-1- تعريف الغلاف الصخري 191
    7-2- تعريف التربة 192
    7-3- مكانة التربة في الأغلفة الجغرافية 194
    7-4- أهم المشكلات التي تتعرض لها التربة 195
    7-4-1- تلوث التربة 195
    7-4-2- تعرية التربة ونحتها 200
    7-4-3- تملح التربة 201
    7-4-4- تصلب التربة 202
    7-4-5- استنزاف التربة 202
    7-4-6- الجفاف والتصحر 202
    7-4-7- الإجراءات التي يمكن اتباعها لحماية التربة 209
    7-4-8- دور الجغرافية في حماية التربة 210
    الفصل الثامن : الغلاف الجوي (الاتموسفير) 215
    8-1- تعريف الغلاف الجوي 217
    8-2- أهمية الغلاف الجوي 217
    8-3- تركيب الغلاف الجوي ومكوناته 218
    8-4- بنية الغلاف الجوي ( العمودية ) 219
    8-5- تلوث الغلاف الجوي 221
    8-5-1-مصادر تلوث الغلاف الجوي 222
    8-5-1-1-المصادر الطبيعية لتلوث الغلاف الجوي 223
    8-5-1-2-المصادر البشرية لتلوث الغلاف الجوي 228
    8-6- أهم الظاهرات المرتبطة بتلوث الغلاف الجوي 237
    8-6-1 -تأثير الغلاف الجوي في غاز الأوزون 238
    8-6-2- الاحتباس الحراري-عامل البيت الزجاجي- 242
    8-6-3- ظاهرة الضبخان 244
    8-6-4- ظاهرة الأمطار الحامضية 247
    الصفحة
    8-6-5- تأثير التلوث الجوي في صحة الإنسان 250
    8-6-6- تأثير التلوث الجوي في الغطاء النباتي والحيواني 251
    8-6-7- تأثير التلوث الجوي في المعالم الأثرية والتاريخية 251
    8-7- إجراءات حماية الغلاف الجوي 253
    8-8- دور الجغرافية في حماية الغلاف الجوي من التلوث 254
    9- الغلاف المائي ( الهيدروسفير ) 257
    9-1- مصادر المياه وتوزعها في الغلاف المائي 259
    9-2- أهمية الغلاف المائي 260
    9-3- استخدامات المياه والخصائص الفيزيائية والكيميائية لها 261
    9-4- مصادر تلوث المياه 263
    9-4-1-المصادر الطبيعية لتلوث المياه 264
    9-4-2-المصادر البشرية لتلوث المياه 265
    9-5- الآثار الناتجة عن تلوث المياه 270
    9-6- المشكلة المائية في الوطن العربي 274
    9-7- الإجراءات التي يمكن اتباعها للمحافظة على المياه 279
    9-8- دور الجغرافية في حماية الموارد المائية وترشيد استغلالها 280
    الفصل العاشر : التلوث الفيزيائي ( البارامتري ) 283
    10-1- التلوث الفيزيائي شكل من أشكال التلوث البيئي 285
    10-2- أنواع التلوث الفيزيائي 286
    10-2-1- التلوث الضوضائي 286
    10-2-1-1- تعريف الضوضاء 286
    10-2-1-2- مستويات الضوضاء 286
    10-2-1-3- مصادر الضوضاء 287
    10-2-1-4- الآثار الناتجة عن الضوضاء 294
    10-2-1-5- إجراءات الحد من التلوث الضوضائي 296
    10-2-2- التلوث الإشعاعي 297
    الصفحة
    10-2-3- التلوث الكهرومغناطيسي 298
    10-2-4- التلوث الحراري 300
    10-2-5- التلوث الضوئي 301
    10-3- التلوث الداخلي 301
    10-3-1- تعريف التلوث الداخلي 302
    10-3-2- أسباب ومصادر التلوث الداخلي 304
    10-3-3- الإجراءات التي يمكن اتباعها لتخفيف حدة التلوث الداخلي 314
    الفصل الحادي عشر : الأمن البيئي العربي 317
    11-1- تعريف الأمن البيئي 319
    11-2- الأمن البيئي العربي 320
    11-3- العلاقة بين الأمن البيئي والصراع على الموارد الطبيعية 321
    11-4- أشكال الأمن البيئي وأنواعه 322
    11-4-1- الأمن البيئي النووي 322
    11-4-2- الأمن البيئي المائي 325
    11-4-3- الأمن البيئي الجوي 330
    11-4-4- الأمن البيئي الصحي 330
    11-5- مبادئ أولية ومقترحات لوضع برنامج للأمن البيئي العربي 331
    قائمة المصطلحات العلمية 333
    قائمة المراجع والمصادر 346
    فهرس الموضوعات 353
    فهرس الأشكال 354
    فهرس الجداول 355
    هذا الكتاب 361

    هذا الكتاب

    تعاني البيئة من مشكلات متعددة ومتنوعة، وهي تعني المكان، والمأوى، والبيت، حيث يعيش الإنسان، ويعمل، ويطور حياته، ويؤمن حاجاته.
    وجميع الكائنات الحية، بما فيها الإنسان تحتاج إلى ظروف بيئية مناسبة، متوازنة ومستقرة، هذا التوازن والاستقرار الذي تعرض عبر الزمن، ومازال يتعرض، للكثير من المشكلات والكوارث، التي تزايدت وتفاقمت حدتها، وأخذت أبعاداَ جديدة، خاصة بعد الثورة الصناعية، وعلى الأخص في العصر الحاضر، وتتجلى هذه المشكلات في تلوث التربة والماء والهواء، وتغير بيوسفير الكوكب بشكل عام.
    إن الاهتمام بالبيئة وعناصرها المختلفة، كان وما زال وسيبقى أمراً ضرورياً لكل إنسان في كل مكان وزمان، ولأن معظم المشكلات البيئية ذات أبعاد جغرافية، مكانية محددة، والعلاقة بين علمي الجغرافيا والبيئة، علاقة قديمة متجددة، عكست باستمرار اهتمام كل منهما بالإنسان باعتباره من أهم عناصر البيئة، وعكست اهتمام الإنسان بالبيئة ومكوناتها وعناصرها.
    لقد جاء هذا الكتاب منسجماَ مع هذا التوجه، وهذه العلاقة، بهدف التعريف بالكثير من المفاهيم، والمصطلحات، والمعلومات البيئية، والتعريف بالكثير من المشكلات البيئية، من تلوث، وتغيّر، وتدهور، واستنزاف تتعرض له الموارد الطبيعية، والأغلفة الجغرافية، والتعرف على الآثار والعواقب الناتجة عن ذلك، بالنسبة للإنسان وغيره من الكائنات الحية وللبيئة بشكل عام، واقتراح أهم الإجراءات التي يمكن القيام بها، لحل هذه المشكلات والتخفيف من حدتها وآثارها السلبية، وبما يسهم في تعزيز المعرفة البيئية، وتوطيد الوعي البيئي، وزيادة الاهتمام بالبيئة وعناصرها المختلفة.
    آمل أن يكون هذا الكتاب مفيداً للمختصين، والطلاب، والمهتمين، والذين يعملون ويكافحون من أجل حماية البيئة والمحافظة عليها، حماية للحياة واستمرارها وتطورها.
    والله ولي التوفيق.





  10. #10
    عضو

    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    الدولة
    منتسب جغرافيا
    المشاركات
    92
    معدل تقييم المستوى
    1
    نرجوا الدعاء لنا بالتوفيق

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع ما يكتب في المنتدى لا يمثل توجهات وسياسة المنتدى أو إدارته أو أعضائه .. وإنما يعبر عن رأي كاتبها
مع الأخذ في الاعتبار ضوابط المشاركة في المقالات والمواضيع العامة


Copyright © 2014 Bandars.com - All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة لإدارة منتديات طلاب وطالبات جامعة طيبة
الإدارة التقنية بواسطة مجموعة الياسر لتقنية المعلومات